آخر الأخبار

فضل الله حفر اسمه في صحف الخرطوم

بقلم: محمد الشيخ حسين
كاتب صحفي

1362652072
حين قلد رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب الأستاذ فضل الله محمد وسام الصحافة العربية ضمن كوكبة من الصحفيين المخضرمين الذين كانت لهم بصمات متميزة في الصحافة العربية خلال السنوات الخمسين الماضية، كانت أكثر من 50 عاماً قد مضت على فضل الله الذي كان أول عهده بمهنة الصحافة حين كان طالباً في مدرسة ودمدني الأهلية المتوسطة.

وكتب فضل الله لأحد المواطنين من قرية الشريف يعقوب، رسالة عن ظلم تعرض له لتنشر في باب (وراء شكواك) في صحيفة السودان الجديد.

ورغم أن الرسالة نشرت باسم صاحب الشكوى، إلا أن ذلك أغرى فضل الله بإرسال مقالات إلى صحف الخرطوم، وهكذا حفر اسمه في صحف الخرطوم باسم فضل الله ابن الجزيرة.

وسام الصحافة
أما حكاية وسام الصحافة العربية، فقد كانت مبادرة كريمة من اتحاد الصحفيين السودانيين بقيادة الدكتور محيي الدين تيتاوي، رشح فيها الأستاذ فضل الله محمد للتكريم كأحد الذين تركوا بصمة مميزة في تطوير الصحافة السودانية، لتكريمه ضمن رموز صحفية عربية في احتفال اتحاد الصحفيين العرب باليوبيل الذهبي.

وحسب إفادة الأستاذ صلاح عمر الشيخ الأمين العام لاتحاد الصحفيين لـ (سونا)، فإن “حفل تكريم الأستاذ فضل الله محمد رمزاً من رموز الصحافة العربية كان مميزاً من كل الاتحادات العربية، ووجد اهتماماً كبيراً من قبل الدولة المصرية على رأسها قيادة المشير عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء إبراهيم محلب الذي كرم رموز الصحافة العربية الذين ساهموا في تطويرها وخدمتها”.
بدأت رحلة فضل الله في العاصمة المثلثة من بوابة جامعة الخرطوم بعد قبوله طالباً في كلية القانون ضمن دفعة ضمت 40 طالباً، تخرج منها 17 طالباً فقط. وطغت في تلك الأيام وبعدها بصمة الشاعر على شخصية فضل الله، وأصبح الاسم الأكثر حضوراً في مخيلة شعراء الأغنية السودانية.

ولا غرو في ذلك، فهو نتاج أصيل لتربة الجزيرة الخضراء أرض المحنة التي أرسل منها قبل نصف قرن من الزمان إلى (المسافر أشواقه الكثيرة).

لذلك أصبحت قصائده مع ألحان الموسيقار الكبير باشكاتب الأغنية السودانية محمد الأمين أغنيات متجذرة في وجدان وطن وارف الظلال، وذات عباءة عاطفية طرزها بحرفنة شديدة ونبل جعلت ثمار أشجاره أكثر طزاجة، على الرغم من مرور العقود.

بصمة الشاعر
لعل أهمية شاعرية فضل الله كبعد أول في شخصيته مصدرها أنه نموذج حي للشاعر المثابر الذي عكف على طبخته الشعرية الخاصة بصبر وإناة غير ملتفت لطبيخ مائدة القصائد المغناة السائدة بكل فحول وأفذاذ القصيد.

وفضل الله أيضا أكثر شعراء الأغنية السودانية قدرة على إثارة الدهشة عبر الجملة الشعرية القصيرة المتزنة، وعبر قيمة متحركة حميمة من قيم الوطن ونبضه، تكاد تراه في قصائده يتحرك على قدمين مثل عامل بسيط يحمل آلته داخله، وإن لم يحملها على كتفيه، ليملأ حياتنا بالبساطة والتفاؤل.

عمل فضل الله بعد تخرجه في الجامعة بالمحاماة لعام واحد ثم انتقل إلى ديوان النائب العام، وعمل فيه لعام آخر.
فضاء الصحافة
يستدعي المقام توضيح أن البعد الثاني في شخصية فضل الله محمد دارس القانون والممارس له لفترة قصيرة لم تستمر طويلاً، إذ نجح شيخ الصحفيين الأستاذ محجوب محمد صالح في نقله من حوش النائب العام الضيق إلى فضاء الصحافة الرحيب نقلاً نهائياً إلى مهنة النكد. وهكذا توزعت بصمة فضل الله محمد بين الصحافة والقانون والشعر.

فيما يلي البعد الثالث في شخصية فضل الصحافي تجده يردد دائماً أنه تلميذ للأستاذ محجوب محمد صالح، حيث كانت خطواته الأولى في دار الأيام التي كان يشرف عليها الأستاذ محجوب محمد صالح، وعمل معه في مجلة الحياة. وهكذا تجد فضل الله كثير الامتنان لتجربه تتلمذه وعمله مع الأستاذ محجوب محمد صالح كأحد الذين أثَّروا في حياته

أما فضل الله محمد الصحافي، فإن المسافات في هذه المهنة الرسالة عنده لا تقف عند حدود نقل الخبر أو كتابة المقال أو غير ذلك من أساليب المهنة الرائدة.

الراجح عند فضل الله ـ والرجل أستاذي ـ أن الصحافة عندما تدخل في صراع الأحداث ومواجهات السياسة تصبح من صناع التاريخ، حيث لا تقف عند مستوى المشاهدة بل تكون جزءاً من مسيرة الأوضاع، وتلك خاصية تنقل مكانة الصحافي إلى أستاذية المؤرخ الذي شارك وكتب وأصبح مرحلة من الزمن لا يمكن تجاوزها عند مراجعة سجل العلاقة بين الصحافة والتاريخ.

الشاعر والصحافي
غير أن فضل الله الشاعر يطغى على فضل الله الصحافي، والشاهد أن كتاباته ليست مجرد حروف سوداء تتلاصق مع بعضها، بل هي كائنات تصرخ، وتغرد، وترعد، دون أن تفتح فمها.

وهنا لا يخلو الأمر من مفارقة، إذ يبدو لي أن فضل الله محمد الصحفي قد قتل فضل الله محمد الشاعر عمداً مع سبق الإصرار على قفل ملف الشعر بالضبة والمفتاح، وربما يتهكم من سذاجتك إذا رددت أمامه (كل دقيقة وأنت مافي مرة ما بنقدر نطيقا).

من يريد أن يبحث في بصمة فضل الله الصحفي فعليه مراجعة عموده اليومي (الخرطوم اليوم)، فالعمود محاولة للجمع بين الافتتاحية اليومية للصحيفة والرأي من منظور شخصي للكاتب.

وأرجو أن أكون مصيباً حين أشير إلى أن الذي فرض هذا الشكل من الافتتاحية هو أن صحيفة الخرطوم في عهد إصدارها الأول منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كانت تضم أكثر من تيار وطني، فسارت سياسة التحرير في اتجاه أن لا تلزم كل التيارات برأي موحد، وأن نعبر عن آراء مختلفة في أعمدة مختلفة.
من يريد أن يتعمق في تأثير فضل الله محمد في الصحافة السودانية، عليه أن يتقصى سيرة تلاميذه الذين أصبحوا أصدقاءه، وهم كثر ونجوم بارزة في الصحافة السودانية والعربية والدولية، لأن الدرس الأول الذي يلقنه لك فضل الله أن يقمع الصحافي غريزته الفطرية إلى النجومية، ويروِّض نفسه على أن مهمته أن ينقل للآخرين الأحداث والوقائع، وليس إخبارهم عن نفسه وطموحاته وآرائه.

وكان الدرس الثاني الذي يقدمه فضل الله أن كل المحاولات التي يبذلها الصحافي في الكتابة هي في طريق المساعدة في بناء الوطن. وكلمة السر عند فضل الله هي الجدوى، إذ لا خير في كتابة لا جدوى من ورائها، ولذلك كان يهتم بتأكيد أن يقدم الصحافي بقدر المستطاع بدائل عندما ينتقد الأوضاع، وأن يرتبط برؤية استراتيجية، وأن لا يشغل نفسه بمسائل ذاتية.

عالمه وعصره
فضل الله محمد صحفي يتمنى أن يظل موصولاً بعالمه وعصره قدر ما يتسع له الجهد والعمر. وقد تعجز عن وصفه، ولكنه يقول لك بكل تواضع إنه صورة حية للمواطن السوداني، الذي كد وكدح وصنع لنفسه مداراً يتحرك فيه، وينتصر لعقله وأفكاره.
ومع ذلك يصر أنه واحد من غمار الناس يحاول أن يكون مفيداً لأسرته ولمهنته ولمجتمعه، والحكم في ذلك متروك للناس طبعاً.

ويمضي فضل الله محمد زهاء الـ 50 عاماً في دهاليز وبلاط صاحبة الجلالة يلبس عراقي وسروال الحياة السودانية، ويعمل مع عمالقة الصحافة، وكل همه أن تكون الصحيفة التي يعمل فيها ناجحة من جهة الأداء المهني والتوزيع والتأثير في المجتمع.

أما الكتاب الذي لا يمل فضل الله محمد قراءته، فهو المصحف الشريف، فهو المرجع المستدام عنده سواء بدوافع التعبد أو بدوافع التعلم والتبحر في اللغة والمعاني. وتجده كذلك تجده كثير الحرص على أن يكون ديوان المتنبي موجوداً في متناول يده. وقبل فترة طويلة حدثني بحسرة عن فقدانه طبعة بيروتية لديوان المتنبي في ورق مصقول وحروف بارزة، أتمنى أن يكون قد عثر عليها.

نسمات النيل الأزرق صيفية والأرض على ضفتيه عند مدينة مدني تكتسي باللون الأخضر أو الداكن الزرقة والبنّي المتدرج أو الأصفر، وحنين فضل الله محمد إلى مدني لا ينقطع، ويعبر عن هذا الحنين بلغة القانوني الذي لا يعرف الكلام المرسل ليقرر “إذا كنت قد اكتسبت أي مزايا إيجابية، فالفضل فيها يرجع إلى بيئة ود مدني. وإذا كانت هناك سلبيات تكتنف مسلكي، فالسبب في ذلك ابتعادي عن ود مدني”.
أجيال الخيبات
مع ذلك لا تحسبن أن جيل فضل الله محمد قد أُعطي كل الفرص، بل على العكس قد يكون هو الجيل الذي نقش الحرف على الحجر لتستدل به الأجيال المقبلة، وتقتفي أثره من دون أن تتبعه، ولكن لتجعله بوصلة لها.

ورغم كل ذلك أخشى أن أقول إن الصحفيين في السودان هم أجيال الخيبات الكبرى، فكثيراً ما حلمنا وحلمنا ثم حلمنا أكثر لنجد أنفسنا أمام واقع شديد القسوة لا يرحم الحالمين، ولا يهوى سوى تكسير الأحلام وتحويلها إلى وهم. وكثير من أجيال الصحفيين تخلوا عن أحلامهم الكبرى والصغرى أو اكتفوا بما تمنحه الحياة. اكتفوا بالممكن فيما كان يحلمون بالمستحيل، كأن يكون الفضاء الحر أكثر من الهواء الخانق، أن يكون للصحافة مسافاتها التي تبعدها عن السلطة بدلاً من أن تنام في حضنها أو في أحضان رأس المال الناشئ على دفن أحلام أجيال مقبلة من أبناء الوطن.

تقدير وعرفان
مقتضى الحال يستوجب أن ندون إشارة تقدير وعرفان لاتحاد الصحفيين في دورته الجديدة بقيادة الصديق القديم الصادق الرزيقي على هذه الاستهلالة الطبية بتكريم أحد النجوم السامقة في سماء الصحافة السودانية، وهو عمل يبث التفاؤل والحماس فضلا عن أنه مطلوب بشدة.

وخير ختام أن نعيد على مسامع الرزيقي سؤال الأستاذ محمد حسنين هيكل أحد المكرمين في رسالته لاتحاد الصحفيين العربية: كيف يمكن للمهنة وفي هذه الظروف أن تكون آخر ريشة في آخر جناح يقدر على الطيران في أجواء مضطربة، علَّها تكفر عن نصيبها من المسؤولية باكتشاف ممر مفتوح إلى مستقبل ممكن بدلاً من مستقبل مستحيل؟

وياعزيزي الصادق منا السؤال ومنك النشيد ودمت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى