آخر الأخبار

ضياء الدين ساردار: مطارحة الإسلام والمستقبل

ساردار-300x225

ضياء الدين ساردار: مطارحة الإسلام والمستقبل

محمد العربي

تخبرنا القراءة المتفحصة للفكر الإسلامي الحديث أنه وقع منذ عصر النهضة في نهاية القرن التاسع عشر أسيرًا لنزعتين؛ النزعة الأولى هي هيمنة مبحث السياسة والدولة على اهتماماته، والنزعة الثانية هي النزعة الماضوية التراثية، وربما ترتبط النزعتان ببعضهما البعض. لقد دار المجهود الفكري لرواد الإصلاح الأوائل حول سؤال النهضة، على خلفية التحدي الحضاري الذي مثله الغرب. لقد كان هذا السؤال أكثر فهمًا لشمولية التحدي وأكثر اتساعًا في فهمه للإسلام كرؤية كونية ذات تضمينات اجتماعية وحضارية، غير أن ظهور الإسلام السياسي وغلبته على ساحة النقاش والعمل اختزل السؤال والإجابة. وفي حين ارتكز الفكر النهضوي الأول على إعادة تفسير وتأويل التراث الديني بما يتناسب والحداثة من أجل طرح سبل لنهضة شعوب الإسلام، عمل الإسلام السياسي على استدعاء الماضي وتركيزه على لحظات تاريخية وتقديمها كنماذج يجب أن يبنى عليها الواقع والمستقبل. لقد أوقع الإسلام السياسي مستقبل الأمة الإسلامية أسيرًا لماضٍ لا تتوفر شرائط عودته إن لم تكن لتستحيل. ومن ناحية أخرى أدت هيمنة طرح الإسلام السياسي إلى وقوع الفكر الإسلامي أسيرًا لثنائيات تضع المستقبل في مواجهة الماضي، والتراث في مواجهة الحداثة، والأصالة في مواجهة التحديث، والشرق في مواجهة الغرب. إن صورة المستقبل في التصورات التي طرحها الإسلام السياسي على اختلاف مدارسه ومشاربه هي تكرار لماضٍ يوتوبي خلاصي لا يتناسب ومفهوم الإسلام للإنسان والتاريخ؛ حيث “كل يوم هو في شأن”.

لقد أقصت النزعتان السياسية والماضوية سؤال المستقبل من اهتمامات الفكر الإسلامي المعاصر، ولا نجد أقل العناوين التي تتناول طرح مستقبل الإسلام وحضارته. حاول محمد إقبال في كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام أن يعيد تأويل أصول الإسلام باعتباره رؤية كونية للزمان والتاريخ والإنسان بما يتناسب وروح الفلسفة الحديثة، وكأساس لنهضة لا ترتكز على التأويل السياسي للدين، غير أن مسلمي الهند لم يأخذوا من فكره، بخلاف شعره الروحاني، إلا دعوته السياسية لتكوين دولة لمسلمي الهند. ولم يلتفت المسلمون في أنحاء العالم إلى كتاب محمد أسد السائر على نفس النهج الإسلام على مفترق الطرق، غير أن أعمال سيد قطب الطوباوية التبشيرية “معالم في الطريق” و”المستقبل لهذا الدين” وغيرهما لاقت صدىً واسعًا وساهمت في ترسيخ النزعة الماضوية المسيسة للدين. إن أغلب مجهود المسلمين الفكري في القرن العشرين قد دار حول طرح الإسلام في مواجهة ثنائية مع العلمانية والديمقراطية وصراعات الهوية، دون أن يحاول هذا المجهود بناء نقد يتوجه للمستقبل. ولا يقتصر الأمر على المفكرين “الإسلاميين”؛ إذ إن النقاد الحداثيين للإسلام، لم يتجهوا لتطوير نقدهم الفكري نحو المستقبل، فوقعوا في فخ الجدالات الدائرية الثنائية.

ومن هنا تأتي أهمية تناول أحد أهم مفكري الإسلام في الغرب وهو ضياء الدين ساردار(1) باعتباره نموذجًا فكريًّا لإعادة طرح الإسلام على أساس مستقبلي. يتركز فكر ساردار غير ذائع الصيت في عالمنا العربي حول “بناء مستقبل الإسلام على أساس تجديد أصوله وإعادة تأويلها كأسس لبناء مستقبل مزدهر لشعوبه في ظل عالم متسارع التغير، ويتسم بالتعقد والتشابك في علاقاته وقضاياه”. ويعبر فكر ساردار عن مزيج ثري من المعارف والعلوم. وهو يرى نفسه أنه أقرب إلى أبي الريحان البيروني(2) عالم الإسلام الموسوعي الذي عبر عن تداخل العلوم والمعارف حتى الهويات؛ فيكتب ساردار أنه يحمل هويات متنوعة ومتشابكة؛ فرغم أنه يعيش في الغرب، فإنه ليس من الغرب ،ورغم التزامه الديني، فإنه بعيد عن الأصولية الدينية، ورغم خلفيته الأكاديمية، فلم يقع في شرك الأكاديمية الهرمية، ورغم استخدامه لأدوات ما بعد الحداثة، فإنه ليس ما بعد الحداثي على الإطلاق. إنه يصف نفسه دائمًا أنه على الهامش وأنه تعبير عن “الآخر” في مواجهة الأنماط الفكرية السائدة سواء في عالم الإسلام أو في الغرب، وبالتالي يحاول دائمًا أن يخرج من هيمنة المركز السائد، وأن تعكس أعماله أصواتًا نقدية غير سائدة.

وينطلق ساردار في هذا المسعى من الإيمان بالهوية الإنسانية الجامعة المبنية على التنوع والتعددية، وبالتالي يبتعد عن سرديات الهوية المغلقة سواء كانت غربية أو إسلامية. وهو إن كان قد نقد سرديات الحداثة وما بعد الحداثة الغربية في كثير من أعماله التي تربو على الأربعين مؤلفًا، فقد نقد الفكر الأصولي الإسلامي المبني على رؤى أحادية هوياتيه مغلقة في أعمال عديدة؛ حيث سعى إلى إنقاذ نظرية المعرفة الإسلامية من هيمنة الأصوليين والعلمانيين والحداثيين وما بعد الحداثيين والساسة الانتهازيين. لقد وقع الفكر الإسلامي في مأزق خطير مع إغلاق باب الاجتهاد؛ حيث وقع الإسلام كرؤية كونية أسيرًا للأصولية، وبالتالي وُضعت الحضارة الإسلامية في مأزق كبير وتحدٍّ كبير. ولمواجهة هذا التحدى يجب أن ينقد الإسلام من داخله. ويرى ساردار أن ما كشفته أحداث سبتمبر/ أيلول وما بعدها أن المسلمين قد ابتعدوا إلى حد كبير عن روح الإسلام باعتباره قوة تحررية وديناميكة فكرية لترسيخ المساواة والعدالة وقيم الإنسانية، لقد استبطن المسلمون كل تمثيلات الغرب الاستشراقية(3) لهم. إن الإسلام اليوم قد أصيب بمرض عضال تبدو معه هذه التمثيلات التي تم بناؤها عبر قرون صحيحة وصادقة(4). إن المستقبليات الإسلامية تعمل كمحاولة لعلاج داء الإسلام العضال: الأصولية والانغلاق الفكري.

نقد الدراسات المستقبلية: هيمنة الغرب

يهدف مشروع ساردار إلى عصرنة الإسلام ونقد الحضارة الغربية المهيمنة، وهو يرى أن الهدفين هما وجهان لعملة واحدة. إن نقد الحضارة الغربية يجب أن يتم من خلال وجهة نظر نقدية تمييزية تفرق بين الحق والباطل والصحيح والخطأ بما لا يعني رفض الغرب بل التعامل معه إنسانيًّا من خلال مبدأ الإسلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما عصرنة الإسلام فهي عملية مستقبلية لن تتم في الحاضر الذي يشهد المزيد من ضعف العالم الإسلامي وتفتته. يرى ساردار أن الحضارة الإسلامية يجب أن يتم بناؤها حجرًا حجرًا من خلال مفاهيم الإسلام الأساسية باعتبارها حضارة المستقبل، غير أن أخطر ما يواجهه هذا المستقبل أنه عرضة للاستعمار من قبل الغرب. وهو ما يراه كأزمة في حقل الدراسات المستقبلية.

يرى ساردار أن الدراسات المستقبلية Futures Studies ليست علمًا خالصًا، بمفهوم العلوم الطبيعية، بل هي تعبير عن تداخل العلوم البينية فأي علم مهما كان، عباره عن بنى اجتماعية اصطناعية تتسم بالتعقد والتداخل. وبالنسبة إلى الدراسات المستقبلية فإن التعامل معها بدايةً يقتضي “في أن نهمل الفكرة القائلة بأن الدراسات المستقبلية هي علم discipline له حدود جامدة ونظريات ثابتة، ومصطلحات سرية غامضة ورجال عظام قاموا بوضع أسسه وكيانه المهيب”(5)

ولكن ككل البنى الاجتماعية الاصطناعية، فإن الدراسات المستقبلية بوضعها الحالي قد صاغتها الرؤية الكونية الغربية، وهي الأزمة الأساسية التي تواجه العاملين في هذا الحقل “إنه محتلٌّ وتحريره هو التحدي الأكبر الذي يواجه العاملين القادمين من خلفيات ثقافية غير غربية(6).” إن استعمار المستقبل هو استمرار لاستعمار الحاضر، فالحضارة الغربية لا زالت هي المهيمنة والمنتجات التكنولوجية والعلمية وتكنولوجيا الاتصالات والأخبار تحمل في خلفياتها تحيزات وأفكارًا غربية. هذه التحيزات والتفضيلات سادت العالم منذ مرحلة الاستعمار، غير أن التغريب يتم تحت مسمى العولمة. ومن السذاجة أن نساوي بين التغريب والعولمة غير أن النتائج في الحالتين واحدة؛ إن العولمة – باعتبارها العملية التي يتم من خلالها تحويل العالم إلى قرية صغيرة تُلغى فيها الحدود وتتقلص المسافات – تقوم بدورها بتشكيل العالم كله في ثقافة وصورة واحدة هي صورة الغرب(7)، وهي تحافظ على كل أشكال إمبريالية الغرب الاقتصادية والثقافية بل تتجاوزها؛ حيث تدعم شكلاً واحدًا للحياة على حساب الرؤى الأخرى. إنها لا تهمش التقاليد غير الغربية ولكنها تقتل الخيارات الأخرى؛ بحيث يصبح المستقبل أسيرًا لرؤية واحدة؛ هي رؤية الغرب. إن الدراسات المستقبلية مثلها مثل حقل الدراسات الثقافية تطورت كحركة فكرية واجتماعية تؤكد على تعدد البدائل المستقبلية. ومع المرحلة التي بدأت فيها مأسسة الحقل في أروقة المؤسسات والشركات الأمريكية، فقد ذهب هذا التأكيد أدراج الرياح؛ بحيث أصبحت الدراسات المستقبلية صنوًا للمصالح الغربية(8). ومن ثم يرى ساردار أن هيمنة المصالح الاقتصادية للغرب ممثلاً في شركاته الكبرى قد نجحت في الاستيلاء على العلم واحتلاله. ويضرب مثالاً على هذا بالهيمنة التي حولت الحقل إلى أداة في يد الشركات الأمريكية العملاقة “لقد أدى إلحاق الدراسات المستقبلية بالشركات corporatisation، ليس فقط إلى سيادة الاعتقاد أن أمريكا هي موطن الدراسات المستقبلية الطبيعي فقط ولكن أنها هي المستقبل نفسه. إن هذا هو الاعتقاد السائد لدى مؤسسات؛ مثل جمعية المستقبل العالمي WFS. وأصبحت دورية الجمعية The Futurist وإصدارتها تعمل على تحويل الحقل إلى علم يخدم مصالح الثقافة السائدة مثله مثل الأنثربولوجيا والاستشراق”(9)

إن أخطر ما يعنيه استعمار المستقبل أنه يسلب إمكانية الحركة والفعل من الثقافات الأخرى. يدعو ساردار إلى تحويل الدراسات المستقبلية إلى حركة خلاقة من شأنها أن تقاوم الواقع الحالي. وكي يتحقق هذا يجب أن يتم تغيير أطرها المفاهيمية؛ بحيث تخرج من الأطر الغربية المهيمنة، وإلا ستظل غريبة عن تناول المجتمعات غير الغربية. وإذا كان المستقبل هو حالة من الوعي، فإن هذا الوعي لا يكون سليمًا إلا إذا نبع من أعماق الثقافة الأصيلة، و يعني هذا أن ترتكز الدراسات المستقبلية على التنوع والتعددية؛ بحيث تعكس المفاهيم والأدوات المستخدمة مصالح واهتمامات كل ثقافة. إذ لم يأخذ مفكرو المجتمعات الغربية المستقبل على محمل الجد، فإن مجتمعاتهم ستقع أسيرة لمستقبل الآخر، أي مصالحه(10). إن أخطر ما خلفته الكولونيالية هي أنها جعلت المستعمرين يفكرون بنفس المفاهيم الكولونيالية؛ فعلى خطى ابن خلدون، يؤمن ساردار بالحركة الدائرية للتاريخ، ومن ثم يرى أن الغرب قد استنفذ دورة صعوده التاريخية ويواجه الانهيار حاليًّا فيما ينتقل مركز العالم إلى آسيا؛ حيث الصين والهند الصاعدتان بقوة. وسيكون القرن الحالي آسيويًّا بقدر ما كانت القرون الماضية أوروبية، غير أن القوى الآسيوية الصاعدة، على الرغم من ثقتها الكبيرة في نموها، فإنها لا زالت أسيرة لمفاهيم القوة الغربية، ولا تعدو نظرتها إلا نفس تلك السائدة في علم المستقبل الغربي. ولكسر هذه الدائرة يجب أن تكون آسيا هي مصدر مستقبلها البديل. يقتضي هذا جهدًا فكريًّا خلاقًا يصل الماضي بالحاضر فضلاً عن المستقبل.

نقد تراث الإسلام: هيمنة الأصولية

من هنا يتناول ساردار الفكر الإسلامي كأساس لمستقبل بديل يساهم في الحضارة العالمية. ينقد ساردار الفكر الإسلامي، بشقيه التراثي والحديث، من منظور يقوم على الإيمان بالتعددية التي يمثلها الإسلام والتعددية باعتبارها الحالة الطبيعية التي أوجد الله البشر عليها. لقد ساهمت الروافد الفكرية الثرية التي شكلت فكر ساردار في تأطير هذا النقد. تبدأ هذه الرؤية بالنظر إلى الإسلام باعتباره رؤية كونية “كطريقة للنظر للعالم وتشكيله، ونظام للمعرفة والوجود والفعل”. إن المعنى الحرفي للإسلام هو الخضوع والسلام، وأن تكون مسلمًا يعني أن تخضع طوعًا لإرادة الله الواحد الرحمن الرحيم القدير، وأن تجد السلام في هذا الخضوع. إن هذا السلام يتحقق من خلال مفاهيم وقيم خالدة عبر عنها القرآن الكريم وسنة النبي. إن المفهوم الأساسي الذي شكل رؤية الإسلام للعالم هو التوحيد الذي يعني وحدة الإله الخالق، ولكن يمكن تفسيره أيضًا على أنه وحدة الجنس البشري والطبيعة. وبهذا الإطار الجامع للتوحيد، يصبح الخلق رجالاً ونساءً متساوين أمام الخالق، دونما اعتبار للون والعرق والعقيدة، مسئولين عنها وهم خلفاء عليها، وسيحاسب كل فرد على أفعاله في الآخرة. وتتحقق مسئولية البشر عن الأمانة على أساس مفهومين إسلاميين آخرين؛ هما: العلم والعدل. إن أفعال خليفة الله وأفكاره ليست قائمة على إيمانٍ أعمى ولكن على معرفة. وهذه الأفعال والأفكار وظيفتها الوحيدة هي إقامة العدل. ويتحقق كلٌّ من العلم والعدالة على قاعدة الإجماع والشورى والمصلحة العامة. في هذا الإطار القيمي، فإن كل أشكال المعرفة والوجود والفعل هي حلال، وخارج هذه الأوضاع الأخلاقية يكمن الحرام. إن التحدي القائم أمام أي مجتمع إسلامي هو أن يؤطر الحلال بما يتناسب مع مرحلته التاريخية. وهؤلاء الأفراد الذين يقبلون طوعًا هذا التحدي ويعملون من أجل هذه الغاية على أساس هذه الشبكة من المفاهيم والقيم هم مترابطون في جماعة واحدة؛ هي الأمة”(11). يبتعد ساردار بهذه الرؤية الكلية القيمية للدين عن الرؤى الاختزالية الخرافية غير التاريخية التي تختزل الإسلام إلى عبادات أو التي تضعه في مقام التشريعات الجامدة؛ فهذه الرؤية تحاول أن تضع القيم التي يعبر عنها الإسلام محل الفعل والحركة؛ بحيث يتحول الإسلام إلى “حضارة عالمية تقوم على حكم تشاركي وعدالة اجتماعية وكمجتمع قائم على المعرفة وملتزم بعبادة الله ويقوم بإنتاج المعرفة الفلسفية والتكنولوجية والعلمية التي تحسن من حياة الإنسانية كلها وليس فقط أفراد الأمة”. هذه الرؤية لا يمكن وصفها بالإسلامية الخالصة بقدر ما هي إنسانية جامعة وتسعى إلى إعادة النظر في كل مفردات العالم المعاصر من الحداثة وما بعدها والرأسمالية ونظامها. ويرى ساردار أن إعادة البناء لحضارة الإسلام ستكون عملية مؤلمة وتدريجية؛ إذ إنها تشتمل على إعادة بناء كل جوانب الحياة، وتتطلب شجاعة فكرية، وهي عبء تقوم به أجيال متعاقبة وسيكون لها نجاحاتها وإخفاقاتها”(12)

يرى ساردار أن أزمة الحضارة الإسلامية قد بدأت مع إغلاق باب الاجتهاد الفكري والفقهي، لقد أدى هذا الجمود الفكري إلى ما يسميه “الكوارث الميتافيزيقية الثلاثة” في تاريخ الفكر الإسلامي. وتتمثل في تصعيد الشريعة إلى مرتبة المقدس الإلهي، وإلغاء السلطة عن المؤمنين، ومساواة الإسلام بالدولة. يقول ساردار: “إنه لا يوجد ما هو مقدس في الشريعة، والشيء الوحيد المقدس في الإسلام هو القرآن الكريم، أما الشريعة فهي بناء إنساني ومحاولة لفهم الإرادة الإلهية في سياقات معينة. إن الشريعة في جزئها الأكبر هي فقه، ولا يعدو إلا أن يكون آراءً شرعية للمشرعين القدامى “الفقهاء”. ولم يكن الفقه قبل العصر العباسي بدعًا؛ حيث تمت صياغته وتقنينه.. وفي هذه المرحلة، عبر الفقه عن الروح التوسعية لدى المسلمين، وعلى سبيل المثال استمدت أحكام الفقه فيما يتعلق بالردة من هذا المنطق (التوسعي) لا من القرآن. وفي هذا السياق الذي تطور فيه الفقه كان العالم بسيطًا، ويمكن تقسيمه بسهولة إلى ما هو أبيض وأسود. وبالتالي ظهر في الفقه دار الحرب ودار الإسلام. كما أن الفقهاء لم يكونوا في موضع السلطة في المجتمع، فظلت اجتهاداتهم حبيسة مدوناتهم ونظريات لا يمكن تعديلها؛ إذ لم يستطع الفقهاء أن يتعرضوا للتجربة العملية التي تظهر أخطاء نظرياتهم، وتستدعي إعادة التفكير فيها. ومن ناحية أخرى تطور الفقه الإسلامي على قاعدة الانقسامات السياسية”(13)

وتؤدي هذه الكارثة إلى كارثة أخرى؛ حيث تنزع السلطة عن المؤمنين طالما أن القانون الفقهي “الشريعة” معطى مقدس فلا مجال للتفكير والنقد، وهنالك يصبح المؤمن مجرد متلقٍ سلبي لا فائدة من بحثه لما تقتضيه مصلحته. يؤكد ساردار أن الشريعة في أحسن الأحوال ليست إلا مبادئ وقيمًا تسترشد بها المجتمعات الإسلامية، إنها منهاجية لحل المشكلات وليست قانونًا ينبغي اتباعه. ويتطلب هذا من المؤمنين أن يبذلوا جهدًا وأن يعيدوا تأويل القرآن باستمرار(14)

أما الكارثة الأخيرة المترتبة على ما سبق من اختزال للإسلام، فهي مساواة الإسلام بالدولة، وفقًا للرؤية التي تعبر عنها جماعات الإسلام السياسي. يقول ساردار: “إن هذا اختزال آخر للإسلام يضعه في مقام الأيديولوجيا، ويضع هذه الأيديولوجيا داخل بنية الدولة القومية وذلك لتحويلها إلى دولة إسلامية.” إن كل هذه الدول المسماة بالإسلامية قائمة على افتراضات سخيفة. والأخطر من هذا أن الإسلام بكل ما يشتمله من حقائق عندما يتحول إلى أيديولوجيا حركية تحملها جماعة معينة، فإنه يفقد إنسانيته، ويصبح ساحة للصراع السياسي الذي يتم فيه التضحية بالأخلاق والعقل والعدالة.” تقوم هذه الأيديولوجية التوتاليتارية Totalitarianism عند ساردار على جعل الدولة المتحكم في كل شيء باسم الدين، وتبني برامج سياسية بلا معنى، وتجعل من كل فعل سياسي إسلاميًّا كما هو الحال في إيران. إن هذه الاختزالية ليست بالحالة الجديدة، ولكنها وصلت حاليًّا بالعالم الإسلامي ومجتمعاته إلى حالة من العبثية والتدهور كما أشارت إلى ذلك تجارب تطبيق الشريعة تحت حكم طالبان في أفغانستان وفي السودان، وليست إيران والسعودية بأحسن حال في هذا الصدد. لقد دفعت هذه الحالة مجتمعات الإسلام بعيدًا عن القيم الإنسانية التي يحملها(15)

إن مستقبل الإسلام وفقًا لساردار مرتهن على قدرة المسلمين على علاج داء الأصولية والجمود الفكري، وذلك من خلال تجديد الأصول التي يرتكز عليها الإسلام كرؤية كونية. هذا التجديد لا يعني رفض التراث والتقليد، فهو يؤكد – على خطى أشيس ناندي؛ المفكر الهندي – أنه تقليدي نقدي لا يقبل التقاليد بشكل أعمى؛ فالتقاليد يجب أن تبتدع وتخترع باستمرار، ولا يعني أن هذه التقاليد التي قد نجحت في الحفاظ على أنماط حياة الشعوب الإسلامية وهويتها لقرون تعتبر مقدسة لمجرد أنها تاريخية. ومن هنا نستطيع فهمه للشريعة كبناء تاريخي إنساني. أما القرآن فهو ما يجسد استمرارية الإسلام وجوهره الوحيد المقدس، غير أن تفسيره وإعادة تأويله يجب أن يتم حسب كل سياق وبفهم جديد حسب كل عصر لمقتضى آياته. إن هذا يعني أن الدين نفسه يجب أن يجدد فهمه طالما تغيرت ظروف البشر وحياتهم. هذا التجديد يقتضي أن تتحطم كل سلطة تدعي احتكار تفسير القرآن والدين، فهو مسئولية كل مسلم قادر على الفهم والاستيعاب.

يستخدم ساردار في نقده للتراث الإسلامي أدوات ما بعد حداثية، تقوم على تفكيك سردية الشريعة وسلطة الفقهاء والعلماء، دون أن يعني هذا القول بنهاية سردية الشريعة أو محاولة هدمها. إن هذا الفيصل بين النقد والهدم هو جوهر نقد ساردار لما بعد الحداثة. مثلت رواية سلمان رشدي “آيات شيطانية” والضجة التي أثيرت حولها خاصة بعد فتوى مرشد الثورة الإيرانية آية الله الخميني بقتل رشدي انعطافة في اهتمامات ساردار. لقد تنبه إلى الخطر الذي تمثله ما بعد الحداثة على الحضارة الإنسانية بشكل عام والإسلام على وجه التحديد. وما بعد الحداثة وفقًا لساردار، هي الحالة التي تنعدم فيها الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، الصورة والواقع، الأصالة والزيف. وفيها يصبح الفزع هو الحالة الطبيعية، وكل شيء يمكن تبريره بمطلقات علمانية ودينية، فكلٌّ من رواية رشدي وفتوى الخميني تجسيد لهذه الحالة؛ حيث تستباح المقدسات في حالة رشدي، وتُستباح الحياة في حالة الخميني باسم المطلق.

إن الخطأ الذي ارتكبه رشدي(16) برأي ساردار هو أنه تجاوز نقد التراث والمقدس إلى محاولة هدمه في نفوس المؤمنين. علاوة على هذا فإن ساردار، على عكس النظرة السائدة لما بعد الحداثة باعتبارها تمردًا وهدمًا لسرديات الحداثة التي انبنت عليها الحضارة الغربية، يرى أنها استمرار للإمبريالية الحداثية. وهو يضع رشدي كنموذج لاستمرار تقاليد الإمبريالية الثقافية المؤسسة على الاستشراق. يتحدث ساردار عن نايبول(17) ورشدي باعتبارهما نموذجين “للسيد داكن البشرة المشرقن” والذي يرى ثقافته الأصيلة في مرآة الحضارة الغربية، وأن العالم غير الغربي لم يوجد إلا لتلبية احتياجات الذات الغربية، وأن كل الحضارات تسعى جاهدة وهي تلهث متقطعة الأنفاس يائسة؛ كي تصل إلى مستوى الحداثة أو تتمثل ما بعد الحداثة، ذروة الحضارة الغربية. تهدف آيات شيطانية من خلال غزوها أرض الإسلام المقدسة وعلمنتها لهذه الأرض إلى اختزال الإسلام وجعله ملحقًا بالحضارة الغربية، وذلك باستخدام تقنيات تنويرية؛ مثل المحاكاة الساخرة والسخرية. وعندما يجتمع الجهل والغرور ينتج عن ذلك مركب سام قاتل وهو ثمرة برمجة “السيد داكن البشرة المشرقن” التي بدأت في زمن الكولونيالية. ولكونهم بدلاء كولونياليين مثاليين، يحقق السادة داكنو البشرة الرغبات الكاملة لساداتهم الكولونياليين من خلال بلوغهم حدودًا لم يبلغها المستشرقون الغربيون أنفسهم. إنهم يوفرون في التحليل الأخير تأكيدًا للتمثيل الذي طوره الاستشراق على الدوام: دونية الإسلام وتخلفه. ولهذا السبب وصف المفكر الهندي آشيس ناندي أعمال نايبول ورشدي بأنها “غير إنسانية وتناسب الإبادة العرقية”(18)

يشير ساردار بذكاء إلى أن الأصولية الإسلامية تتناسب وسياسات الفزع والعدمية التي تخلقها ما بعد الحداثة الغربية؛ حيث تتقابل صورتا الخميني ورشدي. والعالم الذي نعيشه هو نتاج الصراع بين الحداثة وما بعد الحداثة والتقليدية، ما يُسمى بالتحالف الثلاثي، غير أن تأثيره واحد على الإسلام والأطر الثقافية غير الغربية الأخرى؛ حيث يسود التقليد الأعمى دون أي قدر على خلق واقع ومستقبل خلاق. لذا، فإن الأصولية تقوم بالدور الذي قامت به الكولونيالية الغربية؛ من حيث أثرها السلبي على الرؤية التعددية للإسلام. “إن المستقبل الإيجابي يتطلب قتل الحية ذات الرأسيْن؛ الأيديولوجيات والتقليد، وإطلاق طاقة التخيل الخلاقة المرتبطة بالذوات الإسلامية والآسيوية”.

يرى ساردار أن التحدي الذي يواجه المسلمون اليوم في عالم ما بعد الحداثة هو إدراكهم لأسس الإسلام وكيفية استيعابها كمنهج للحياة في عالم سريع التغير. وهو يتحدث عن هوية يجب الحفاظ عليها، ولكنها هوية منفتحة مدركة لأصل القيم الإنسانية المشتركة؛ فهناك سبل متعددة للإنسان ليحيا وليدرك القيم الإنسانية العظيمة؛ العدالة والحرية والمساواة والأصالة، وليست الطريقة الغربية العلمانية إلا طريقة واحدة. وينبغي أن ينفتح المستقبل لبقية الحضارات؛ كي تعبر عن رؤاها الخاصة بها على أساس من الإنسانية المشتركة.

ماهية المستقبليات الإسلامية(19)

حاول ساردار في أكثر من عمل تطور منظور علمي لدراسة مستقبل الإسلام كحضارة وثقافة من خلال إعادة تفعيل أسسه، أطلق على هذا المنظور “المستقبليات الإسلامية” ويقول إن هدفها “إن هدف المستقبليات الإسلامية وضع طريق للخروج من المأزق الحالي، وتطوير رؤى للإدارة وبدء التغيير، ووضع خطط بديلة مستقبلية مرغوبة للأمة الإسلامية. يتطلب مشروع المستقبليات الإسلامية قطيعة فاصلة مع الفكر الإسلامي التقليدي والمعتمد على التقليدية المتصلبة والفهم أحادي البعد للعالمين الحداثي وما بعد الحداثي، ويتطلب أيضًا فهمًا جريئًا ومبدعًا للتحديات التي تواجه الأمة الإسلامية”

ونقطتا الانطلاق في هذا المشروع، هما دراسة الأحوال المتردية للعالم الإسلامي، ودراسة أسباب تقدمه وانهياره. وأيضًا الإيمان بالفرص والتحديات التي تطلقها عملية العوملة المستمرة والتي لا فكاك منها، ولا سبيل أمام مسلمي العالم إلا الانخراط فيها بإيجابية، وبثقة. يقول ساردار إن التعددية هي أهم سمات عصر العولمة، ويرى أن ” إن التعددية أو التنوع ليسا فقط جوهَري الاستمرار في الطبيعة، لكنهما أيضًا حجرا الأساس للمجتمعات المستقرة والثقافات الحيوية. فالثقافات الأحادية ليس لها مكان في المستقبل”.

والإسلام كما يراه ساردار ذو نزعة مستقبلية نجدها قارة في نصوصه الأصلية وفي تراثه، فيقول “إن الإسلام بطبيعته رؤية كونية متوجهة نحو المستقبل؛ فالقرآن يأمر المؤمنين بأن يكونوا واعين بتاريخهم كما بمستقبلهم “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ” سورة يس: الآيه 45. إن فكرتيْ المستقبل والمحاسبة مرتبطتان في الإسلام بمفهوميْن رئيسيْن؛ هما: الآخرة، والخلافة أي الأمانة التي حملها الإنسان” ويضيف ” لا يؤكد الإسلام على وعي المؤمنين بالمستقبل فحسب، ولكنه يؤكد أيضًا على ضرورة أن يقوم المؤمنون بتشكيل مستقبلهم بفاعلية. وبسبب طبيعة معتقدهم، فإن المسلمين مطالبون بالانخراط في العالم وتغييره؛ إن القرآن يحث المسلمين باستمرار على النضال من أجل تغيير أنفسهم، وبالنضال من أجل تغيير العالم حتى يصبح مكانًا أكثر عدالة وسلامًا ومساواة للإنسانية. “وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى” (سورة النجم، 39:41). ولهذا، نجد أن جوهر الشريعة هو الاجتهاد والتي تتعلق أساسًا بتشكيل وإعادة تشكيل المستقبل”.

وعلى الأساس يستخلص ساردار ما يسميه مبادئ المستقبليات الإسلامية؛ وهي:

– انخراط الإسلام في العالم المعاصر باعتباره نظرة عالمية تعمل شبكتها المفاهيمة كمنهجية لعلاج المشكلات وإنتاج إمكانات وخيارات مستقبلية من أجل المجتمعات المسلمة”.

– فقط من خلال امتزاجهم في حضارة واحدة تجمع مواردهم وتشاركهم في إمكانيات دولهم، لحل مشكلاتهم وتحقيق أهدافهم المشتركة، سيصبح المسلمون قادرين على تجاوز الاهتمامات الضيقة للدول القومية المفتتة، والتهميش البالغ نحو تكوين مستقبل حيوي وحي لأنفسهم.

– إن تعددية وتنوع الإسلام هما حجرا الزاوية لتشكيل حضارة إسلامية حيوية ومزدهرة في المستقبل.

يرى ساردار أن هذه المبادئ هي الوجه الثاني لنقد الفكري الإسلامي المعاصر “من الواضح أن مبادئ المستقبليات الإسلامية هي عن المستقبل بقدر ما هي نقد للفكر الإسلامي الحالي. عندما تحمل اهتمامات المستقبل على المواقف المعاصرة، فغالبًا ما يتولد نقد، هذا النقد في حد ذاته يصبح برنامجًا للحركة. إن مهمة مبادئ المستقبليات الإسلامية هي تمكين المجتمعات الإسلامية من الإدارة الخلاقة لخصائص عصرنا العالمية؛ وهي: التغير، والتعقد، والتناقض، والتصارع. إن عملية إدارة هذه الخصائص(20) 4Cs والتي تحسن الحاضر، ترتبط بتفعيل هذه المبادئ التي سوف تشكل المستقبليات المحتملة والمرغوبة للأمة الإسلامية. ويتطلب الواقع الحالي القيام بمجموعة من الخطوات البرجماتية الأولية؛ فيجب تطوير فهم جديد ومعاصر للإسلام بما يحوله من إيمان مجرد، على النحو الذي اختزل إليه، ليصبح رؤية عالمية متكاملة ذات شبكة من المفاهيم والتحليلات الأخلاقية. على الدول الإسلامية أن تعيد بناء أنفسها وتتغير شيئًا فشيئًا إلى حضارة دينامية معاصرة وعالمية”

خاتمة

على الرغم من ثراء أفكار ساردار وغزارة إنتاجه وتنوعه، فلم يقدم بشكل كافٍ إلى قراء العربية، فمن بين أعماله الخمس والأربعين لم يترجم أي منها سوى كتاب “الاستشراق” الذي صدر بعد ثلاثة عشر عامًا من صدوره بالإنجليزية 2012 بترجمة فخري صالح. وربما تزداد الحاجة إلى تقدم هذا المفكر إلى العربية كونه يمثل نموذجًا تقدميًّا للأطر الحضارية السائدة والمتصارعة، فهو كما رأينا يقف على حافة نماذج مختلفة يحاول أن يستخدم كل منها في نقد الآخر من أجل بناء نموذج يضع الفكر في محل الفاعلية بدلاً من التصارع الذهني. حاول ساردار في العديد من أعماله أن يبني نموذجًا للمستقبليات الإسلامية التي تحاول أن ترسم مستقبلا لحضارة الإسلام عبر قيمه الأصيلة. إنه يقرأ أصول الإسلام كإطار لإعادة إنتاج الفكر الإسلامي على مستويات متنوعة ومختلفة، ويؤكد أن التغيرات الطفيفة التي يحدثها التغيير الفكري من شأنها أن تقود إلى تحولات كبرى على المديينْ المتوسط والطويل. تقود ساردار في هذه الدراسة روح تفاؤلية مؤمنة بالطاقة العظيمة التي يوفرها الإسلام للعمل وبقدرة الإنسان على تحديد مصيره بالعمل الجماعي الواعي بالحاضر والمتطلع إلى المستقبل.

الهوامش

[1] ولد ضياء الدين ساردار Ziauddin Sardar في 31 أكتوبر 1951 في باكستان، وربي ونشأ في هاكني Hackney، بشرق لندن. أظهر منذ صغره اهتمامًا بالعلوم الطبيعية، فدرس الفيزياء والمعلومات بجامعة المدينة بلندن، ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية 1974؛ حيث عمل لخمس سنوات في جامعة الملك عبد العزيز بجدة في معهد أبحاث الحج، وخلال هذه الفترة انتقل في أرجاء العالم الإسلامي ليجمع مادة كتابه الأول (Science, Technology, and Development in the Muslim World)، عام 1977. وبنهاية هذه الفترة أصدر كتابه الذي وضعه في عداد المشهورين بين مسلمي الغرب (The Future of Muslim Civilization)، عام 1979. وبعدها أصبح مراسل مجلتي العلوم الشهيرتين Nature وNew Scientist في منطقة الشرق الأوسط، وأنشأ مع مجموعة من الباحثين في بداية الثمانينيات مجلة Inquiry المعنية بشئون الفكر والسياسة في البلدان الإسلامية، في الوقت الذي عمل فيه مراسلاً في تليفزيون لندن، وأسس مركزًا للسياسات والدراسات المستقبلية في جامعة East-West بشيكاغو الأمريكية. وانتقل ساردار في أواخر الثمانينيات إلى كوالالامبور العاصمة الماليزية؛ حيث عمل مستشارًا للسيد أنور إبراهيم؛ نائب رئيس الوزراء الأسبق وزعيم المعارضة الحالي. وفي هذا العقد انتشرت كتاباته وأصبح كاتب عمود صحفي في مجلة New statesman، وجريدتْي The Guardian وThe Independent حتى الآن، وحرر مجلة Futures المجلة الأشهر في مجال الدراسات المستقبلية عام 1999، وهو العام نفسه الذي بدأ العمل فيه كأستاذ زائر لدراسات ما بعد الكولونيالية في جامعة مدينة لندن. كما يعمل حاليًّا كأستاذ للقانون والمجتمع في جامعة Middlesex. وبالإضافة إلى العمل الأكاديمي والصحافي، برز ساردار كإعلامي؛ حيث قدم برامج إذاعية وتليفزيونية وأنتج وقدم أفلامًا وثائقية لهيئة الإذاعة البريطانية BBC وبرامج حوارية، مثل؛ Conversations of Islam، Encounters with Islam. كما قدم برامج حوارية على تليفزيون Sky News، وفي أثناء رحلاته الآسيوية كان قد أعد برامج مشابهة لتليفزيونات ماليزية وباكستانية. وفي عام 2005، اختير ساردار عضوًا في لجنة المملكة المتحدة للمساواة وحقوق الإنسان، ويترأس حاليًّا المعهد الإسلامي بلندن؛ وهو جمعية مختصة بتطوير الفكر الإسلامي النقدي، وأصدر مؤخرًا مجلة Critical Muslim بنفس التوجه، كما يترأس جمعية Black Umbrella Trust، التي تصدر مجلة The Third Text المختصة بتقدم أطروحات نقدية في الأدب والثقافة. طرح ساردار سيرته الذاتية في كتابين هما؛ Desperately Seeking Paradise: Journeys of a Sceptical Muslim (2004) وBalti Britain: A provocative Journey Through Asian Britain (2008). يصف ساردار نفسه باعتباره مثقفًا نقديًّا، فيما اعتبرته جريدة الإندبندنت مثقف بريطانيا المسلم، واختارته مجلة Prospect كأحد أهم مائة مثقف شعبي في بريطانيا.

انظر الموقع الإلكتروني الخاص بضياء الدين ساردار:

Ziauddin Sardar, http://ziauddinsardar.com

[2] أبو الريحان محمد بن أحمد البَيْرُوني (973 – 1048) من أكثر علماء الإسلام موسوعية، اشتهر بالإضافة إلى كونه فلكيًّا ورحالة ورياضيًّا بموسوعته عن تاريخ الأمم “الآثار الباقية عن القرون الخالية” وموسوعته عن حضارة الهند “تحقيق ما للهند من مقولة”.

[3] ضياء الدين ساردار، الاستشراق: صورة الشرق في الآداب والمعارف الغربية، ترجمة فخري صالح (أبو ظبي: مشروع كلمة، 2012). يستكمل ساردار في هذا الكتاب الذي أصدره عام 1999، مسيرة من سبقه من نقاد الاستشراق (أنور عبد الملك، وإدوارد سعيد، وسعيد العطاس، وهشام جعيط، وغيرهم)، وهو يتناول هذا النقد ويزيد عليه بتوضيح استمرار التمثيلات الاستشراقية للإسلام وحضارات الشرق في مرحلة ما بعد الحداثة وفي ألوان الثقافة الشعبية خاصة في الأدب وفن السينما. ويتضح من هذا النقد استيعاب ساردار للفنون الغربية المعاصرة وقدرته على نقدها وتحليلها برؤية تتجاوز فكرة الدفاع عن الإسلام. غير أنه يسوق في هذا الكتاب أيضًا هجومًا على ناقد الاستشراق الأشهر إدوارد سعيد متهمًا أعماله بالضجة غير المبررة وعدم الأصالة، وبالتحامل على الإسلام والجهل به، ” إن ارتباطه الرومانسي بالثقافة الغربية الرفيعة يعميه لا عن رؤية أن الاستشراق مثله مثل الكولونيالية قد حطم الحضارة الغربية نفسها وأفرغها من قيمها الإنسانية بل عن كون الإنسانوية عنصرًا داخليًّا من عناصر رؤية الإسلام للعالم.. إن سعيد لا يرفض الاعتراف بهذا التاريخ، بل إنه لا يسمح للإسلام ورؤيته للعالم وتاريخه وباحثيه وعلمائه المستنيرين أن يتكلم بلسانه وهو يصر على تقديم محاكاة ساخرة بشعة للإسلام من صنعه هو.. كما أن معالجة سعيد للإسلام تكشف عن جهل بالتاريخ الإسلامي وروحيته والنظرية السياسية الإسلامية، دع عنك البحث والدراسات الإسلامية حول المقاومة وبدائلها”، انظر: 136، 137.

[4] Sohail Inayatullah and Gail Boxwell , Islam, Postmodernism and Other Futures: A Ziauddin Sardar Reader (London: Pluto Press, 2003): 1-2.

[5] Ziauddin Sardar, “The Namesake: Futures; Futures Studies; Futurology; Futuristic; Foresight. What’s In The Name?” Futures 42 (2010): 177–184.

[6] Ziauddin Sardar, “The Problem of Futures Studies”, in Islam, Postmodernism and Other Futures: A Ziauddin Sardar Reader, by Sohail Inayatullah and Gail Boxwell (London: Pluto Press, 2003): 247.

[7] Ibid: 250.

[8] Ibid: 251.

[9] Ibid: 252.

[10] Ibid: 259.

[11] Ziauddin Sardar, “Editor’s Introduction: Islam and the Future”, Futures 23, no. 3 (April 1991): 223–30.

[12] Inayatullah and Boxwell, Islam, Postmodernism and Other Futures: 8.

[13] Ziauddin Sardar, “Rethinking Islam”, in Islam, Postmodernism and Other Futures: A Ziauddin Sardar Reader, by Sohail Inayatullah and Gail Boxwell (London: Pluto Press, 2003): 28-29.

[14] Ibid: 29.

[15] Ibid: 29-30.

[16] خصص ساردار مؤلفه Distorted Imagination: Lessons from the Rushdie Affair (1990) بالاشتراك مع ميريل واين ديفز لمناقشة قضية رشدي ومضامينها.

[17] V. S. Naipaul (1932-..) كاتب بريطاني ولد في ترينداد لأسرة هاجرت من الهند إلى جزر الهند الغربية، انتقل إلى انجلترا ودرس في أوكسفورد، اشتهر برواياته عن مجتمع الكاريبي؛ مثل “شارع ميجيل” 1959، و”منزل للسيد بسواس” 1961. حاز نايبول على جائزة نوبل للآداب عام 2001، قام برحلات في آسيا وإفريقيا اشتهر فيها بتصدير النظرة الاستشراقية عن المجتمعات الإسلامية للقارئ الغربي؛ مثل كتاب Beyond Belief: Islamic Excursions among the Converted Peoples (1998) . كما اشتهر نايبول بهجومه العاصف على العرب والمسلمين عقب أحداث سبتمبر/ أيلول 2001.

[18] ساردار، الاستشراق: 161- 162.

[19] اعتمدنا في هذا الجزء على ترجمتنا لورقة ساردار؛

Ziauddin Sardar, What do we mean by Islamic Futures? In Ibrahim Abu-Rabi’ ed. The

Blackwell Companion to Contemporary Islamic Thought. (London, Blackwell 2006). P. 562-586.

وهي في سبيلها للصدور ضمن أعداد سلسلة أوراق التي تصدرها وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية

[20] يشير هذا الاختصار إلى الحرف C الذي تبدأ به الكلمات؛ التغير Change، التعقد Complexity، التضارب Contradiction، التصارع Conflict.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى