آخر الأخبار

تدريس الفنون بين الأمس واليوم

1418119435

بقلم :كمال جبر الله
تشكيلي ومساعد تدريس سابق بكلية الفنون
أثارت فضولي واستوقفتني صورة نادرة لـ أ.د محمد عبدالله الريح صاحب البرنامج التلفزيوني الشهير جداً في منتصف الثمانينيات (طبيعة الأشياء)، كنا حينها في مقتبل العمر يعجبنا اهتمام الكبار واحتفائهم بالبرامج، وهم يتحلَّقون حوله، فنتملقهم بالانتباه لما أعجبهم.

والرجل صاحب أسلوب طريف وتلقائي، فطريقته لم تكن معهودة في تلك السنوات، وهو العالم بالتاريخ الطبيعي والإعلامي الكبير وصاحب الاسم الشهير (حساس محمد حساس).

صورة أخذت في العام 1958 بمدرسة خورطقت الثانوية، وقد ذيلها أ.د الريح بهذه العبارة على إحدى صفحاته في موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك): “في غرفة الفنون وأنا أقوم بعمل تمثال لصديقي الطالب آنذاك إسماعيل عمر خلف الله. في هذه السنة نُشرت لي قصتان في مجلة (الصباح الجديد) التي كان يصدرها الأستاذ الشاعر الراحل حسين عثمان منصور رحمه الله”.

ما استوقفني ودفعني للكتابة أمران، الأول مستوى المدارس الثانوية في الخمسينيات، والثاني نشر مقالين لطالب ثانوي بمجلة (الصباح الجديد).

كلية الفنون
قدمنا للدراسة الجامعية في مطلع العام 1992، بعد مشاورات ومفاوضات مع الأهل والعشيرة في أن ننحو منحىً ندرس فيه الفنون الجميلة التطبيقية، وكان قراراً شجاعاً وغريباً حينها، فالكثيرون لا يعرفون الفنون الجميلة، ولا يدركون ما هي المهنة التي توصل إليها تلك الدراسة، بل كان قراراً لا يخلو من التهور في بلد كالسودان، الكل يبحث فيه عن وسيلة لكسب العيش تؤمن له حياة كريمة.

أذكر أننا قد جلسنا في ذلك العام لامتحان القدرات، ونحن نُمنِّي نفوسنا بدخول كلية الفنون، وقد كان عددنا يربو عن 400 طالب وطالبة، قُبِل منا 72 طالباً وطالبة فقط، هم من حالفهم الحظ في الالتحاق بالكلية، ومُنحوا شرف أن يكونوا دارسين للفنون الجميلة والتطبيقية.

وكان ما أراد الله، وبدأنا نحمل (البورتات) متباهين فرحين بما أتانا الله من حظ لدراسة الفن. حينها كان الطالب (البرلوم) يدرس بالسنة الأولى (دراسة عامة) يطوف فيها على شتى ضروب الفنون ويتمرس على الرسم الحر وفن الخزف (Potery)، وفن النحت (Sculpture)، والخطوط العربية والزخارف الإسلامية (Calegraphy)، ودراسات تصميم الأقمشة (Textile)، وقد وجدنا الطين في قسمي النحت والخزف، ودُهشنا به لأول مرة، فلم يكن متاحاً في دراستنا الخجولة للفنون في المرحلة الثانوية، لذلك كانت الصورة مدهشة أن يكون النحت متوافراً في مدرسة ثانوية (خورطقت عام 1958)، ولا تتوافر في ثانويات العام 1990.

أستديوهات الفنون
تخيلوا المدرسة الثانوية بالسودان وفي الأقاصي ليس المركز في العام 1958م (أي بعد عامين فقط من الاستقلال)، تحوي أستديو للفنون يُدرَّس فيه كيفية الرسم والتلوين، بل ويمّكن الطالب الدارس من القيام بعملية بناء من الطين وتنفيذ عملية نحت متكاملة يتم بعدها حرق المجسم في أفران ذات درجات حرارة عالية جداً، وصنعت خصيصاً لهذه الأغراض.. كما هو ظاهر بالصورة.

هذه الإمكانات لم تكن لتتسنى في يومنا هذا (بل هذا حالنا ومنذ عشرات السنين) إلا لمن أحب الفنون في هذا البلد، وسعى لها سعيها، حتى تمكَّن من اجتياز امتحان القدرات بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا (وهي الكلية اليتيمة المتخصصة في مجال الفنون بعد أن آلت الكلية الثانية بجامعة جوبا لدولة جنوب السودان)، امتحان القدرات يتم بموجبه قبول الطالب في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية.

المستوى الرفيع
حملتني تلك الصورة لأن أحتار في ذلك المستوى الرفيع الذي أوصله المستعمر الإنجليزي لمدارس الثانوي وقتها، والذي نسمه دوماً بـ (البغيض والغاشم الظالم)، وإن دلَّ هذا على شيء فإنما يدل على اهتمام ذلك المستعمر بالمدارس الثانوية، وتطوير إمكاناتها، حتى غدت تضاهي الجامعات والكليات المتخصصة التي تُدرِّس الفنون الجميلة والتطبيقية هذه الأيام.

هذا لعمري شيء محير ومخجل، ويدل على التردي الواضح الذي عايشته هذه الفنون وما شاكلها، وعدم الاهتمام بها من قبل وزارتي التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي بل وإهمالها للحد البعيد.

إن المستعمر الإنجليزي الذي أنصفنا في كثير، قد أسس لتلك الثانويات أستديوهات مؤهلة ومكتملة تعلِّم الطلاب الرسم والنحت والتلوين وفنون الخط العربي، وكان يؤمن بأن الفنون هي التي ترتقي بالتعليم وبحضارة الشعوب ولها مساهماتها في عجلة التنمية والتطور الإداري والمهني العام في أي بلد.

حملة مشعل
وقد كان الرواد من خريجي مدرسة الفنون التابعة لكلية غردون التذكارية، التي أسست في العام 1948 -وقتها- هم حملة مشعل تعليم الفنون الذين انتشروا في مدارس السودان المختلفة كمدارس: خور عمر، وعطبرة القديمة، وحنتوب، وخورطقت.. وغيرها من المدارس ذائعة الصيت آنذاك.

وأذكر أنني طالعت في العدد رقم 154 بمجلة (العربي) الصادر في شهر سبتمبر من العام 1971، صوراً لمدرسة عطبرة الأميرية الثانوية للبنات، وهنَّ في أستديو الفنون يرسمن على (البورت) بنفس الطريقة التي يقدمها قسم الرسم بكلية الفنون، ويطوف عليهن المعلم، وهو يتابع عملهن، فتعجبت لواقع التعليم في السودان الذي يسير إلى الأسوأ لدرجة أن المرحلة الثانوية في أواخر الخمسينيات أفضل من كلية متخصصة وحيدة في وطن مترامي الأطراف في العام 2014.

وما دمنا قد تحدثنا عن الكلية والتردي الذي تعيشه كرصيفاتها في المجالات كافة، فلا بد لنا من أن نذكر أن السبب وراء التردي في المقام الأول، كما يرى كثيرٌ من التشكيليين في السودان اليوم، هو أن امتحان القدرات الذي بموجبه يتم اختيار الطالب الموهوب حقاً، والذي يمتلك القدرة الحقيقية في الرسم مما يؤهله لأن يكون دارساً للفنون، قد ألغي منذ العام 1993، ولا أحد يستطيع أن يتحدث لك عن فلسفة إلغاء هذا الامتحان، وما القصد من ورائه.

الموهبة والفطرة
ليس هنالك منطق يجعلك تُدخل أحداً إلى كلية تعتمد على الموهبة والفطرة ثم الدراسة والاكتساب من دون أن تختبره اختباراً (يُصفِّيه) من مجموع الجالسين للكلية أقدرهم وأوفرهم موهبة.

وهذا بدوره كان سبباً رئيساً في أن الطلاب كانوا متميزين يقدمون في معارض البكالريوس (التخرج) أبهى آيات الجمال من الإبداع في شتى ضروب الأقسام، وقد عرفت المعارض قبل هذا التاريخ بذلك، حيث كان يؤمها الزوار زرافات ووحداناً في جامعة السودان- المقرن، وتزدان لياليها بحُلَّةٍ من الجمال في أسبوع يثقف العوام، ويجعلهم يدركون ما هي تلك الفنون، وماذا تقدم للإنسان في مجالات الطباعة والتصميم والصناعات وغيرها.

أما الأمر الثاني الذي لفت نظري وجعلني أقارن طالب الثانوي في العام 1958 وطالب الجامعة الآن دعك من طالب الثانوي وأ.د محمد عبدالله الريح خير مثال للنموذج الأول، هو أنه قد نُشرت له قصتان في مجلة (الفجر الجديد) المعروفة، وهذا يؤكد نبوغه والمستوى الرفيع الذي كان يقدمه المعلمون وقتها… حيث لا يستطيع طالب في الثانوي أن يكتب قصة تنشر في مجلة كبيرة كـ (الفجر الجديد)، إلا وقد تمكن من اللغة وقواعدها وأجاد التعبير وعرف فنونه وخباياه.

عشرة أسطر
والسؤال الذي يفرض نفسه هل يستطيع طالب الجامعة في هذه الأيام أن يكتب تعبيراً من عشرة أسطر لا يخطئ فيه في الإملاء، قلما تجد هذا والكل يعلم ذلك!

فما هو سر هذا التردي والانحطاط في المستوى العام لدى المتعلمين في هذا البلد؟ وهل الإشكال في المنهج الذي تغير وتبدل كثيراً في العقدين المنصرمين أم في ما أصاب وظيفة المعلم التي أصبحت طاردة ولا يؤمها إلا اليائسون الذين لا يجدون غيرها؟

أي أنها أصبحت مهنة من لا مهنة له، ولا يخفى على عاقل أن التعليم هو أساس التقدم والتنمية في أي بلد، وأن الكوادر العاملة فيه هي التي تنشئ وتبني العقول.

فلماذا لا نتفاءل بالعودة إلى مستوى العام 1958، ونقبل أن تكون أحلامنا متخلفة أكثر من 50 عاماً عن اللحاق بركب الوسائل التقنية الحديثة التي تساعد في العملية التعلمية والتربوية والتي تجدها الآن حتى في الدول العربية دعك عن الغرب.

والتطور الذي حدث في تقنية وسائل التعليم (Methods of Education) وفي إدخال البحث النفسي في العملية التعلمية؟

وكيف أن التدريس يقوم على تصنيف الطلاب على حسب الذكاء والقدرة الاستيعابية لكل منهم وتقسيمهم لمجموعات ثم يتم التدريس بعد هذا التصنيف (Classification)، وتجد الفصل الدراسي لا يتعدى الـ 20 طالباً.

وقبل كل ذلك تحسين الوضع المادي للمعلم حتى يتسنى له الإخلاص والوفاء للمهنة والبذل والعمل في جوء نفسي مريح.

نسأل الله أن يرفع عنا كل ذلك إنه قدير وبالإجابة جدير؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى