آخر الأخبار

الأديب السوداني محمود محمد مدني في حوار شامل

تاتنا-150x150

في الذكرى الخامسة لرحيله : الأديب السوداني محمود محمد مدني في حوار شامل :

حوار / خضرعطا المنان…..

اللغة هي السلاح الأخطر في العملية الابداعية

أنا مع الحداثة اذا واجهت التحديات الفكرية والحضارية

بعض الكتاب والشعراء العرب يسعون الى تقزيم بعضهم البعض

أولا كلمة لابد منها :
اللقاء به لا يخلومن اضافة معرفية .. فهو حينما يتحدث اليك لاتملك الا أن تجلس صامتا تتقمصك حالة لاتقاوم من الدهشة والفضول .. فالرجل موسوعة تمشي على رجلين .. ومشعل من مشاعل الساحة الأدبية والثقاقية في وطننا العربي الكبير .. تكاد تغرق قي بحر يقودك ربان سفينته الى مخابئ الابداع ومكامن الشجن والحب والمخاض الأليم ليرسو بك عند جزر تنام وتصحو على قرع الطبول في أدغال أفريقيا السمراء ودفوف الماضي التليد عند واحات تكسو صحراء جزيرتنا العربية البكر.. أرض النبوءات والرسالات السماوية . وماهو جدير بالاشارة اليه هنا هو أن هذا الحوار قد كان في صيف عام واحد وتسعين وتسعمائة وألف .

انه الراحل / المقيم محمود محمد مدني ..الروائي الضخم الذي غيبه الموت عنا يوم الثلاثاء المصادف الحادي عشر من أبريل/ نيسان من العام الحالي 2006 .. سوداني المنشأ والجذور .. عروبي التوجه ..أفريقي الهوى .. عالمي الثقافة .
و لكنه يعتبر بحق – كما يقول عنه الروائي العالمي الطيب صالح _ ناقد فذا وروائيا متمكنا وواحدا من أدياء العرب القلائل الذي يجيدون فن السرد القصصي الممتع والمتخم بالمعلومة والرؤى المستفزة .

التقتيه بشقته الصغيرة الأكثر تواضعا بمدينة أبوظبي والتي كانت بالكاد تسع له ولزوجته التي آثرت الرحيل قبله وابنه الوحيد الذي لم يكن قد بلغ سن الرشد بعد .. كان ذلك في يوم من أيام صيف عام 1991 .. و كان الرجل يومها غارقا في تنضديد واحدة من رواياته التي قام بنشرها لاحقا … ولما أحسست أن قامتي تتقاصر أمام الرجل فقد آثرت أن أترك له فرصة تقديم نفسه بنفسه وأكون له من السامعين .. لذا بادرته بسؤال حول أهم ملامح سيرته الذاتية كما يراها هو .. فأجابني قائلا :

” منذ مولدي وحتى اكمال مرحلة الدراسة الثانوية سارت السنوات بعادية لم يخرجها عن اطار الحياة اليومية والتلمذة والتطلع الى مستقبل يسمح بمزيد من التوغل في شؤون المعرفة .. الا بعض الملاحظات من جانب المعلمين وبعض الزملاء بشأن اللغة التي كنت استخدمها في موضوعات الانشاء والتعبير العربية و الانكليزية اضافة الى اصرار ناضج بالتوجه الى كلية الآداب بعد المرحلة الثانوية .. وقد حدث ذلك في مابعد .

وقد كتبت بعض الخواطر وبعض القطع التي كنت أظنها آنذاك شعرا حتى سمعت يوما أستاذي محمود عبد الوهاب القاضي .. وكنت أعرف انه يكتب شعرا حقيقيا يقول ردا على سؤال وجهه اليه أحد تلاميذه قائلا : لماذا توقفت عن كتابة الشعر يا أستاذي ؟ ..فرد الأستاذ محمود : هجرني الشعر الجيد فهجرت الشعر الردئ .

لقد بدأت في وقت مبكر قراءة الشعر العظيم بحق .. وتسربت الى عوالم عبقري الشعر السوداني التيجاني يوسف بشير وأبي الطيب المتنبي .. وهو برائي من أخطر الشعراء الذين أنجبهم العرب في تاريخهم .. فضلا عن أبي تمام والبحتري وابن الرومي وطرفة بن العبد وغيرهم .. كما تعرفت في تلك السن المبكرة على صلاح عبدالصبور/ شنق زهران / وعلى بدر شاكر السياب خالا أشعاره الأولى .. وهذا ما جعلني أقرأ شعر نزار قباني مؤخرا .. أي بعد استيعاب الكثير في مجال نقد الشعر .

أما فترة دراستي بكلية الآداب في جامعة الخرطوم فهي القترة التي أعطت التوجه قوة ذات علاقة بالتحصيل العلمي والاطلاع العميق وتبلور المشروع الابداعي عن القصة القصيرة و الدراسة النقدية .

وفي ما يتعلق بالعمل احترافا في الصحافة فقد قادني اليه شاعرنا العملاق محمد الفيتوري الذي كان وقتها يعمل ريئسا لتحرير مجلة ثقافية فنية تتبع لوزارة الثقافة والاعلام ثم رئيسا لتحرير صحيفة يومية .. وكان يرى أن العمل الصحفي يقيد الكاتب والشاعر أكثر مما يضر به شرط أن يكون موهوبا وقابضا على جمره الداخلي . ومنذ ذلك الوقت الواقع تحديدا في النصف الثاني من الستينيات وحتى اللحظة عملت بالصحافة اليومية والاسبوعية .. وهي المهنة التي لم أحترف سواها في حياتي رغم أنها أخذت مني الكثير ولكنها أعطتني الكثير أيضا دون دخول نطاق الربح والخسارة .

نشرت روايتي/ جابر الطوربيد/ قبل أكثر من عامين من الآن وذلك بجهد مقدر من صديقي العزيز بدران الخلف .. ولي رواية أخرى كنت قد أنجزتها العام ستة وسبعين وتسمعائة وألف وهي/ الدم في نخاع الوردة/ التي أعمل على طباعتها هذه الأيام .. وهناك رواية بعنوان/ نشيد الأطقال في زمن الحرب/ كنت قد فرغت منها العام أربعة وثمانين وتسعمائة وألف سوف يتم توزيعها قريبا .. كما آمل في طباعة وتوزيع مجموعة قصص قصيرة بعنوان/ الدخول في رأس مقطوع/ .

ولعل الشأن الأكثر أهمية بالنسبة لي هو أنني أعمل الآن و منذ عام ونصف تقريبا على انجاز نص روائي ضخم بعنوان / خيول الزبد/ .. وهو العمل الذي أعول عليه كثيرا عن طريق الاضافة .. خاصة وأنه برأيي يحقق توازن التضاد بين السياسي والجمالي . وفي جانب آخر فرغت مؤخرا من انجاز مجموعة من النصوص الشعرية تحت عنوان/ خروج الظبي من بندقية الصياد / وهي نصوص وليست قصائد لأسباب موجودة في البنية المعمارية / الفنية / اللغوية / للنصوص نفسها .

منذ سنوات طويلة أعتقد أنها بدأت العام تسعة وستين وتسمعائة وألف وأنا أكتب دفعة واحدة / أي دون مسودة تسبق الصياغة النهائية / .. ومن أجل الوصول الى ذلك أخضعت الجهاز أو الأجهزة المنتجة / في نهاية الأمر / للكتابة الى عدد من التمارين الذهنية والعاداتية وصولا الى انجاز الكتابة قبل الجلوس الى الطاولة .. انه شيئ مرهق للغاية .. خاصة في احتكاكه بالعابر واليومي / الحياتي .. انها سباحة ضد الوقت الهباء وضد انتظار الآخر للقمة / سائغة / لأنني أكتب لأقلق راحة ذلك الآخر .. لذا لا أهدهده لينام بعد أن يملأ بطنه طعاما شهيا او غير شهي .

أنا أقود ذلك الآخر الى التعرف على ما يقهره ويحاصره ويهمش وجوده بأشكال تجرجره الى حافة الهاوية بل تدفعه / في كثير من الأحيان / الى نهايات الكابوس .. أنا أقود ذلك الآخر الى اعمال العقل في ما يحيط به من / خارج / يدمر فيه الأخضر واليابس .

والكتابة عندي تنبع من نهر سرى داخلي وحفر مجراه بالتخزين المنقول من / الخارج / الى / الداخل / حيث تتكون الرؤى وتنضج الصور والمشاهد . حيث تبدأ العلاقة الخطيرة بين جسد النص وجسد الكتابة .. وأصف تلك العلاقة بالخطورة لأن جسد النص مجبول على المراوغة .. انه مثل السمكة النجمة / STARFISH التي تكسر خلايا جسدها لحظة الامساك بها .

ان جسد النص لا يمكن الامساك به الا بواسطة اللغة المضادة لمراوغته وتوقه الدائم للكمون والاختباء .. ان جسد النص يباهي بنرجسيته الى حد التمنع والانكفاء .. لكنه يفقد ذاك البهاء بمجرد اعمال الكاتب لمشرط اللغة الحاسم .. وعندها يخرج النص من حالة الاغماء بسبب السقوط في الرضا الى حالة الانبثاق والتوهج والطيران المختلف المغاير للسكون والعمى النهاري .. اذن يمكن القول ان اللغة هي الآداة الأكثر أهمية ..ذلك لأنها المغناطيس الذي يجتذب الرؤى والأحداث والشخصيات والمشاهد والدثارات والأخيلة والفضاءات والأسرار الواقعة في المنطقة الوسطى بين الوعي واللا وعي .”

اذن أين يجدك الباحث عنك في دروبالابداع ؟
” أعتقد أن المسألة سهلة في هذا الجانب ..خاصة وأنني أنشر في الصحف والمجلات والكتب .. ولقد تأخرت لأسباب قاهرة تتعلق بكيفية وتكاليف الطباعة والنشر والتوزيع .. كذلك يمكنك أن تجدني في اصدار مجموعتين من القصص الفصيرة وربما أكثر خلال السنوات الماضية ..وربما أكثر من دراسة نقدية . ومع ذلك / وبفضل تحركات وجهود بعض الأصدقاء المتوغلين معي في ما أنتجته خلال السنوات الأخيرة / فان مشكلة الطباعة والنشر سوف يتم حلها .

وفي اتجاه آخر فقد تسلم الكاتب السوداني والمترجم الممتاز الزميل/ مأمون الباقر/ مجموعة من قصصي القصيرة التي نشرت في الصحف والمجلات السودانية في السبعينيات والتي قام بترجمتهاالى اللغة الانكليزية لمجموعة السلسلة الأفريقية والتي وافقت مشكورة على طباعتها وتوزيعها .”

أزمة النقد في الوطن العربي الكبير

النقد والنقاد ..أزمة تثار كثيرا على ساحة الثقافة والأدب في الوطن العربي ..ما قولك في ذلك؟ . ؟ .
” أؤكد لك / ومن خلال متابعة طويلة ودقيقة وصارمة / أنه لا وجود مطلقا / وبكل الأشكال / لعيب أو تقصير من جانب علم النقد على مستوى الوطن العربي .. انه كلام غير مؤسس ينبت في الأراضي المالحة المشبعة بالفيتامينات الفاسدة .. وهذا لأن من يقرأ مجموعة دراسات غالي شكري أو عبدالمحسن طه بدر أو صبري حافظ أو سيزا قاسم / وهذا ليس حصرا / حول النتاجات الروائية لنجيب محفوظ لابد أن يثلج صدره ذلك العلم النقدي من كل الجوانب .كما أن من يطلع على دراسات كمال أبوديب المعلقة ببنية الشعر الجاهلي المعنونة / الرؤى المقنعة / أو الجهد الضخم الذي بذله جابر عصفور وهو يتوغل في عالم طه حسين / الرؤى المتكسرة / أو دراسة / رسالة دكتوراة / رجاء النعمة في التحليل النفسي لرواية الطيب صالح / موسم الهجرة الى الشمال / والمعنونة / صراع المقهور مع السلطة / لابد أن يعترف بأن الأزمة تتعلق بشئ آخر غير النقد .

ونفس الاعتراف لابد أن يطلقه كل من يطلع على / الثابت والمتحول / لأدونيس بعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف معه .. كما أن الذين تحدوا ضيق الوقت وهشاشة الاستهلاك الثقافي واطلعوا على دراسات الطيب تزيني حول التراث .. وكذلك دراسات محمد عابد الجابري حول / نقد وتكوين العقل العربي / .. ودراسة برهان غليون بشأن اغتيال العقل / بعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف / لابد لهم أن يشهدوا بأن جهدا حقيقيا يبذل في مجالات اعادة القراءة ودراسة التكوين والبنية والعلاقة مع التراث والفرز النوعي والتحليل .. بل وملامسة المستقبل بالثبات والقوة التي يتيحها المنهج العلمي دون تشويش ودون مجانبة أو مزايدات .

كما أن ساحة النقد في الوطن العربي تشهد عطاءا نوعيا من الدرجة الأولى لكل من : سامية أسعد , اعتدال عثمان , خالدة سعيد , محمد دكروب , سعيد السريحي , محمد برادة , نبيلة ابراهيم , فيصل دراج , انجيل بطرس سمعان , هدى وصفي , عبدالله الغذامي , علوي الهاشمي , رمسيس عوض , يمنى العيد , فريال غزول , فدوى مالطي دوجلاس , جبرا ابراهيم جبرا , مصطفى ناصف , عبدالملك مرتاض , محمد ابراهيم الشوش .. وكل هذا الحشد ليس على سبيل الحصر أيضا “.

اذن أين الأزمة التي يتحدثون عنها اليوم ؟
” تحديا للصمت أقول ان النقد / العلمي / في الوطن العربي الان يتقدم على أغلب النتاجات في مجال الشعر من حيث التنظير والتحليل والدراسة وتطبيق أدوات الحداثة وتحديد المستويات الدلالية ……………الخ وهذا لا يعني خلو الساحة من شعراء مبدعين بقوة مواهبهم وقدراتهم الذاتية وتحقيق تشكيل جمالي يستفيد من الدراسات النقدية المطروحة حتى الآن .. كما يستفيد من تعددية المناهج والأساليب التي تزيد من قدرة النقد على التجاوز والتخطي في ما يتعلق بعلاقة الشعر بالحياة من جهة وبقدرة النص الشعري على التعامل مع الصرامة التي لابد منها خلال مسيرة التجديد المادي والطارئ واليومي .. وما يمكن تقليده بسهولة .

وقد ركزت على الشعر لأنه النتاج الأغزر من جهة ولأنه الشكل الذي يستسهل التعامل معه المبتدئؤون المصابون بالانيميا الموهبية وقطاع طرق ثقافيا والموهومون بعبقرية لا وجود لها أصلا.

وهناك مجموعة بالتأكيد من المشاكل والفخاخ في تعامل النقد مع القصة القصيرة والرواية والمسرح يضيق هذا الحيز عن التعرض لها .

ويمكن التأكيد أيضا على أن الجهد النقدي المطروح بشأنها لم يقصر اطلاقا في شؤون رصدها ودراستها وتحليلها والتنبيه لمناطق الرخاوة الشكلانية والقصور الجمالي وغياب الأسئلة الكبرى والتعامل مع البنية العميقة للنص والقضايا الأخرى ذات الصلة بالموضوع .

وأعتقد أن / الأزمة / التي يتحدثون عنها لها علاقة بالصحافة اليومية العربية بشكل عام حيث يسود الانطباع وهو شيئ غير النقد .. وتتدخل المساحة في كثير من الأحيان في تحديد ما ينشر وما لا ينشر”.

الكتابة وجع دائم والقصة مخاض أليم فكيف تأقلمت وأنت القاص والصحفي على كل هذا العذاب ؟
” لقد جاء التأقلم الذي تتحدث عنه من خلال ما أشرت اليه سابقا بشأن النص ذهنيا قبل الجلوس الى المنضدة للكتابة .. وبالتدريب والصرامة تحقق التوازن بين / غيمة / الصحافة و/ قيمة / الكتابة الابداعية . كما أن التوجه الابداعي كان أسبق في حالتي من احتراف العمل في الصحافة .. وقد ساعد هذا التقليل الى حدود بعيدة من تغول العمل الصحفي الخيري بالتحديد على الكتابة الابداعية .

ومن الثابت بشهادة زملاء العمل في كل من السودان ودولة الامارات العربية المتحدة أنني كتبت معظم قصصي القصيرة خلال لهاث العمل اليومي وليس القصة القصيرة فحسب بل روايتي / جابر الطوربيد / وراويتي / نشيد الأطفال في زمن الحرب / أنجزتهما بنفس الطريقة .. لذا أعتقد أن المسألة تعتمد أساسا على امكانات وقدرات ذاتية تختلف من كاتب لآخر .”

وماذا لو سألتك عن رأيك بصراحة حول ما يسمى بالحداثة ؟
” ليس هناك / ما سمي بالحداثة / وانما هناك / الحداثة / التي يعتقد كثيرون أنها تتعلق بالمشروع الشعري دون سواه .. بينما هي تعني / وضعية فكرية / بالخطاب العربي في كل صيغه وأشكاله ومراحل تطوره ونموه العضوي . نموه العضوي .

وتقول الدكتورة / خالدة سعيد / في دراستها المعنونة / الملامح الفكرة للحداثة / ان الحداثة ثورة فكرية وليست مجرد مسالة تتصل بالوزن والقافية أو بقصيدة النثر أو نظام السرد او البطل أو اطار الحدث أو تثوير الشكل المسرحي .. وما الى ذلك من تفصيلات .. لأن هذه الجوانب الجزئية تكسب دلالتها من الموقف العام .. وهي تجسيد لهذا الموقف/ .

وتضيف خالدة / الحداثة وضعية فكرية لا تنفصل عن ظهور الأفكار والنزاعات التاريخية التطورية وتقدم المناهج التحليلية التجريبية .

وهي تتبلور في اتجاه تعريف جديد للانسان عبر تحديد جديد لعلاقة الكون .. انها اعادة نظر شاملة في منظومة المفهومات والنظام المعرفي .. أو ما يكون صورة العالم في وعي الانسان .. ومن ثم يقال انها اعادة نظر في المراجع والأدوات والقيم والمعايير .. وهذا بالضبط وعلى وجه التحديد هو معنى الشعارات التي أطلقها بعض رواد الشعر الحديث قي الخمسينيات من قبل / رؤية جيدة / واعادة خلق العالم / مجلة فصول .. المجلد الرابع العدد الثالث عام أربعة وثمانين وتسعمائة وألف .

واذا تناولنا موضوع الحداثة الشعرية فلا بد من أن نربط ذلك بضرورة الفهم العميق والناضج لمفهوم تلك الحداثة التي لا تهدف بأي شكل من الأشكال الى انجاز نصوص انيمية أو أميبية تحت ستار الحداثة والتجديد .. أو تستعيد بعض الأشكال الفنية التي سادت لفترة ومضية في عصور الانحطاط الأوروبية .. وهي أشكال رفضت رفضا جادا لابتسارها وهشاشتها .

ولهذا أقول أنني مع الحداثة الى أقصى الحدود شرط أن تكون على طريق مواجهة التحديات الفكرية والحضارية . وعملا تطبيقيا واعيا بما يحيط به .. وتنقيبا عن النقطة المركزية التي تقود نصوصية النص دون أن تسلبه المقومات البنائية . أما الفوضى الشكلية المحسوبة على الحداثة والقافزة فوق التطور التدريجي لجسد النص فانها تعقد الأمور وتخلق أجواءا فاسدة يستفيد منها قراصنة الأدب بشكل خاص .

واذا كنا نشيرالى الحداثة في الشعر فلابد من نص شعري يبدأ بالنقطة المنفردة فيصل الى النهر ثم البحر / المحيط .. وهذا النص لابد له أن يتحرربشكل نهائي من كل أشكال السلطة الضاغطة .. وذلك لأن الحداثة بشكل رئيسي وعبر مشروعها المتكامل لا تطرح نمذجة ولا تسعى الى البحث عن ظل جديد تكون له بمثابة الظل الدائم .. كما أنها في نفس الوقت ليست عملية مزاجية وليست تقليعة .. لانها أصلا لا تأخذ مادتها من العابر / اليومي / والعادي والمتفق عليه وغير المفاجئ “.

حركة الابداع في السودان :

سنوات اغترابك وبعدك عن السودان .. هل أثرت في متابعتك لمايدور على الساحتين الأدبية والثقافية وحركة الابداع عموما هناك ؟ وكيف ترى تلك الساحة ؟
” لم تنقطع الصلة مطلقا بيني وبين تلك الساحة بل ان الكثير من انتاجي خلال السنوات القليلةالماضية قد أعيد نشره في الصفحات الأدبية والملاحق الثقافية في السودان .. وظلت رسائل بعض الكتاب والشعراء المؤثرين في حركة الابداع في السودان تصلني بما يحدث هناك .. ولفد تابعت ابداع الشباب هناك في مجالات الشعر والقصة القصيرة والنقد .. ولاحظت انهم على الرغم من صعوبة الظروف المحيطة بهم فانهم يبدعون ويواكبون الجديد ويطرحون طرحا متقدما في ما يتعلق بالحداثة والتراث والمعاصرة..انهم / رجالا ونساءا / يخبئؤون الغمام في طيات لحم ا لتصحر والجفاف ويرفضون التدجين الى حدود الصراخ / الفعل .. الا انهم لا يجيدون الاعلان عن أنفسهم رغم أن من بينهم من يختزنون في رؤوسهم كنوزا حقيقية .”

من سلبيات الواقع الثقافي العربي :

أخيرا .. هل من كلمة تود أن تقولها ؟
” نعم أقول شيئا مضادا لواحدة من اخطر سلبيات الواقع الثقافي العربي .. وهي تقزيم الكتاب والشعراء العرب لبعضهم البعض .. ولكي لا أطيل أذكركم بالاساءة البخسة التي صدرت من الدكتور يوسف ادريس لروائيي الروائيين العرب المعاصرين / نجيب محفوظ / عند حصوله على جائزة نوبل .. لماذا ؟ .
ان هذه الظاهرة المرضية تقلل من القيمة الحقيقية للابداع والمبدعين فور انتقالها الى الجزء القاعدي من المجتمع . وقد جمعتني ظروف مختلفة بعدد من الكتاب والشعراء في أكثر من بلد عربي فما سمعت غير القدح والذم والحديث الدقيق عن أشياء لا علاقة لها بالأدب أو الثقافة من نوع : فلان كاتب ممتاز ولكن رائحة فمه كريهة !! أو فلان يكتب بلغة خطيرة ولكن بطنه تعج بالغازات !! .. أو ذلك الشاعر / مخيف / لكن أثاث بيته شعبي رخيص !! أو صاحبنا كاتب القصة يضيف جديدا لكنه غير مقبول من الجنس اللطيف .. أو أن فلانا ناقد من الطراز الأول لكن ملابسه من النوع الذي يسيئ لمرتديه !!.

وعلى هذا الطريق تجد شاعرا في بداية البدايات يكتب شعرا يعج بالجهد الجمالي المكشوف والمأخوذ من جهد شعراء سابقين له ولكنه ينكر ذلك ويعلن عن عدم تأثره بأي شاعر آخر . وكم تمنيت أن يقرأ هؤلاء ما قاله بابليو نيرودا عن لوركا , أو ماقاله صمويل بيكيت عن ديستوفسكي , أو ما قاله كارلوس فونتيس عن وليام فوكنر , أو قاله فالير عن رامبو , أو قول ماركيز وهو يلقي خطابه أمام اللجنة التي منحته جائزة نوبل : / أستاذي وليام فوكنر / .. فهل نعيش في نفس العصر أم في عصر آخر؟ .”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى