آخر الأخبار

ملف الاستقلال إعداد :ام سلمة الصادق المهدي

Image5

ملف الاستقلال

إعداد :ام سلمة الصادق المهدي

في صبيحة يوم 1/1/1956م خرج نواب البرلمان ومعهم جماهير الشعب الغفيرة في موكب مهيب إلى سراي الحاكم العام ليشهدوا إنزال علمي الحكم الثنائي (مصر وبريطانيا)بواسطة رئيس الحكومة السيد اسماعيل الأزهري وزعيم المعارضة السيد محمد أحمد المحجوب من على سارية قصر الحاكم العام وهو ذات القصر الذي أنزل من أعلى ساريته الإمام المهدي عام 1885م علم الاستعمار ليحل محله علم الدولة السودانية المحررة .

كان المشهد رائعا و مهيبا حيث شوهد الإمام عبدالرحمن المهدي يجهش بالبكاء حتى تعثر حين أراد التقدم مما صوره المحجوب شعرا:

أجرى دموعك دون الناس قاطبة سر لغيرك ما باحت به الحقب

وما عهدتك قبل اليوم تنتحب وأنت تجهش بالدمـــع تزرفه

فأعجب لحظة لو ينقضي العجب سبعون عاما طوتها لحظة غربت

ولا شك أن الإمام الذي جعل هدفه الأوحد وحلم حياته المفرد تحقيق استقلال السودان ،قد كان اندفاعه في جزء منه دفاعا عن المهدية .فكان له ما أراد في صبيحة ذلك اليوم من عام 1956 مما شّكل لحظة درامية جسّمت أحلامه في ذروة لم يحتملها الشيخ الجليل فأجهش بالبكاء.

وعلى طريقة الفلاش باك نسترجع استدعاءً ما مرّ بذاكرة الإمام في ذلك اليوم المبارك ،حتى تحقق الاستقلال الذي لا يمكن اجتزاؤه في المشهد الإجرائي الذي مثّله إنزال العلم مهما بلغت رمزية ذلك المشهد وعظمته. فالاستقلال عملية تمت في خطوات متسلسلة بدأت قبل أكثر من ثلاث وأربعون عاما من لحظة إنزال علم الحكم الثنائي وإبداله بالعلم الوطني والإمام –بعد فتىً يافعا ،نتاول مراحله فيما يلي من سرد تاريخي مفصل.

السرد التاريخي:

بعد موقعة أو (كسرة) كرري في 2 سبتمبر 1898م والتي استشهد فيها 11ألف سوداني أتت نكبة الشكابة في 23 أغسطس 1899م حيث استشهد الخليفة شريف وابنا المهدي الفاضل والبشرى وأسر الباقون:عبد الله والطاهر ونصر الدين(ماتوا بالسل في محبسهم في رشيد بمصر) وعلي الذي أفرج عنه في 1905م وجرح الصبي عبدالرحمن ذو الثلاث عشرة ربيعا في صدره .

وفي أم دبيكرات 24 نوفمبر1899م لفظت الدولة آخر أنفاسها باستشهاد خليفة الصديق ومعه الخليفة علي ود حلو والصديق ابن المهدي وأحمد فضيل وأب جكة ،الأمير هارون بن السيد محمد –الأمير عجب الفيه، الأمير النموري وغيرهم كثيرون وقد ماتوا ميتة الأبطال كما شهد لهم أعداؤهم.

رسميا طويت صفحة ناصحة ولكن مشهد النهاية أعطى الدعوة عمرا معنويا أبقاها متقدة حتى اليوم.

أدرك الفتى الجريح منذ تلك اللحظة المبكرة أن عليه تقع مسئولية كفالة أعدادا من النساء والأطفال هو عائلهم الوحيد كما تقع عليه مسئولية تنوء بها العصبة من الرجال وهي مسئولية إعادة المعاني المسلوبة التي مثلتها الدولة المهدية وتحرير الوطن من مغتصبيه.

ورغم انعدام الفرص وقتها وجد الفتى في نفسه عزيمة لا تلين ،وقد تقّوت بعوامل عدة :منها رؤية منامية رآها في آواخر أيام المهدية رأى فيها أنه (من سيرفع الراية إن وقعت).

واجه السيد عبدالرحمن ظروفا شديدة التعقيد وقوبل بردع لا يرحم وتجنبه الكثيرون من بني وطنه .. ولكن المدهش أن كل تلك المرارات لم تؤثر عليه بصورة سلبية! بل أدت شخصيته الإيجابية المنفتحة إلى استيعاب كل تلك الظروف والتعقيدات وإخراج الصورة الأمثل للمجابهة دون صدام والاستفادة القصوى من الموقف دون استسلام وقد أدرك بذكائه اللمّاح أن الطريقة التي اتبعها والده للتحرير لا تصمد مع آليات الحرب التي تطورت بقيام الحرب الكونية الأولى في 1914م فصاغ استراتيجية عبقرية أثبتت جدواها وأدت إلى تحقيق الاستقلال كاملا غير منقوص في 1/1/1956م ( متل صحن الباشري دون شق أو طق) كما قال الأزهري.

أنجز السيد عبدالرحمن حلم حياته عبر وسيلتين:

1- تحرك الإمام العبقري في مساحات تناقضات دولتي الحكم الثنائي وتضارب مصالحهما مستفيدا من الوضع القانوني الهجين الذي انتهج على ضوء معاهدة 19 يناير 1899م والذي لم يعرفه القانون الدولي من قبل وهو عبارة عن الحل الوسط الذي طرحه كرومر ليكون السودان مصريا وبريطانيا في ذات الآن حيث رفع العلمين المصري والبريطاني معا وقد فسر المصريون بنود الاتفاقية على أساس أن السيادة على السودان تعود لهم وحدهم ( توضح هذا في كل المفاوضات المصرية البريطانية اللاحقة فيما يخص المسألة السودانية) بينما في الواقع تنفرد بريطانيا بحكم وإدارة السودان ولم تعهد للمصريين إلا بالوظائف الإدارية الدنيا كالمأمور ونائب المأمور .

2- حدد الإمام منذ البداية أن الطرف الأقرب لتحقيق أهدافه(السودان للسودانيين) هو بريطانيا وليس مصر وذلك لعمري فهم ثاقب:

– فبريطانيا مهما كان ظلمها وجبروتها ولكنه فهِم الآليات التي يصاغ بها القرار السياسي فيها والذي يخضع للرأي العام ويسترضي الناخبين .

– سادت في ذلك الوقت حركة تحرير الشعوب ونداءات رئيس الولايات المتحدة بحرية الشعوب كبيرها وصغيرها وبحقها في تقرير مصيرها ومبادئه الأربعة عشر التي ضمنها لخطابه للكونجرس وفيها نص لإنشاء رابطة عامة للأمم بغرض توفير ضمانات متبادلة للاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية للدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء.

– إنشاء عصبة الأمم في 1920م الذي ترتب على نداءات الرئيس الأمريكي وميثاق الأطلنطي فيما بعد الذي أصدره ونستون تشرشل وروزفلت وقد تضمن المباديء التي تؤمن للبشرية مستقبلا أفضل بعد الحرب(الحرب العالمية الثانية) .

– فبينما بريطانيا يحاط جبروتها بكوابح لا تستطيع تعديها خاصة وأن ادعاءاتها الاستعمارية ظلم ظاهر يسهل كشفه وتعريته ،نجد أن الإدعاءات المصرية بالسيادة على السودان تتم بضمير مرتاح من حكام وشعب مصر،وكما قال المستشار المالي(المصري) في تقريره سنة 1914م (ان السودان ألزم لمصر من الإسكندرية) وحتى اليوم كثير من المصريين ينظر للسودان كمن فرّط في حقه التاريخي!

– بل أن تلك الإدعاءات المصرية مسنودة برأي وطني سوداني لا يستهان به.فبينما كانت توصية ملنر في 1920م بارتقاء السودان مستقلا عن مصر تحت الرعاية البريطانية وقد خلص تقريره إلى استحالة تسوية مسألة السودان على نفس أسس تسوية القضية المصرية فقد كانت المطالب المصرية الوطنية تسير في اتجاه مغاير. وقد جسدت مقالات حسين شريف بجريدة الحضارة الموقف من عدم اختيار مصر لتكون وصية على السودان لترشد أهله إلى حين أوان تسليمهم سلطة بلادهم بقوله(ولو كانت الدلائل والوقائع والتجارب تساعدنا على الوثوق بأن جيراننا يستطيعون الاحتفاظ بوديعتنا الوطنية المقدسة لما فضلنا غيرهم ولما اخترنا سواهم.أما والأمر كذلك فمن الخرق والحمق أن نغرر بأنفسنا ونقامر بكياننا ونقذف بمستقبلنا في هوة لا قرار لها ولا يعلم إلا الله ما في جوفها من المصائب والويلات)أ.هـ

في تناولنا للأحداث يظهر بجلاء الدور الهام الذي لعبه التناقض البريطاني المصري كما يظهر بعد النظر في التعويل على بريطانيا لنيل الاستقلال.

ثلاثون حدثا انتهت بالسودان حرا مستقلا

1: في 1920م أنشأ فريق السودانيون المناوئ لتوجهات صحيفة الحضارة جمعية الإتحاد السوداني وفي يونيو 1922م قدم علي عبداللطيف(عضو جمعية الإتحاد)للمحاكمة بسبب مقال قدمه للنشر واعتقل أيضا محرر الحضارة حسين شريف. بعد خروج علي عبد اللطيف من محبسه كون مع عبيد حاج أمين جمعية اللواء الأبيض وقد كان رأي الإمام عبدالرحمن (كان للحوادث الجارية في مصر منذ بدئها 1919م صدى في السودان حرك الوعي السياسي عند الفئة القليلة المتعلمة وسكان المدن.وأخذت الصحف المصرية تنادي بوحدة وادي النيل فانساق في تيار هذه الحركة أكثر المتعلمين وكان المظهر المادي لهذه النداءات قيام حركة 1924م.اذ لم تكن هذه الحركة إلا امتدادا للحركة الوطنية المصرية. وإنني وان كنت أكبر صفات الرجولة والصبر التي امتاز بها أعضاء جمعية اللواء الأبيض ،إلا أنني لا أعتبر حركة 1924م ممثلة للمطالب الحقيقية لشعب السودان. وقد دفعني ذلك لأن أنادي بالشعار الذي أتمسك به حتى اليوم وهو “السودان للسودانيين”.أهـ

بعد إعلان سعد زغلول في خطاب العرش مارس 1924م أن حكومته مستعدة للدخول مع الحكومة البريطانية في مفاوضات حرة من كل قيد لتحقيق الأماني القومية بالنسبة لمصر والسودان، قام السيد عبدالرحمن بالدعوة لاجتماع العباسية في يونيو 1924م لبحث الوضع السياسي في مصر والمطالب المصرية بشأن السودان.فقد كان من رأيه أنه حان الأوان ليقول أهل السودان رأيهم بصراحة وشجاعة وألا يترك مستقبل السودان ليقرر دون إشراكهم .

قرر اجتماع العباسية الذي لبّى نداؤه بعض أقطاب الختمية وبعض العمد والمشايخ والتجار والأعيان وكبار الخريجين من بينهم أحمد السيد الفيل،اسماعيل الأزهري الكبير،بابكر بدري ،حسين شريف وعلي أبوقصيصة قرر الإجتماع :اختيار انجلترا لتكون وصية على السودان لتعمل على تطويره حتى يصل إلى مرتبة الحكم الذاتي لأسباب وصفها إعلان العباسية بأنها “مسألة مصلحة ذاتية بحتة”.أثار إعلان العباسية سخط جمعية اللواء الأبيض فأعدت مذكرة ولاء لمصر وعرشها ولكن الوفد منع من السفر واعتقل أفراده في حلفا مما جعلها ترسل برقيات عديدة إلى الحكومة المصرية ومجلس نوابها وإلى الصحافة المصرية معلنة سخطها من سياسة التنكيل .

أنكرت الصحافة المصرية وجود قومية سودانية وانتقدت الدعوة لتكوينها “لأن مصر لا تعرف للسودان قومية غير مصرية وجنسية غير مصرية.ولم يكن السودان سوى إقليم من الأقاليم المصرية التي تولاها محمد علي ومن خلفوه على أريكة مصر بحكم فرمانات الولاية المقررة بمعاهدات دولية والموقعة عليها انجلترا.وحذرت الأهرام من الاعتراف بالقومية السودانية أو حتى قبول البحث فيها أو في الاستفتاء مما يعني أننا كمصريين قد تنازلنا ضمنا عن سيادتنا التي لا تقبل بحثا ولا جدلا”!

أعتقل علي عبد اللطيف في يوليو 1924م لمدة 3 سنوات بسبب برقيته إلى رئيس وزراء بريطانيا محتجا على تصريحات المسئولين البريطانيين بشأن حقوق بريطانيا المزعومة في السودان وخاتما بأن الانفصال يعني الموت للسودان ومصر معا!

وقد ظهر التناقض بين دولتي الحكم الثنائي جليا حينما اتضح للانجليز خطر بقاء جيش مصري كبير في السودان منذ قيام ثورة 1919م بزعامة سعد زغلول، خوفا من تدخل مصري في السودان لصالح مصر وصدر أمر بريطاني بإخلاء الجيش المصري من السودان فرفضت حكومة سعد زغلول الأمر واستقالت بينما قبلت الحكومة التي أعقبتها تنفيذ الإخلاء.انصاعت الكتيبة الرابعة وبعض المصالح المصرية الأخرى في السودان لأمر الاخلاء بينما رفضت قوات المدفعية المرابطة في الخرطوم بحري بقيادة أحمد رفعت الانصياع للقرار وقد عقد في بحري مجلس حربي ضم سودانيين ومصريين رفض الأمر حتى لو أدى ذلك للموت ، مما حرك الحماسة في نفوس طائفة من ضباط وجنود مدرسة ضرب النار فتحركوا في 27/نوفمبر/1924م بقيادة عبدالفضيل ألماظ للانضمام لقوات أحمد رفعت ولحقت بهم فصيلة من الكتيبة 11 بقيادة الضابط سيد فرح فاعترضتهم كتيبة انجليزية لمنعهم اجتياز كوبري النيل الأزرق بينما التزمت قوات أحمد رفعت الحياد التام! وانتهت المعركة في يوم 28/نوفمبر/1924م باستشهاد عبدالفضيل ألماظ واعتقال رفاقه الذين حكم عليهم بالإعدام ووصل في نفس اليوم مندوب من وزير الحربية المصري حاملا الأمر للقوات المصرية بالكف عن مقاومة الإجراءات التي اتخذها نائب الحاكم العام لإخراجهم بالقوة من الأراضي السودانية وذكر لهم أن عودة القوات المصرية لا يترتب عليه أي مساس بحقوق الوطن أو بشرف القوات العسكرية.وابتداء من يوم 29/نوفمبر 1924م شرع أحمد رفعت وقواته في مغادرة السودان!(وقد أثر هذا الخذلان فيما بعد على مسيرة الحركة الوطنية السودانية ).حيث تخلى بعض أعضاء جمعية اللواء الأبيض عن شعار”وحدة وادي النيل” وعن فكرة الكفاح المشترك لتحرير وادي النيل من الاستعمار البريطاني واتضحت لهم الحاجة لقيام حركة سودانية مستقلة وكان أبرز الذين أداروا ظهورهم للشعارات الموالية لمصر واعتنقوا شعار “السودان للسودانيين” هم: عرفات محمد عبدالله،عبدالله خليل،صالح عبد القادر.

وفي 17 يناير 1925م أصدر الحاكم العام منشورا بإنشاء قوة دفاع السودان مبررا ذلك بما استلزمه سحب القوات المصرية من السودان.وصيغ يمين الولاء الذي يقسمه الضباط بحيث يكون للحاكم العام ولحكومة السودان. أبلغت الحكومة المصرية المندوب السامي البريطاني بتحفظاتها القانونية على منشور إنشاء قوة دفاع السودان.

2:معاهدة 1936م:

في مصر تمخضت الانتفاضة الطلابية العارمة في نوفمبر من عام 1935م عن تكوين جبهة وطنية قامت برفع مذكرة من أبرز مطالبها مسألة السودان. على إثر ذلك بدأت مفاوضات مصرية بريطانية أفرزت معاهدة 1936م والتي أدت إلى تحقيق مكاسب رمزية لمصر في السودان وسط ترحيب مصري ببنود الاتفاقية.استفزت المعاهدة الوجدان السوداني لأنها كرست الحكم الثنائي القائم على أساس إتفاقية 1899م، متجاهلة للطموحات السودانية ولم تترك للسودانيين شيئا سوى “الرفاهية”.

في السودان دعت صحيفة النيل في 30 أغسطس 1936م السودانيين للإدلاء بآرائهم بشأن المعاهدة ودعت إلى وضع دستور يحدد المطالب السودانية، التي ترفع إلى هيئة الحاكمين دون هوادة)تأهلا للحكم الذاتي عن أقرب طريق .استجاب الكثيرون لمطلب الجريدة وشرع الخريجون في التحدث في مجالسهم الخاصة عن أجدى الطرق للمطالبة بحقوق السودانيين. وطالبت مجلة الفجر بأن تكون للسودانيين إرداة يعترف بها وتستشار وتحترم. ونحت صحيفة السودان ذات المنحى مقررة أنه لا يمكن لأي فرد مهما كانت نزعته أن يقبل البت في مصيره بدون استشارته ولا يمكن لأمة تود أن تبرهن على وجودها وصلاحيتها للبقاء أن تقبل بأن يقرر في مصيرها بدون أن يقام لها وزن.مقترحة تشكيل لجنة جامعة من السودانيين للتقرير بشأن الوطن.

أقلق السيد عبدالرحمن ما جاء في اتفاقية 1936م بشأن السيادة على السودان واستفزه أن الخديوية المصرية حددت المصير السوداني كإقليم تابع لمصر معتبرة المهدية تمردا انتهى بدخول الجيش المصري للسودان.وعلى ذلك وعلى التسلط الثنائي عامة جاءت مراحل اليقظة الوطنية:

أولا رفع شعار السودان للسودانيين

ثم المطالبة في جريدة النيل بتقرير المصير

ثم المبادرات التي تتالت في تاريخ التطور الدستوري في السودان حتى الاستقلال.

فقرر الامام السفر لانجلترا لاستيضاح المسئولين عن تفسير “الرفاهية”الواردة في معاهدة 1936 قيل له أن الرفاهية تعني:الرقي المادي والأدبي في جميع جوانب الحياة فرد عليهم قائلا: “إذا لم تبلغ الرفاهية في تفسيرها بالإنسان مرتبة الحرية والاستقلال فإنها لا تختلف كثيرا عن رفاهية الحيوان و”لا رفاهية بغير حرية ولا رقي إلا بالاستقلال والموت في سبيل الاستقلال خير من حياة الذل والعبودية.

بعدما أبرمت معاهدة 1936م بدون مشاركة سودانية وأعلنت أحكامها المتعلقة بالسودان أصيب الرأي العام السوداني بحالة من الإحباط وخيبة الأمل.فكانت ندوة أحمد خير التي نادى فيها السوداني المستنير للانتظام في رابطة أو مؤتمر أو نقابة ونشر برنامج قومي يحدد به الخريجون ويعرفوا واجبهم السياسي)،والتي نظمتها جمعية واد مدني الأدبية بعنوان(واجبنا بعد المعاهدة)

3:تأسيس مؤتمر الخريجين

ثم كان تأسيس مؤتمر الخريجين في فبراير 1938م نتاجا لإحباط السودانيين بسبب المعاهدة وقد نشأ مؤتمر الخريجين كرابطة تخدم أغراضا محدودة .في نهاية 1940م تشكلت لجنة جديدة للمؤتمر دار فيها الحديث عن وجوب توسيع قاعدة المؤتمر وضرورة تحويله إلى جمعية سياسية.في يناير 1941م جرت انتخابات المؤتمر على أساس التحالفات التي عقدت بين الخريجين والطوائف الدينية وقد تمكن الأنصار من الحصول على أغلبية مقاعده ونفذت لجنة المؤتمر الجديدة مشروع يوم التعليم الذي دعمه السيد عبدالرحمن وبسبب نجاحه وجد المؤتمر تأييدا كبيرا من الرأي العام مما أكسبه نفوذا شعبيا.في نهاية 1941م انتخب السيد ابراهيم أحمد رئيسا للمؤتمر وعوض ساتي سكرتيرا وقام المؤتمر في هذه الدورة بتقديم مذكرة للحاكم العام ضمت 12 مطلبا ،كان أهمها منح السودان حق تقرير المصير بعد الحرب مباشرة وأعد المذكرة اسماعيل الأزهري،عبدالحليم محمد،عبدالله ميرغني ،احمد يوسف هاشم وأحمد خير وقد اعتمدت المذكرة من اللجنة التنفيذية والهيئة الستينية.

الأسباب التي أدت لتقديم المذكرة:

– ميثاق الأطلنطي وما تضمنه من مبادئ.

– الشعور الوطني الذي أثارته في السودان زيارة بعثة كربس (زعيم مجلس العموم البريطاني) إلى الهند وهي مستعمرة بريطانية ، للتباحث بشأن استقلالها.

– البلاء الحسن لقوة دفاع السودان في الحرب العالمية الثانية إلى جانب بريطانيا.

– المقال الذي نشر في جريدة النيل في 26 مارس 1942م بإيعاز من السيد عبدالرحمن دعا فيه إلى منح السودانيين حق تقرير المصير بعد الحرب مباشرة .

رفضت الحكومة مذكرة المؤتمر جملة. مذكرة إياه بحصر نفسه في قضايا السودان الداخلية وأن ما يمس مركز السودان السياسي ودستوره القائم على معاهدتي 1899م و1936م هي من شأن دولتي الحكم الثنائي! رد المؤتمر على الحكومة برسالة جريئة بعث بها ابراهيم أحمد إلى الحاكم العام بتاريخ 12 مايو 1942م.مبديا أسفه من عدم تجاوب الحكومة مع مطالب المؤتمر وتأكيد تمسكهم بتلك المطالب التي لا تخالف دستوره الذي ينص صراحة على أن غرضه هو خدمة المصلحة العامة والتي يدخل في إطارها المطالب التي قدمها بما فيها حق تقرير المصير،والتي يعلم أن حدود سلطة الحكومة لا تشملها ولكنه يرغب في رفع مطالبه عبر الحكومة إلى دولتي الحكم الثنائي خاصة أنه لا توجد قاعدة بإلزام شعب السودان باتفاقيات لم يكن طرفا فيها.ويدفع بأن الحرب قد أفرزت وضعا جديدا وأنه في حال غياب وجود هيئة مماثلة لتمثيل السودان فإنه لا يرى سببا للتخلي عن هذا الوضع خاصة وأنه يحظى بقبول السودانيين.وكانت استجابة الحكومة لرد المؤتمر الاستمرار في الرفض.ثم سعى نيوبولد(السكرتير الاداري) إلى شيء من التقارب مع الخريجين واجتمع بممثليهم وبالرغم من تحفظاته على منحى المؤتمر فقد كان رد ابراهيم احمد في 23 يوليو 1942م معبرا عن شيء من الإرتياح لما تم في اللقاء بشأن:

– استشارة السودانيين عند إعادة النظر في معاهدة 1936م.

– زيادة نصيب السودانيين من المسئولية في إدارة شؤون بلادهم وذلك بالسعي لإيجاد هيئة تمثيلية استشارية سودانية وبزيادة وظائف السودانيين ذات المسئولية في الحكومة.وكان تعليق نيوبولد غير مشجع ولكن أحمد خير رأى أن مجرد إعداد المذكرة وتقديمها للحكومة قد حقق بعض النتائج الإيجابية مثل خلق قضية وطنية واضحة المعالم والحدود.

4:تبلور الموقف السوداني بين استقلال واتحاد

موقف الحكومة إزاء المذكرة خلق موقفين:

1/ الموقف الاستقلالي الذي قبل التطور الدستوري التدريجي أساسا لتحقيق الاستقلال الكامل ولمواجهة المطالب المصرية بشأن السودان.

2/ الموقف الإتحادي الذي اعتبر أن الوثوق بتأكيدات الحكومة عمل غير وطني واتجه صوب مصر ليتعاون معها في تحرير السودان من البريطانيين.

وفي 10 سبتمبر 1942 تقدم نيوبولد بمذكرة إلى مجلس الحاكم العام بشأن إشراك السودانيين في الحكم.بعدة مقترحات: إنشاء مجلس استشاري لشمال السودان- التوسع في إنشاء مجالس مدن بسلطات تنفيذية واستقلال مالي- إنشاء مجالس مديريات إستشارية- التوسع في استخدام السودانيين في الحكومة المركزية ولجان المديريات- تسريع إحلال السودانيين محل البريطانيين.وقد أجاز مجلس الحاكم العام هذه التوصيات باعتبارها خطوات نحو الحكم الذاتي وانتقالا من سياسة الوصاية إلى سياسة المشاركة.كون نيوبولد لجنة خاصة للنظر في جدوى إنشاء مجلس استشاري فكانت توصيات اللجنة في 16 مارس 1943م وقد أوصت بجدوى إنشاء المجلس الإستشاري كتطور سوداني طبيعي.بصلاحيات محددة.في سبتمبر 1943م صدر قانون المجالس الإستشارية وقانون مجالس المديريات وبموجب ذلك صدر أمر الحاكم العام بإنشاء المجلس الإستشاري لشمال السودان لسنة 1943م ويتكون من الحاكم العام رئيسا وسكرتيريه نوابا ومن 28 عضوا عاديا وأصدر الطريقة التي تنظم عمله.عين السيدان علي الميرغني وعبدالرحمن المهدي أعضاء شرف بالمجلس. أعتبر السيد علي إنشاء المجلس خطوة يجب شكر الحكومة عليها وتوقع نتائج مرضية ولكنه ربط ذلك بنوعية الذين يختارون لعضويته .قبل أن يتخذ السيد عبدالرحمن قراره بقبول عضوية الشرف ناقش بشكل مطول مع ممثلي السكرتير الإداري مركز أعضاء الشرف وقد وافق هو ومؤيدوه على الاشتراك في المجلس ليتخذوه نواة للعمل الإيجابي (بالرغم من عدم رضاهم عن صلاحياته واقتصاره على المديريات الشمالية معتبرين استبعاد الجنوب دلالة على سوء القصد.وقد أوردت النيل أن صلاحيات المجلس لا

تحقق أمل البلاد ولكنها رحبت به كخطوة بارزة في تطور أداة الحكم “فهي في يدنا سلاح نستطيع أن ندفع به أو أن نهاجم به أحيانا(النيل 16 مايو 1944م).

في يوليو 1943م قام اسماعيل الأزهري رئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمر الخريجين بزيارة لمصر وقبيل سفره زار السيد عبدالرحمن وأخبره بأنه ينوي زيارة مصر لإبلاغ المسئولين فيها بأن اتجاه المؤتمر هو العمل لقيام حكومة سودانية تحت التاج المصري! لم يعلق السيد عبدالرحمن على ذلك واكتفى بقوله(للإنسان فم واحد ينطق به وأذنان يسمع بهما هكذا خلقه الله ليسمع أكثر مما ينطق!(الزعيم الأزهري وعصره،بشير محمد سعيد).التقى أزهري النحاس(رئيس الوزراء المصري) في مصر وتحدث معهم عن مستقبل السودان.

بناء على توجيهات السيد عبدالرحمن نشرت النيل مقالا بعنوان “وحدة السودان أولا”وفيه أن على السودانيين أن يسعوا لبلوغ الاستقلال بمعاونة الوصي القريب بريطانيا والشقيقة المحبة مصر.

انتهز السيد عبدالرحمن في في فبراير 1944 فرصة لقائه باسكرافينر مدير الدائرة المصرية بوزارة الخارجية البريطانية للإعراب عن وجهة نظره بشأن مستقبل السودان وطرح له النقاط الآتية:

1- تعاون السودانيون بنشاط مع بريطانيا في الحرب ويأملون تحقيق طموحاتهم الوطنية بعد النصر ثقة في العدالة البريطانية.

2- استمرار السياسة القائم على مبدأ الرفاهية حسب معاهدة 1936م ليس أساسا مرضيا لتطور السودانيون مستقبلا.

3- أن المصريين قد تخلوا عن مطالبتهم بالسيادة على السودان لأنهم التزموا الحياد ورفضوا الدفاع عنه سنة 1940م.

كان اسكرافينر قد التقى السيد علي أيضا ولكن الحديث بينهما دار حول الطقس في مصر والسودان وانجلترا!

كانت انتخابات الهيئة الستينية في 27 نوفمبر 1944م نقطة تحول في مسيرة الخريجين، ذلك أنها مثلت بداية النهاية للمؤتمر كمؤسسة قومية وذلك بسبب السيطرة الكاملة لجماعة الأزهري ويحي الفضلي(جماعة الأشقاء) على هيئة المؤتمر الستينية ولجنته التنفيذية.

رفض الحكومة لمذكرة الخريجين وزيارة الأزهري لمصر أبرزا الاتجاه لتقرير المصير على أساس الإتحاد مع مصر داخل المؤتمر، وقد تكون على إثر ذلك جماعات أربع :جماعة الاتحاديين(تفسر الاتحاد مع مصر على أساس نظام الدمنيون ويعني اتحاد بين الحكومة السودانية الديمقراطية الحرة وبين حكومة مصر تحت التاج المصري)جماعة الأحرار(نوع الاتحاد مع مصر الذي تدعو له اتحاد كونفدرالي) جماعة الأشقاء (منذ زيارة الأزهري لمصر صارت الجماعة تدعو لنوع من الاتحاد مع مصر فسرته حكومة السودان بأنه الاندماج الكامل )جماعة القوميين(تدعو للاتحاد مع مصر بصيغة غامضة وغير محددة –نوع من الكنفدرالية الفضفاض).

5:تأسيس حزب الأمة:

في 31 مارس 1945م أعلن عن قيام حزب الأمة كأول حزب سوداني خوفا من أن يؤخذ اتجاه مؤتمر الخريجين الموالي لمصر كتعبير عن رغبة الشعب السوداني وخوفا من مطالبة مصر بالسودان مكافأة لها على دورها في الحرب العالمية الثانية إضافة لتأهلها للمشاركة في مؤتمر سان فرنسسكو 25 أبريل 1945م. فقام الحزب متبنيا لشعار السودان للسودانيين ودستوره يحوي ذات المطالب الأثني عشر التي تقدم بها مؤتمر الخريجين في مذكرته التي قدمها للحاكم العام في 3 أبريل 1942م. وقد كان الإمام عبدالرحمن راعيا للحزب وممولا له شرح موقعه فيه بقوله(اني جندي في الصف.ولكن الله سبحانه وتعالى وهبني من الامكانيات ما لم يتيسر لكثير منكم ، وسأهب هذه الامكانيات وسأهب صحتي وولدي وكل ما أملك لقضية السودان) وكان عبدالله خليل سكرتير عام الحزب.وكانت فلسفة قيام الحزب التي أوضحها السيد عبدالرحمن هي:أن عطفه على حزب الأمة هو من قبيل عطفه على كل عمل عام وليس تعضيدا لحزب على حزب واعتقاده أن الجميع سيتفقون على مبدئه(السودان للسودانيين)وأنه يرى أن تعدد الأحزاب في الوقت الحاضر والهدف واحد مضر بمصلحة البلاد فاذا وصلنا للهدف واختلفنا على الأوضاع فذاك أمر طبيعي.

كان أول عمل قام به الحزب هو المطالبة باشتراك السودان في مؤتمر سان فرانسسكو في 25 أبريل 1945م في مذكرة تقدم بها سكرتيره العام عبدالله خليل الى الحاكم العام في 19 مارس 1945م.والذي رد بأنه ليس من اختصاص مؤتمر سان فرنسسكو النظر في المطالب السودانية.

أثار تأسيس حزب الأمة الجماعات الإتحادية فتنادت لمواجهة ذلك وتم التوقيع على ميثاق في 27 مارس 1945م أكدت فيه وحدة رأيها واتجاهها بشأن مستقبل السودان السياسي.وتعهدت بالوقوف خلف مؤتمر الخريجين بما يضمن الاتحاد والتعاون الوثيق مع مصر على مبدأ(قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر تحت تاج واحد).وقد كان لتأسيس حزب الأمة أثر آخر إذ حسم التردد الذي كان دائرا فيما يختص بعرض أمر مستقبل السودان على المؤتمر فدعيت الهيئة الستينية على عجل للاجتماع في 2 ابريل 1945م دون كشف عن الغرض من الاجتماع للأعضاء.وقد كان الغرض هو: اتخاذ قرار بشأن تفسير بند تقرير المصير الوارد في مذكرة 3 أبريل 1942م وعارض كثيرون اتخاذ قرار مصيري بهذه السرعة ونشر بيانا في الصحف بتاريخ 7أبريل 1945م جاء فيه أن هيئة المؤتمر التي اجتمعت قررت أن ما يحقق مصالح السودانيين ويفصح عن رغباتهم هو قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر تحت التاج المصري .

قوبل قرار المؤتمر باستياء تام من حزب الأمة ودعاة الاستقلال الآخرين.وقالت النيل أن قرار تقرير المصير هو شأن سوداني ولا يحق للمؤتمر فرضه على الآخرين بالطريقة التي جرى بها .

6:ائتلاف الأحزاب:

ازاء تصاعد الخلافات خف نفر لاحتواء الخلافات وقد نجحوا في جمع كل الجماعات حول مائدة مستديرة في 11 مايو 1945م وتبين أن كل الأحزاب توافق على العمل من أجل تشكيل حكومة سودانية حرة وعلى الاتحاد مع مصر من حيث المبدأ(اذ أن حزب الأمة كان لا يمانع من ذلك الاتحاد بين الدول المستقلة على أساس من الندية) وناقشت لجنة الأحزاب المطالب التي ستقدم للمؤتمر للعمل على تحقيقها بمساعدة حكومة السودان ومن بينها اصدار تصريح من دولتي الحكم الثنائي يحدد المستقبل السياسي للسودان(خاصة بسبب حلول الأجل الأول المحدد لإعادة النظر في معاهدة 1936م وتم التوقيع على وثيقة الأحزاب المؤتلفة(الأشقاء،الأمة،الاتحاديين،الأحرار الاتحاديين،القوميين) . ثم تم تعديل الوثيقة لتعرض على المؤتمر ورفعها الأزهري بصفته رئيسا للمؤتمر لحكومة السودان والتي أكدت في ردها عدم أحقية المؤتمر بادعاء تمثيل الرأي العام السوداني وأنه عندما يحين الوقت سيستشار الجميع كل حسب وزنه.

عندما حان أجل مراجعة معاهدة 1936م بعث مصطفى النحاس رئيس حزب الوفد رسالة للحكومة البريطانية طرح فيها ضمن مسائل أخرى تسوية مسألة السودان وتحدث النقراشي رئيس الوزراء في 6 أغسطس 1945م عن أهداف مصر القومية أمام مجلس النواب والشيوخ المصري ومنها (وحدة وادي النيل بمصره وسودانه) ونحى ذات المنحى في خطابه للعرش في 11 نوفمبر 1945م. وفي 20 ديسمبر طلب من الحكومة البريطانيا موعد قريب تناقش فيه مطالب مصر القومية.

كان صدى تلك التحركات على الصعيد السوداني تنسيق بين الأحزاب المؤتلفة واللجنة التنفيذية للمؤتمر لبحث اشراك السودانيين في المفاوضات التي تعتزم تناول مسألة السودان .وخلال الاجتماعات والتداولات برزت خلافات جوهرية مثل الأساس الذي سيعمل بموجبه الوفد هل هو وثيقة الأحزاب المؤتلفة أم القرار الذي أصدره المؤتمر في 2 أبريل 1945؟ وتكشف أن لجنة المؤتمر(كل تكوينها من حزب الأشقاء)تريد الاستئثار بتكوين الوفد.ارتفعت أصوات تنبه لضرورة التمثيل الجامع وعدم تفويت الفرصة التي قل أن يجود بمثلها الزمان.سافر الفوج الممثل للأحزاب بعد التوصل الى تفسير مشترك لمعنى الاتحاد مع مصر (5 المؤتمر،3 الأمة،القوميين والأحرار والاتحاديين والأحرار الاتحاديين وحزب وحدة وادي النيل كل بواحد)وقد أصدر الأزهري بيانا شرح فيه مهمة الوفد وأهدافه والمطالب التي أوكل للوفد تحقيقها:

1- تصريح مشترك من دولتي الحكم الثنائي بقيام حكومة سودانية ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر.

2- تحدد الحكومة الحرة نوع الاتحاد.

3- تدخل الحكومة الحرة في تحالف مع بريطانيا على ضوء نوع الاتحاد مع مصر.

في مصر تم استنكار كامل من قبل الصحف والجسم السياسي كله لمهمة الوفد وأساسا عدم جدوى تكوين وفد منفصل يمثل السودان.

في السودان تصدت الصحف الاستقلالية للضغوط التي تعرض لها الوفد فسارع الأزهري بإعلان أن الصحف الاستقلالية تمثل نفسها. وقام الوفد بنشر بيانا تنويريا يوضح فيه مهمته وقد عارض ممثلو حزب الأمة والأحرار البيان التنويري لتعارضه مع المطالب المتفق عليها.

7:موقف حكومة السودان بشأن المستقبل السوداني :

في 15 أبريل 1946م أعلنت حكومة السودان أن هدفها سودان حر مستقل وأن ذلك سيتم عن طريق اقامة دعائم الحكم الذاتي للوصول للاستقلال في النهاية والإسراع بإسناد الوظائف ذات المسئولية الى السودانيين(بعقد مؤتمر مع السودانيين لبحث ذلك)وأكد عدم حسم أي قضية تخص السودان دون اشراك السودانيين.

لم يوافق الرأي العام المصري على هذا الموقف البريطاني.

تبلور موقفان في وفد السودان :احداهما يرى أن لا مفر من ربط قضيتنا بمصر مهما كانت العواقب. الآخر يرى أن المصريين لا يمكن أن يذهبوا معنا الى نهاية الشوط ويريدون فقط استغلالنا دون الارتباط معنا بالتزام محدد.اثر ذلك انتدب ثلاثة من أعضاء الوفد لعرض الموقف على الأحزاب والحصول منها على تفويض بالعمل في اتجاه جديد(ربط قضيتنا بمصر فننادي بالجلاء ووحدة وادي النيل تحت تاج واحد بشرط أن تعطينا مصر موثقا حكومة وشعبا بألا تؤجل قضية السودان وألا توقع أي معاهدة بدون حل القضية السودانية. في السودان رفض حزب الأمة هذا الاتجاه الجديد متمسكا بالوثيقة وقبله حزب القوميين بشرط اعطاء ضمانات مصرية. استبق الأزهري عودة الوفد من الخرطوم وأعلن في 24 أبريل 1946م أن قرار الوفد الذي اتخذه أخيرا لتحقيق مصلحة مصر هو وحدة وادي النيل تحت تاج الفاروق ووحدة الجيش ووحدة التمثيل .وقال أن زملاءه الذين سافروا الى الخرطوم يحملون هذا القرار لتهيئة الأذهان قد نجحوا الى حد كبير.ثم هتف الأزهري بحياة الفاروق ملك مصر والسودان.بعد عودة مندوبيه من الخرطوم عقد الوفد اجتماعا للتداول وقد قرر ممثلي حزب الأمة مسايرة الوفد لمعرفة ضمانات الحكومة المصرية وتقرير الانسحاب حسب هذا الموقف والاستمرار في عضوية الوفد بشكل شخصي بناء على بيان 2 مايو الذي أصدره الحزب مؤكدا أن ممثليه غير مخول لهم تجاوز ميثاق الأحزاب المؤتلفة.على اثر ذلك اتخذ الوفد قرارا بفصل ممثلي حزب الأمة وقد نصح احمد يوسف هاشم الاجتماع بالعدول عن فصل الحزب الذي لم يفعل سوى اعلانه التمسك بالمطالب التي أتى الوفد على أساسها وأخيرا تم الفصل على أساس مخالفة الحزب لأغلبية سياسة الوفد وليس مطالبه. فأصدر المبعدون بيانا مستنكرين فيه المسلك العجيب المخالف لما تقاسم عليه أعضاء الوفد قبيل حضورهم لمصر وما تعرضوا له من ضغوط غيرت بها المواقف والمواثيق.وقد تم لاحقا انسحاب كافة الأحزاب الاستقلالية فصار الوفد مجرد تجمع للأحزاب الاتحادية. وببلوغ نهاية عام 1947م كان الوفد قد تصدع تماما وأعلنت أحزاب وحدة وادي النيل والاتحاديين والاتحاديين الأحرار انسحابهم معلنين أن أعضاء (وفد السودان) المقيمين في القاهرة لا يمثلون الا حزب الأشقاء.

8: بروتكول صدقي/ بيفن:

مرت المفاوضات المصرية البريطانية بشأن تعديل معاهدة 1936م بعدة مراحل حتى الجولة التي أجراها صدقي مع بيفن في لندن في الفترة من 18-25 أكتوبر 1946م. قبل سفره أعلن صدقي أنه سيجلب السيادة على السودان ردا على تصريح بيفن بأنه لا يمكن البت في أمر مستقبل السودان إلا بعد استفتاء السودانيون.

أقلقت تصريحات صدقي دعاة الاستقلال فأبرقوا صدقي وبيفن وأبلغ السيد عبدالرحمن صدقي بأن الشعب السوداني لا يرغب إلا في الاحتفاظ بالسيادة لأهله وإلغاء الحكم الثنائي وقيام حكومة ديمقراطية حرة تقرر فيما بعد علاقتها بمصر وبريطانيا، وأن أي وضع غير هذا لا يقره السودانيون.وفي برقيته الى بيفن أشار الى وعد الحكومة البريطانية بأنه لن يتخذ قرار يتعلق بمستقبل السودان السياسي دون استشارة أهله ويطلب منه بعد تصريح صدقي السابق (الحصول على تأكيد جديد لسيادة بلادنا). وانتدب حزب الأمة عبدالله خليل ويعقوب عثمان للسفر للندن ليكونا قريبين من مسرح المفاوضات ولعرض وجهة نظر الحزب المتمثلة في المطالبة بالاستقلال على الرأي العام العالمي ولدرأ مساومات قد تتم على حساب السودان.كما بعثت الأحزاب الاتحادية بوفد ضم الأزهري والدرديري أحمد اسماعيل ومحمود الفضلي للسفر للندن.

وفي 25 أكتوبر 1946م تم التوقيع بالأحرف الأولى على مشروع معاهدة مساعدة متبادلة وعلى مشروع بروتكول خاص بالسودان ومشروع بروتكول خاص بالجلاء ونص بروتكول السودان على (أن السياسة التي يتعهد الطرفان بإتباعها في السودان في نطاق وحدة مصر والسودان تحت تاج مصر المشترك ستكون أهدافها الأساسية تحقيق رفاهية السودانيين وتنمية مصالحهم وإعدادهم اعدادا فعليا للحكم الذاتي وتبعا لذلك حق اختيار النظام المستقبل للسودان.والى أن يتسنى ذلك تظل اتفاقية 1899م والمادة 11 من اتفاقية 1936م سارية ..الخ) اعتبر صدقي أن في البرتوكول اعتراف بريطاني صريح يأتي للمرة الأولى بسيادة مصر على السودان وأعلن ذلك مسجلا(أن تاج مصر قد ازدان بدرة جديدة،وأن ملك مصر قد عاد الى الحدود التي رسمتها الطبيعة وسجلها التاريخ) بينما وصف أتلي تصريحات صدقي بالمضللة وأن ما جرى هو محادثات تمهيدية لم يتم التفاوض في أي منها بصفة نهائية).

ردود الأفعال على تصريح صدقي:

في السودان ابتهج دعاة الوحدة بالبروتوكول ابتهاجا تحول الى شيء من التحفظ بسبب تصريحات أتلي.

استنكر حزب الأمة تصريح صدقي ووصف البريطانيين بالخيانة وقرر مقاطعة المجلس الاستشاري ومجالس المديريات و البلديات ومؤتمر ادارة السودان الذي كان قد بدأ أعماله في 24 أبريل 1946م.كما أعلن الحزب الجهاد العام وبعث ببرقيتي احتجاج الى صدقي وأتلي احتجاجا على التسليم بسيادة مصر على السودان ووضع السودان تحت التاج المصري.وأن السودانيين لن يرضوا بأن تكون حريتهم ثمنا لمصالح بريطانيا. وسيعمل الحزب على استقلال البلاد وتحريرها من الاستعمار المصري والبريطاني بكل وسيلة مهما تكن وعليكم وحدكم تقع التبعات.وأقام الحزب بداره ليلة سياسية كبرى سير بعدها المظاهرات الاحتجاجية التي هتفت بحياة السودان الحر المستقل.

9:تشكل الجبهة الاستقلالية:

تشكلت بدار حزب الأمة 28 أكتوبر 1946م جبهة استقلالية للعمل على انهاء الحكم الثنائي وقيام حكومة سودانية تتصرف بمحض ارادتها في سيادة السودان وعلاقته بمصر.كما أيدت الجبهة الاستقلالية التي تشكلت دعوة حزب الأمة الى الجهاد العام.ونظمت مسيرة شارك فيها عدد من مؤيدي حزب الأمة القادمين من الأقاليم وقامت بتقديم مذكرة الى الحاكم العام تتضمن احتجاجها على ما أتى بالبروتوكول.كان رد حكومة السودان على المذكرة بأن المفاوضات بشأن السودان ما زالت دائرة ولم يتم البت فيها وتطالبهم فيها بالتزام الهدوء.

ردا على مسيرة دعاة الاستقلال سير دعاة الوحدة مسيرة أخرى لعكس قناعاتهم. استدعت حكومة السودان ممثلي الجانبين(الاستقلالييين والاتحاديين )مبلغة اياهم بضرورة الهدوء والحفاظ على الأمن .أصدر السيد عبدالرحمن بيانا في 3 نوفمبر 1946م دعا فيه الشعب السوداني لتقدير دقة الموقف ومعالجته بروح الاخلاص والتدبر وتجنب توسيع شقة الخلاف وطلب من الوافدين من الأقاليم العودة بلا تأخير ودعا الشعب السوداني لالتزام الهدوء والنظام حتى تنجلي الأمور التي ما تزال غامضة.حكومة السودان برئاسة الحاكم العام أعلنت فشلها في اقناع السودانيين بالمزايا الايجابية لمشروع البروتوكول. فقرر هدلستون(الحاكم العام) العودة الى لندن لإبلاغ الحكومة البريطانية عن الآثار التي ترتبت على تصريحات صدقي خاصة وأن بيان أتلي لمجلس العموم البريطاني في 28 أكتوبر 1946م أخفق في ابطال مفعول ذلك التصريح في مذكرة تسلم لأتلي اشتملت على:

– أن معظم السودانيين لن يقبلوا طواعية بالبروتوكول – الذي يمثل خرقا لكل التعهدات البريطانية- وأن بيان أتلي لم يرض السودانيين- اذا أجيز البروتوكول سوف تحدث استقالات جماعية.

في 8 نوفمبر 1946م أعلن وفد السودان رفضه لمشروع البروتوكول أيضا.

25 نوفمبر 1946م كانت زيارة السيد عبدالرحمن للندن وقبل سفره زار السيد علي الميرغني حرصا على وحدة الصف (وليطمئن على صحته ويودعه ويخبره بأسباب ذهابه الى لندن) دار الحديث عن صحة السيد علي وموقع بيته وجودة هوائه وتاريخه(البيت) وكان واضحا أن السيد علي لم يرد الحديث عن البرتوكول أو أي شيء يخص السياسة متعللا بأن تعليمات أطبائه تمنعه من مباشرة أي عمل جسدي أو فكري لذلك هو غير ملم بما يدور خارج داره.

توجه السيد عبدالرحمن الى لندن وأبرق الى صدقي مبديا رغبته في لقائه بعد العودة من لندن التي سيسرع في زيارتها أولا قبل اشتداد البرد.لم يرد صدقي على البرقية ولم يوفد أحدا لاستقبال السيد عبدالرحمن عند توقفه بالقاهرة.

في لندن رضخت الحكومة البريطانية لاستقبال السيدعبدالرحمن بعد أن كانت مترددة بسبب الحاح هدلستون وتحذيره من عواقب عدم الموافقة على حضور السيد عبدالرحمن للندن على الأقل كسبا للوقت ان لم يكن كسبه.وشبه هذا بطلب زغلول في 1919 والذي خولفت فيه توصية الحاكم العام على مصر حينها فكانت النتيجة ثورة عارمة أصبح ونجت كبش الفداء فيها.

في 28نوفمبر 1946م استقبل أتلي السيد عبدالرحمن في مقره الرسمي(10 داوننج استريت) حيث استهل السيد عبدالرحمن حديثه لأتلي قائلا (أن السودان يتطلع لوضعه كما كان حرا ذا سيادة مشيرا الى اشتراك السودانيين في الحرب لنصرة الحرية والديمقراطية وأنهم وثقوا في العهود التي أعطيت لهم بشأن الحكم الذاتي وأن التصريح الذي أدلى به صدقي تسبب في احداث اضطرابات في السودان وقد فهم منه ومن خطاب العرش أن مصر لا توافق على استقلال السودان الكامل بل الاكتفاء بالحكم الذاتي وهو ما يناقض حتى تصريحات بيفن وما أكده الحاكم العام في المجلس الاستشاري لشمال السودان .وذكر السيد عبدالرحمن أن السيادة المصرية على السودان تتعارض مع أماني السودانيين ولا يرى لها سندا قانونيا وبعد أن تحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها بما ورد في ميثاق الأطلنطي وميثاق سانفرانسسكو حذر من أي عمل يتم دون استشارة السودانيين بالطرق الدستورية بما سيؤثر مباشرة على الأمن الداخلي و يحول الصداقة القائمة مع بريطانيا الى عداء وأوضح أنهم ليست لهم عداوة مع مصر والشعب المصري وأكد أن الشعب السوداني الحر المستقل سيتعاون مع مصر المستقلة في تفاهم وحسن جوار وهو ما سبق أن أكده لمصر لكنها لم تسمعه وآثرت البقاء في السودان بمساعدة الحراب الانجليزية. ثم عاد وذكر محدثه بعدم تصديقه بأن بريطانيا وهي في طليعة الدول المكونة لهيئة الأمم المتحدة ستساعد مصر على سلب حرية شعب كالشعب السوداني.وفي نهاية المقابلة أكد أتلي حق السودانيين في تقرير مصيرهم ولكنه رهن ذلك بمقدار وسرعة التقدم .

تصريح صدقي وبيان أتلي كشف عن تناقض مصري بريطاني في وجهات النظر بشأن تفسير البروتوكول.ولذلك رأى بيفن(وزير الخارجية) أن يتفق مع صدقي على تفسير يتفقان عليه قبل عرضه على مجلس العموم البريطاني مرفقا تفسيره لمشروع البروتوكول والذي اعترض عليه صدقي بحجة مناقضته للاتفاق وللروح التي أملته وطلبت الحكومة المصرية من بيفن أن يقدم المشروع للوزرة دون اضافة أو تعديل .

طلب هدلستون من أتلي كتابا ليعرضه على السودانيين يقر صراحة بحق الشعب السوداني في الانفصال عن التاج المصري اذا رغب في ذلك.عند عودته أصدر الحاكم العام بيانا في 7ديسمبر فيه أن أتلي أذن له كتابة أن يؤكد للسودانيين أن الحكومة البريطانية مصممة على عدم السماح بأي شيء من شأنه أن يحرف حكومة السودان عن مهمة اعداد السودانيين للحكم الذاتي وحرية اختيارهم للوضع الذي يريدون.طالبا من الجميع التعاون معه ،على تحقيق الأهداف المرجوة ونبذ الخلافات.رأت مصر في بيان الحاكم العام تشجيعا مباشرا للانفصال.واعترضت عليه واعتبرته على لسان النقراشي عملا عدائيا لمصر.حاول النقراشي بالتفاوض مع رولاند كامبل(السفير البريطاني) انقاذ البروتكول ولكنه أخفق فقرر مجلس الوزراء المصري في 25 يناير 1947م قطع المفاوضات وعرض القضية على مجلس الأمن.وأعلن هذا على مجلس النواب المصري .

10:رفع المسألة السودانية لمجلس الأمن

أعلن (وفد السودان) موافقته على قرار حكومة النقراشي بعرض قضية وادي النيل على العدالة الدولية.وأعلنت الجبهة الاستقلالية في الأسبوع الأول من فبراير 1947م أنها تعد قطع المفاوضات الخطوة الأولى في نجاح الدعوة الاستقلالية.ورحبت برفع القضية لهيئة الأمم المتحدة(لأننا واثقون من عدالة مطلبنا،فليس في الوجود الآن من يطلب لبلاده غير الاستقلال وليس في العالم من يعمل على فرض سيادة أجنبية على وطنه وأهله).كما أعلنت اعتزامها على المطالبة بإنهاء الحكم الثنائي وعبرت عن رفضها لمنطق أن السودان لم ينضج بعد لممارسة حق تقرير المصير .

11:توصيات مؤتمر ادارة السودان:

تم تشكيله في 22 أبريل 1946م بمشاركة أحزاب الأمة والأحرار والقوميين بينما قاطعته الأحزاب الاتحادية ومؤتمر الخريجين الذي يسيطر عليه الأشقاء وبررت النيل اشتراك حزب الأمة باعتراف الحاكم العام بالاستقلال مقدرا له مدة تقريبية وعلى أساس ذلك عين هذا المؤتمر وأكثريته من السودانيين لوضع الأسس التي يتم بها تسلم شؤون حكومتهم أي تحديد المدة المعقولة للاستقلال اضافة لأن فكرة المؤتمر (لا تضر مساعينا الوطنية لأننا لن ندخل المؤتمر وقد ألقينا أهدافنا أو سوفنا فيها أو نكصنا عنها بل يكون دخولنا سندا لتلك الأهداف)(النيل 1مايو 1946م). واقترح حزب الأمة أن يطلق على المؤتمر اسم (مؤتمر استقلال السودان) وتكون مهمته وضع الخطط لنيل الاستقلال في أقرب وقت.كما نبه لضرورة توسيع صلاحيات المجلس الاستشاري لشمال السودان. وكانت توصياته للنظر في اشراك السودانيين بصورة أوسع وتمثيل السودانيين في لجان الحكومة المركزية ومجالسها معتبرا المجلس الاستشاري الخطوة الأولى نحو الحكم الذاتي المسئول منتقدا محدودية صلاحياته وقصوره على الشمال دون الجنوب كما أوصى بالتخلي عن السياسة الجنوبية(سياسة المناطق المقفولة). في يونيو 1947م عرضت توصيات مؤتمر ادارة السودان على مؤتمر عقد بجوبا وانتهى المؤتمر الى أن الجنوب يرغب في سودان موحد ويرغب كذلك في المشاركة في الجمعية التشريعية وقد لعب محمد صالح الشنقيطي دورا كبيرا في ازالة شكوك الجنوبيين ازاء نوايا الشمال .في 20 مايو 1947م أجاز المجلس الاستشاري توصيات مؤتمر ادارة السودان وطلب من الحكومة أن تعد تشريعا وفقا لهذه التوصيات في أقرب وقت ممكن. أجاز الحاكم العام التوصيات من حيث المبدأ وقرر أن ترفع الى الحكومتين المصرية والبريطانية للنظر فيها.وكان من بين التوصيات المجازة أن تقوم الجمعية التشريعية بالتشريع للسودان كله شماله وجنوبه.

في 11 يوليو 1947م قدمت العريضة المصرية لمجلس الأمن( حكومة النقراشي) والتي جاء فيها وجوب اجلاء القوات البريطانية عن مصر والسودان جلاء كاملا وإنهاء النظام الاداري الحالي في السودان. اعتبر النحاس أن شكوى الحكومة المصرية لمجلس الأمن لا تعبر عن مطالب الشعب المصري والتي تتلخص في الجلاء عن وادي النيل والاعتراف بوحدة وادي النيل.هنأ الأزهري وبعض أعضاء وفد السودان النقراشي على تقديم عريضة الدعوى.وأكد حزب الأمة أن ليس ثمة سوداني يرفض الجلاء وإلغاء الحكم الثنائي ولكنه يأخذ على العريضة المصرية خلوها من أي اشارة الى استقلال السودان أو حقه في تقرير المصير .في السودان بدأت محاولات ليقول السودانيون كلمتهم لمجلس الأمن كتلة واحدة فالتقى مندوبون عن الجبهة الاستقلالية والوطنية وبينما قبل الاستقلاليون بمقترح اللجنة كاملا رفضته الجبهة الوطنية . بعد اخفاق المحاولة بعثت الجبهة الوطنية برقيتها لمجلس الأمن تعبر عن رضاها عن عريضة النقراشي. أبرقت الجبهة الاستقلالية مجلس الأمن مطالبة بإنهاء الحكم الثنائي فورا وباستقلال السودان عن مصر وبريطانيا مناشدة الأمم المتحدة الالتزام بمبادئها.طرح النقراشي في خطابه لمجلس الأمن وجهة النظر المصرية في المسألة السودانية والتي لاقت استحسانا وتأييدا من وفد السودان بينما اعتبرت الجبهة الاستقلالية أن الذي أتى في خطاب النقراشي به تشويه مقصود لحقائق التاريخ والجغرافية ورد كادوقان(المندوب البريطاني لمجلس الأمن) بمطالبة شطب دعوى مصر ودحض ما ادعته مصر من أساسات الوحدة في نظرها . من السودان قصدت الوفود اجتماع الأمم المتحدة وانتدبت حكومة السودان مندوبين الى نيويورك للاستعانة بهم في المعلومات بشأن السودان. قررت الجبهة الاستقلالية ارسال مندوبين عنها للمطالبة بإنهاء الحكم الثنائي واستقلال السودان عن مصر وبريطانيا وكذلك فعل وفد السودان لعكس وجهة النظر الاتحادية والتقى الوفد الاستقلالي النقراشي وعقد معه محادثات غير رسمية وقدم أعضاؤه مذكرة لمجلس الأمن تصحح حقائق التاريخ والجغرافية التي شوهها النقراشي .حاولت جماعة من الخريجين(جماعة الجريف) التوفيق بين وجهتي النظر الاستقلالية والاتحادية ليتم عرض قضية السودان موحدة لمجلس الأمن ولكن رفض الجبهة الوطنية للجلوس للمفاوضات أنهاها قبل أن تبدأ.تركت القضية معلقة في مجلس الأمن ورأى كل طرف أن طرح القضية حقق له نجاحات .بعد انتهاء مناقشات مجلس الأمن أصدرت حكومة السودان بيانا حددت فيه واجباتها والتي أوجزتها في: التعجيل في تنفيذ توصيات مؤتمر السودان- عدم السماح بالتهاون في سياسة حكومة السودان المتعلقة بالسودنة والمحافظة على الأمن العام .

في 25 نوفمبر بعثت الحكومة المصرية بنتيجة دراستها لتوصيات مؤتمر ادارة السودان وبادخالها لتعديلات جوهرية لن توافق بدونها على التوصيات ومن مآخذ الحكومة المصرية على تلك التوصيات:عدم تحقيقها الغرض الذي قصدت اليه أي اشراك السودانيين في الحكومة المركزية والسلطات الضيقة التي منحها النظام المقترح للجمعية التشريعية وطالبت بتقييد السلطات الواسعة الممنوحة للحاكم العام وأن يكون للسودانيين نصيب في المناصب الرئيسية في المجلس التنفيذي وكل المناصب الأخرى في حكومة السودان من أجل التدريب لتكون لهم كل المناصب بعد الثلاث سنوات المحددة للتجربة ونبهت على تغييب الحكومة المصرية من المسئولية في التدريب وأشارت الى افتقادها للحريات الدستورية ولأحزاب ومؤتمر الخريجين .قدمت حكومة السودان دفوعاتها على الرد المصري. رحبت الجبهة الاستقلالية بمذكرة حكومة النقراشي بما يدلل على اتجاه مصري جديد لاعتراف مصري بكيان منفصل للسودان وحق السودانيين في حكم بلادهم.أعلن وفد السودان رفضه الكامل لتوصيات مؤتمر السودان ولو جاءت مبرأة من كل عيب .بعدها بقليل بدأ الخلاف يدب في صفوف وفد السودان اثر اشاعة بتلقي البعض لتصاريح تموين مقابل سندهم لسياسات حكومة النقراشي ازاء السودان وبالنتيجة انسحبت كل الأحزاب الأخرى وصار الوفد مجرد واجهة للأشقاء .كان رفض حزب وحدة وادي النيل وحزب الاتحاديين صريحا في رفض مذكرة وخطاب النقراشي لاقرارهما بين الثنايا بالحكم الثنائي البغيض ولإغفالهما لوحدة وادي النيل .

أما الأزهري فقد كان موقفه غامضا بين التهنئة والقبول ثم الرفض والإنكار.وأعلن حزب الأشقاء مقاطعة الجمعية التشريعية من حيث المبدأ.

في 17 فبراير 1948م تسلمت الحكومة المصرية مشروع قانون المجلس التنفيذي والجمعية التشريعية فرفضت التصديق عليهما بسبب الخلاف حول مسألة اشتراك مصر في اعداد السودانيين لتولي شؤونهم وتمثيلها في المجلس التنفيذي وإزاء اصرار الحكومة البريطانية وحكومة السودان على تطبيق القانون اقترح الأزهري بصفته رئيسا للوفد اقتراحين:- أن تسارع مصر بوضع دستور ونظام لحكم السودان الداخلي في نطاق الوحدة وتحت التاج المشترك.- أن يعمل أنصار الوحدة على تبصير الشعب .بالرغم من رفض الحكومة المصرية لمشروع قانون المجلس التنفيذي والجمعية التشريعية إلا أن مجلس الحاكم العام أجازه فانتقدت الحكومة المصرية هذا العمل .

12: الاستقلاليون والاتحاديون بين التعامل مع مؤسسات الحكم المتدرجة ورفضها

قبلت الجبهة الاستقلالية تلك المؤسسات وأعلنت تأييدها ووصفته بالحدث التاريخي الأهم في نصف القرن الأخير والمجلس التنفيذي والجمعية التشريعية ما هما الا مرحلة في سبيل تحقيق الاستقلال.

في الجانب الآخر،توالت اجتماعات الوسطاء لجمع الأحزاب الاتحادية فتكونت جبهة الكفاح التي رفضت التعامل مع مؤسسات الحكم المتدرجة وأقامت الليالي السياسية وسيرت المواكب والمظاهرات في العاصمة والمدن الرئيسية ودعت الجبهة للإضراب العام والتظاهر.بعض أقطاب الختمية سجلوا اعتبارهم للجمعية التشريعية خطوة الى الأمام مقترحين بعض المقترحات بشأن سلطات الجمعية .

في أبريل 1950 أعلن عن قيام تحالف بين حزب الاتحاديين والأشقاء الأحرار ونفر من المستقلين الأحرار أطلق عليه (الجبهة الوطنية) وتعرض هذا التحالف لهجوم عنيف من حزب الأشقاء.

عاد حزب الوفد المصري الى السلطة بعد فوزه بانتخابات يناير 1950 ووعد حال تشكل حكومته برئاسة النحاس ببذل(أصدق الجهود وأقصاها ليتم الجلاء العاجل عن أرض الوادي بشطريه وتصان وحدته تحت التاج المصري من كل عبث واعتداء) لانجاز وعدها ، دخلت الحكومة المصرية في مباحثات مع الحكومة البريطانية بشأن الجلاء .وبدأت جولة مفاوضات في 26 أغسطس 1950م بين السفير البريطاني في القاهرة ووزير خارجية مصر وفي خطابه للعرش في 16 نوفمبر 1950 أعلن انتهاء صلاحية 1936م والجلاء الشامل ووحدة السودان ومصر تحت التاج المصري.رحب الأزهري بخطاب العرش وكذلك حزب الأمة ولكنه استنكر وضع السودان تحت التاج المصري معتبرا ذلك لون من ألوان الاستعمار وتناول قادة حزب الأمة موضوع الخطاب وتسائل عبدالرحمن علي طه ان كان سبيل مصر لتحقيق أهدافها الحرب (وقد جربتنا مصر قبل ذلك:عجمت عودنا وغمزت قناتنا ،فهل لانت قناتنا لغامز؟) استاءت حكومة الوفد من أحاديث قادة حزب الأمة معتبرة اياها اعلان حرب ضد مصر .

13:اقتراح الحكم الذاتي:

لإفشال مشروع حكومة الوفد بفرض التاج المصري على السودان استقر الرأي على المطالبة في الجمعية التشريعية بالحكم الذاتي فورا.تم التمهيد لذلك بمذكرة رفعها الصديق المهدي (رئيس الحزب) وأحمد عثمان القاضي الى جيمس روبرتسون(الحاكم العام) لتقديمها لدولتي الحكم الثنائي لتخليص البلاد من الاعتداء على حقها في الاستقلال ولأن السودان بلغ درجة تؤهله لحكم نفسه.

نقل الأزهري وجهة نظره في مطلب الحكم الذاتي ورأيه في الجمعية التشريعية الى النحاس وبيفن.

أبرق النحاس للحاكم العام بتاريخ 13 ديسمبر 1950م مطالبا بوقف مناقشة اقتراح الحكم الذاتي وأردف ذلك بحث بيفن لإصدار تعليمات للحاكم العام بعدم المضي في مناقشة الاقتراح في الجمعية.وأوضح بيفن أن الحاكم العام لم يتجاوز سلطاته بموافقته على المناقشة بما لا يمكن تقديره إلا للشخص في مسرح الأحداث ولكنه طلب من الحاكم العام عدم اتخاذ أي عمل في الخرطوم يحتمل أن يثير جدلا بين الحكومتين البريطانية والمصرية.

سبب اقتراح الحكم الذاتي حرجا شديدا لحكومة السودان خاصة والمباحثات بين مصر وبريطانيا مستمرة ولذلك طلب من قادة حزب الأمة سحب الاقتراح ثم سعى الى تأجيل المداولة فيه وأخيرا عمل على اسقاطه مستخدما زعماء العشائر والجنوبيين.

قدم محمد حاج الأمين اقتراحه في 13 ديسمبر 1950م موضحا أن قبولهم الجمعية التشريعية كان خطوة أولية نحو الحكم الذاتي ومن ثم الاستقلال الكامل وأن الجمعية التشريعية والمجلس التنفيذي يدلان على مدى سنتين من عمرهما على استعداد السودانيين لحكم بلادهم.وفند عبدالله خليل الاتهامات التي استخدمت لاستقطاب زعماء العشائر والجنوبيين موضحا أن الهدف من الاقتراح هو اعلان الحكم الذاتي في نهاية عام 1952م (نهاية دورة الجمعية)لتكون الانتخابات القادمة على أساس الحكم الذاتي.فاز اقتراح الحكم الذاتي ب 39 صوتا مقابل 38 صوتا فكان أن قدم رئيس الجمعية التشريعية(الشنقيطي) وزعيمها(عبدالله خليل)قرار الجمعية بشأن الحكم الذاتي الى الحاكم العام ليرفعه لدولتي الحكم الثنائي.

14: نتائج حققها اقتراح الحكم الذاتي

أ-مقترح السكرتير الاداري بتعديلات قانون المجلس والجمعية :

في أبريل 1950 طرح السكرتير الاداري على الجمعية التشريعية مقترحا بتعديلات لقانون المجلس التنفيذي والجمعية التشريعية لعام 1948م بغرض توسيع دائرة المشاركة وزيادة عدد الدوائر ولتقليص المخاطر التي (تنطوي على اعتماد حكومة السودان في تأييد سياستها على السيد عبدالرحمن وحده) وتم تشكيل لجنة تعديل الدستور.

ب- تصدع تحالف الجبهة الوطنية:

أدى قبول بعض أقطاب الختمية الاشتراك في لجنة تعديل الدستور لتصدع تحالف الجبهة الوطنية.وقد أكد الأشقاء مقاطعتهم للجمعية معدلة أو غير معدلة.

في يوليو 1950 أثار انقسام حزب الأشقاء قلق حكومة الوفد بما دعا النحاس للتوسط الذي لم يكلل بالنجاح وترجع أسباب الانقسام لعدة أسباب منها الشخصي والتنظيمي والإداري ولكن أهمها هو الاختلاف في تفسير معنى الاتحاد مع مصر .

ج-فشل جولة المباحثات المصرية البريطانية:

انتهت جولة المباحثات المصرية البريطانية الى الفشل لتباين وتناقض الموقفين ولكن طلب بريطانيا أن تمهل لتقديم مشروعا جديدا لعلاج مسألة دفاع السودان هو ما منع محمد صلاح الدين(وزير الخارجية المصري) من الانسحاب بعد بيان موريسون(وزير الخارجية البريطاني) الذي ألقاه في مجلس العموم بتاريخ 6 يوليو 1951م بقوله(أن شعب السودان خطا خطوات تؤهله لأن يكون قومية منظمة تعتمد على نفسها).

15- دخول امريكا لتسوية الخلاف المصري البريطاني بمقترح لإرضاء مصر حرصا على مشروع دفاع الشرق الأوسط

إزاء الخلافات البريطانية المصرية اقترحت وزارة الخارجية الأمريكية تكليف السفيرين الأمريكي والبريطاني بإعداد تقييم مشترك عن الشعور العام في مصر بشأن الوجود العسكري البريطاني ومسألة السودان لأن أمريكا كانت تخشى أن يؤدي الغاء معاهدتي 1899م و1936م الى انهيار العلاقات المصرية –البريطانية وحدوث اضطرابات في مصر بما يعرض المشروع الغربي للدفاع عن الشرق الأوسط للخطر. قدم السفيران ما توصلا اليه ومن ضمنه الاعتراف علنا بالوضع الدستوري والقانوني للتاج المصري فيما يتصل بالسودان.اعترضت حكومة السودان على ذلك المقترح محذرة من اضطرابات لا يمكن السيطرة عليها وحذر كذلك من أن الغاء المعاهدة سيجعل السودانيون يعتبرون أنهم غير ملزمين بها وسيطالبون بالاستقلال فورا وسيكون من العسير منعهم.

16-إلغاء اتفاقيتي 1936 و1899

في 8 أكتوبر 1951م أعلن النحاس الغاء معاهدة 1936م واتفاقيتي 1899م .

كان موقف الأحزاب الاتحادية مؤيدا لإلغاء الاتفاقية وكذلك موقف حزب الأمة ولكنه رفض الحكم الذاتي المشوه المبتور واعتبره استعمارا سافرا وبعث الحزب برقيات الى رئيس مجلس الأمن ورئيس وزراء مصر ووزير خارجية بريطانيا (أنه بإلغاء معاهدة 1936م واتفاقيتي 1899م فان السودان قد استرد سيادته وأن حزب الأمة لا يرضى بغير حكومة سودانية مستقلة.وبعد أن صدر في 15 اكتوبر 1951م قانون انهاء العمل بأحكام المعاهدة والاتفاقيتين أعلن حزب الأمة للشعب السوداني وللعالم أن ادارة السودان الحالية قد أصبحت دون سند قانوني.والتي ستكون فترتها القادمة بمثابة فترة انتقال لتقرير المصير.وأعلن الحزب أنه أعد مشروعا يمكن السودانيين من اعلان سيادتهم بواسطة هيئة شعبية منتخبة وأنه على اتصال بالهيئات والأحزاب للاتفاق على رأي موحد.

وأوضح الحاكم العام عدم اعترافه بالإلغاء من جانب واحد وأنه بعد نشر تقرير لجنة تعديل الدستور وبعد أن يتعرف على رغبات الشعب السوداني بشأن التقرير سوف يتمكن من التوصية بتاريخ محدد لبلوغ الشعب السوداني الحكم الذاتي.نيابة عن حزب الأمة اعتبر عبدالله خليل أن بيان الحاكم العام غير كاف ويعوزه القطع والتحديد.ازاء ذلك أضطر الحاكم العام لأن يصدر بيانا تفسيريا في 15 اكتوبر 1951م ذكر فيه أن تحديد التاريخ مرهون بنشر التقرير تجري على أساسه انتخابات الجمعية الجديدة بأسرع وقت ممكن عام 1953م وكان موقف الحكومة البريطانية مؤيدا لحكومة السودان.

في 13 اكتوبر1951م قدمت بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا مقترحات للحكومة المصرية لإنشاء قيادة متحالفة للدفاع عن الشرق الأوسط ضد العدوان الخارجي.وقد دعيت مصر للاشتراك كعضو مؤسس وعلى قدم المساواة مع الدول الأربع.

في 13 اكتوبر 1951م قدم السفير البريطاني مقترحات جديدة بشأن السودان اعتبرتها أمريكا غير كافية لضمان مشاركة مصر في مشروع الشرق الأوسط للدفاع وأوضحت للحكومة المصرية معرفتها بها من باب العلم وأيدت وجهة النظر البريطانية القائلة بأن مسألتي الدفاع والسودان منفصلتان.

رفضت الحكومة المصرية المقترحات البريطانية جملة وتفصيلا في 14 اكتوبر1951م.

في نهاية اكتوبر أعلنت الأحزاب الاتحادية توصلها لنقطة التقاء وعرضت على الأحزاب الأخرى نقطة تصلح أساسا لاتفاق الجميع.

في 20 نوفمبر 1951م أعلن حزب الأمة وجهة نظر مفصلة في دعوات الائتلاف التي طرحت في ذلك الوقت مذكرا بأن هدفه هو استقلال السودان التام بكل حدوده الجغرافية وأن وسائله لتحقيق ذلك الهدف هي:

– الاشتراك في الجمعية التشريعية والمجلس التنفيذي كخطوة أولى.

– التقدم باقتراح الحكم الذاتي.

– اعلان مقاطعة الانتخابات القادمة اذا لم تقم على أساس الحكم الذاتي الكامل.

– الائتلاف مع الأحزاب والهيئات المستقلة الممثلة لأغلب وجهات النظر السودانية في لجنة الدستور حتى يقوم الحكم الذاتي الكامل في 1952م ويقرر السودان مصيره قبل 1953م.

في 16 نوفمبر 1951م أعلن وزير خارجية مصر من منبر الأمم المتحدة في باريس قبول الاستفتاء لتقرير مصير السودان.أعلنت الأحزاب الاتحادية موافقتها على الاستفتاء وكذلك فعل حزب الأمة ولكنه شكك في امكانية ذلك مع استمرار سريان المراسيم التي أصدرتها الحكومة المصرية بشأن السودان وأوفد وفدا لباريس للدعاية للسودان والترويج للفكرة الاستقلالية أمام وفود الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وقد أصدرت جميع وفود الأحزاب التي تتابع اجتماعات الجمعية في باريس بيانا في 12 ديسمبر 1951م أعلنت فيه قبول الاستفتاء لأنه سيحفظ لسودان سيادته كاملة ويسمح بتقرير مصيره بالطرق الديمقراطية العادلة.ليكون الاستفتاء على الاستقلال التام أو الاتحاد مع مصر ،الا أن اقتراح محمد صلاح انتهى الى لا شيء لأنه كان مبادرة شخصية بدون موافقة حكومته وقد اعتبرته الحكومة البريطانية مناورة دعائية.

17-حزب الأمة يرفض قبول التاج المصري الرمزي ويتوعد بالمقاومة

في 13 يناير وصلت الى السودان بعثة أمريكية (بعثة استبلر) لاستطلاع وجهة نظر قادة السودان وإدارته البريطانية بشأن مسألة قبول التاج المصري الرمزي خلال الفترة الانتقالية التي تسبق تقرير المصير فالجانب الأمريكي يرى ضرورة استرضاء مصر لضمان مشاركتها في مشروع الشرق الأوسط. وقد تزايد الضغط الأمريكي بعد حريق القاهرة في 26 يناير 1952م وقد شارك استبلر في اجتماع باريس الذي عقد بين وزيري الخارجية الأمريكي والبريطاني(ايدن وأشيسون) في 26 مايو 1952م حيث تركز النقاش بصفة رئيسية حول مسألة قبول السودانيون للقب الملك وأهمية ذلك لتسوية مسألة الدفاع مع مصر.وقد عبر كافري (السفير الأمريكي) في القاهرة في نوفمبر 1952م عن تبرمه من اهتمام حكومة السودان بمصير عشرة مليون من الزنوج أكثر من اهتمامها بالخطط الغربية للدفاع عن الشرق الأوسط.

بعد اقالة حكومة الوفد في 27 يناير 1952م كلف علي ماهر بتشكيل الوزارة ولكنه استقال وخلفه أحمد نجيب الهلالي في أول مارس 1952م أعرب الهلالي عن رغبته في مواصلة المباحثات مع بريطانيا بشرط الوصول لصيغة مرضية فيما يختص بمسألة السودان تتضمن اسناد لقب (ملك مصر والسودان) لفاروق.

وفي مايو 1952م تقدمت الحكومة البريطانية بصيغة جديدة لتجاوز عقبة السودان تتعلق بإسناد لقب الملك اذا أمكن الوصول لحل مرضي للسودانيين.وأن هذه الصيغة هي أقصى ما تستطيع تقديمه بريطانيا لعدم استعدادها للتخلي عن تعهداتها ليس فقط من أجل السودانيين ولكن أيضا بسبب الرأي العام فيها الذي لن يقبل أي تغيير في السياسة البريطانية تجاه السودان. وفي تقريره لوزارة الخارجية البريطانية عن رد الفعل على الصيغة البريطانية الجديدة قال الحاكم العام أن رد فعل أعضاء المجلس التنفيذي اتسم بالحذر والريبة وأن من ينتمون الى حزب الأمة أعلنوا أن مسألة لقب ملك ينبغي أن يقررها السودانيون ولا أحد غيرهم. وأعلنوا رفضهم للسيادة الرمزية في الفترة التي تسبق تقرير المصير أو بعدها.

وكان عبدالله خليل قد بعث في 22 أبريل 1952م برقية الى وزير الخارجية البريطانية بوصفه سكرتيرا لحزب الأمة يخبره فيها بثقتهم الكاملة في الوعود البريطانية المتكررة وعدم استعمال السودان نقطة مساومة في فض النزاع الانجليزي-المصري وأخبره أن محاولة مصر لفرض تاجها على السودان ( سوف تقاوم بعنف).

في 8 مايو 1952م عرض الحاكم العام مشروع الحكم الذاتي على الجمعية التشريعية لإجازته ورفعه لدولتي الحكم الثنائي وقد رفض الضغوط التي رمت الى تأجيل ذلك خوفا من عواقب وخيمة خاصة وأن تقاريرا صحفية عديدة تحدثت عن تراجع الحكومة البريطانية أمام الضغوط المصرية.وقد أفلح السفير البريطاني في اقناع الهلالي بأن ذلك(عرض مشروع الحكم الذاتي) لا يعدو أن يكون مسألة اجرائية حتى لا يؤثر على المحادثات المصرية البريطانية.

18-مصر تحاور الحركة الاستقلالية:

أيقن الهلالي أن لا سبيل لتجاوز عقبة السودان إلا بالحوار المباشر مع الحركة الاستقلالية ومحاولة اقناعها بقبول التاج الرمزي خلال الفترة الانتقالية والقضاء بذلك على حجج بريطانيا بشأن استشارة السودانيين. في النصف الأول من مايو 1952م قدم الهلالي دعوة للسيد عبدالرحمن أو من ينوب عنه لزيارة القاهرة للتباحث حول مستقبل السودان السياسي وعلاقته بمصر.حرص السيد عبدالرحمن على ابلاغ حكومة السودان بدعوة الهلالي خوفا من أن تستغل الحكومة البريطانية وحكومة السودان الدعوة ذريعة للتنصل عن التعهدات التي قطعت للاستقلاليين بشأن التطور نحو الحكم الذاتي وتقرير المصير وعدم البت في الشأن السوداني دون استشارة أهله.وعندما استقر رأي السيد عبدالرحمن بارسال وفد بدلا عنه أخبر حكومة السودان بأن الوفد سيسافر على أساس تعليمات محددة هي – الغاء مراسيم النحاس- قبول الحكومة المصرية التعاون من أجل اقرار الحكم الذاتي- اعتراف مصر بحق السودانيين بتقرير مصيرهم .ودون هذه الشروط ليس ثمة داع للسفر للقاهرة وضّمن هذا في رسالة حملت لمصر.قابل السيد عبدالرحمن الحاكم العام قبل سفره لإجازته السنوية وأبلغه بوجهة النظر الاستقلالية الي سيحملها الوفد وأبدى له قلقه من محاولات الضغط الأمريكية والتي تبينت له عند مقابلة هوسكنز( مستشار شؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية وقد زار السودان خلال شهر مايو 1952م) الذي حاول اقناعه بفكرة قبول التاج ولكنه رفض ذلك وطلب من هوسكنز اقناع الحكومة المصرية بالموافقة على الاجراءات الدستورية في السودان ويترك للبرلمان السوداني البت في المطالب المصرية.

وعلى الرغم من عدم تلقي اجابة بشأن الشروط لحكومة الهلالي لسفر الوفد فقد قرر السيد عبدالرحمن أن يسافر الوفد ليسمع المصريين وجهة النظر الاستقلالية ويسمع منهم دون تفويض أكثر من ذلك.أصدر الوفد بيانا بمهمته التي تلخصت في عرض وجهة النظر الاستقلالية وحمل مقترحات الهلالي التي سترفع للسيد عبدالرحمن لتدرس ويبت بشأنها. وقد نوقشت المقترحات من قبل الفصائل الاستقلالية ورفضت مسألة التاج واستقر الرأي للتقدم للهلالي باقتراح لإيجاد علاقة قانونية بين مصر والسودان في الفترة الانتقالية التي تسبق تقرير المصير.وقبل تمكنها من الرد على مقترحات الاستقلاليين استقالت حكومة الهلالي وخلفتها حكومة جديدة برئاسة حسين سري.

في 8 مايو 1952 اتصل وزير الداخلية المصري بالسيد عبدالرحمن وأبلغه دعوة رسمية لزيارة مصر وقد رأى الاستجابة للدعوة وتقديم وفد ليوجز للحكومة الجديدة مباحثات الاستقلاليين مع الهلالي وردهم على مقترحاته بخصوص مسألة التاج الرمزي ورفضهم لها واقتراح احياء اللجنة الثلاثية ( لجنة تتكون من السودانيين والمصريين والبريطانيين لتعمل مع الحاكم العام أثناء الفترة الانتقالية).حدد يوم 26 يوليو للزيارة ولكن حسين سري استقال في 22 يوليو وخلفه الهلالي الذي لم يبق أكثر من 18 ساعة لاستيلاء الجيش على السلطة في 23 يوليو 1952م.

19- ثورة يوليو على الخط:ثورة يوليو تفتح الطريق لاتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير:

بدأت ثورة 23 يوليو تحولا مهما في السياسة المصرية باتجاه السودان فأسقطت المطالبة بالسيادة على السودان وقبلت الفصل بين مسألتي الدفاع والسودان واعترفت بحق الشعب السوداني في تقريره مصيره: استقلالا كاملا أو ارتباطا مع مصر ووافقت على مشروع قانون الحكم الذاتي. ولكنها لم تسقط شعار وحدة وادي النيل أو تسلم بفصل السودان عن مصر وانما راهنت على قدرتها على التأثير على مجريات الأمور.

20-الامام عبدالرحمن يلتقي بايدن في لندن

سافر السيد عبدالرحمن الى لندن وفي 11 اكتوبر التقى بانتوني أيدن بمقر وزارة الخارجية البريطانية وقد ذكر له أنه حضر لهذا اللقاء بصفته الشخصية وتعرض لأن اهتمامه الرئيس ينحصر في قيام حكومة مستقرة في السودان لتنهض به ووصف الحكم الثنائي بالوضع الشاذ كما تعرض لزيارته السابقة للندن ومقابلة أتلي وللفترة الطويلة التي تعاون فيها مع حكومة السودان للنهوض بالتطورات الدستورية التي ارتضاها سبيلا لتحقيق الاستقلال وطلب السيد عبدالرحمن المسارعة بإجراء الانتخابات وأن تكون مباشرة في كافة شمال السودان ليكون البرلمان تمثيليا، مقترحا شهر نوفمبر 1952م للانتخابات وخلص أيدن الى أن زيارة السيد عبدالرحمن للندن والقاهرة ستساعد مساعدة كبيرة، كما اجتمع ايدن بممثلي الجبهة الوطنية السودانية الذين أتوا لمقابلته في لندن مطالبين بأن يتم تقرير مصير السودان عن طريق استفتاء على السودان المستقل أو المتحد مع مصر تحت التاج المصري وذكروا في حديث طويل بعض منه رأيهم (أنه ليس من العدل أن يقوم البريطانيون بإحداث التطور الدستوري في السودان بدون المشاركة الكاملة للسودانيين أو المصريين). وقد لاحظ أيدن أن وفد الجبهة الوطنية يطلب منه الرجوع عن العمل الضخم والشاق الذي تم انجازه وقد وعد الوفد بالنظر في الآراء التي طرحها الوفد ابان الاجتماع ولكنه أبلغه بأنه لا يعد بأنه سوف يغير وجهة نظره.

21- الاستقلاليون يفاوضون حكومة ثورة 23 يوليو:

قبل وصول السيد عبدالرحمن للندن سبقه وفد المفاوضات التمهيدية الى القاهرة (عبدالله الفاضل المهدي،محمد صالح الشنقيطي ،محمد أحمد محجوب، وأحمد يوسف هاشم اضافة لعبدالرحمن علي طه بعد قدومه من لندن) بسط الاستقلاليون وجهة نظرهم وخلوص

نواياهم تجاه مصر محذرين بأن أية محاولة من جانب مصر لتأجيل تنفيذ مشروع الحكم الذاتي سينظر اليها السودانيون بعين السخط وسيعتبرونها عداء وبناء على ذلك طرحت الحكومة المصرية في 21أكتوبر نقاطا قبلوها كأساس للمفاوضات وهي:

– الهدف:تقرير المصير في حرية تامة (الاستقلال الكامل أو الاتحاد مع مصر).

– اشتراطات:تعديل دستور الحكم الذاتي المقترح بما يحقق حكم السودانيين لأنفسهم فورا،تكون فترة الحكم الذاتي تصفية للإدارة الثنائية وليس امتدادا لها،سودنة الادارة الحكومية في السودان.

– الوسائل:بحث تتخذ الوسائل العملية التي تحقق المذكور أعلاه.

في 22 أكتوبر 1952م أعلن أيدن أنه أخطر الحاكم العام بالإنابة بموافقة الحكومة البريطانية على مشروع الحكم الذاتي ليقوم موضع التنفيذ في أي وقت بعد 8 نوفمبر 1952م .

وصل السيد عبدالرحمن الى القاهرة قادما من لندن في يوم 20 أكتوبر 1952م بصحبة عبدالرحمن علي طه،عبد الحليم محمد ومامون حسين شريف وقد أصدر فور وصوله تصريحا صحفيا عبر فيه عن سعادته بالزيارة التي حققت رغبة أبداها منذ عام 1946م

وفي 21أكتوبر التقى محمد نجيب بعبدالرحمن علي طه لمدة أربع ساعات لتنظيم سير

المباحثات الرسمية التي أعلن أنها ستبدأ في 22 أكتوبر 1952م.

22- اتفاق المصريون مع المستقلين

في 29 أكتوبر 1952م تم بمقر رئاسة مجلس الوزراء التوقيع على الاتفاق بين الحكومة المصرية ووفد الاستقلاليين :البند الأول تقرير المصير في حرية تامة تسبقه فترة حكم ذاتي كامل- الاتفاق على تعديل الدستور المقترح على أسس السلطة الدستورية أثناء الفترة الانتقالية وتعديل قانون الانتخابات لتكون الانتخابات مباشرة في كل السودان ما عدا الولايات الجنوبية الثلاث. واتفق الطرفان على لجنة للإشراف على الانتخابات ولجنة للسودنة . على أمل أن تتقدم الحكومة المصرية بما تم التفاهم بشأنه كتعديلات منها للدستور المقترح للحكم الذاتي في السودان في تاريخ قبل 8نوفمبر 1952م تمهيدا لقيام الحكم الذاتي في 31 ديسمبر 1952م على أن يتم تقرير المصير في أي وقت بعد ذلك بحرية تامة.

حرصا على صيانة الاتفاق بين الاستقلاليين والحكومة المصرية وحفاظا على الأجواء الايجابية التي سادت علاقات الجانبين وقع الاستقلاليون مع الحكومة المصرية في 29 أكتوبر 1952م اتفاقية الجنتلمان التي تناولت 5 مسائل(مياه النيل،برنامج النقطة الرابعة (الذي يتلخص في أن تعمل مصر ما في وسعها لكي تحصل للسودان على نصيب من المعونة التي تدخل في نطاق برنامج النقطة الرابعة الأمريكية) ،التمثيل في المؤتمرات العالمية،انفاق الأموال المصرية في السودان،والمحافظة على روح التآلف والتعاون بين مصر والسودان في العهد الجديد.

وفي 30 أكتوبر 1952 قام السيد عبدالرحمن بزيارة السفير البريطاني في القاهرة(رالف استيفنسن) يرافقه عبدالله الفاضل،الشنقيطي وعبدالرحمن علي طه وقد عبر له عن سروره بنتائج زيارته لمصر وأطلعه على ما اتفق عليه وختم بقوله ان قبول الحكومة البريطانية بالاتفاق سيسهل حل المشاكل الأخرى.

23- موافقة الأحزاب الاتحادية على اتفاق المصريون مع الاستقلاليين

في 1نوفمبر 1952 وقع قادة الأحزاب الاتحادية وثيقة ذكروا فيها أنهم أحيطوا علما بالأسس التي تم الاتفاق عليها بين الحكومة المصرية والاستقلاليين في 29 اكتوبر 1952م وأنهم اعتبروا تلك الأسس حدا أدنى لما يمكن أن تقبله الحكومة المصرية في مباحثاتها مع الحكومة البريطانية بشرط أن تعمل الحكومة المصرية بكل السبل للوصول الى المشروع المعدل الذي تقدمنا به. ولغرض تنظيم الجلاء وإيجاد الجو الحر لتقرير المصير سيشتركون في انتخابات البرلمان بعد وضع ما رأوا من ضمانات.وعندما سئل الأزهري في 6 نوفمبر 1952م عن وعده بمقاطعة المؤسسات الدستورية أجاب (بأنه وعد بذلك عندما كانت المؤسسات تقوم على الوحي البريطاني أما الآن ومصر الرشيدة تقود المعركة فنحن مطمئنون كل الاطمئنان الى الهدف القريب والبعيد).

24-توحيد الأحزاب الاتحادية:

أفلح نجيب وصلاح سالم في توحيد الأحزاب الاتحادية وفي اجتماع 31 اكتوبر1952 وافق رؤساء الأحزاب و الهيئات الاتحادية على قيام الحزب الواحد وأجيز دستور الحزب في 2 نوفمبر 1952م في منزل الرئيس المصري محمد نجيب وبموجب ذلك تّكون الحزب الوطني الاتحادي .

24-المشاورات المصرية البريطانية بشأن الحكم الذاتي

في 2 نوفمبر 1952م سلم محمد نجيب السفير البريطاني في القاهرة رالف استيفنس مذكرة ضمنت وجهة النظر المصرية بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان.أسست المذكرة المصرية الى حد كبير على الاتفاق المبرم بين الاستقلاليين والحكومة المصرية في 29 أكتوبر1952م.

بدأت المفاوضات المصرية-البريطانية بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان في 20 نوفمبر 1952م ولكنها تعثرت.

في 10 يناير 1953م صدر بيان جاء فيه أن أحزاب الأمة والوطني الاتحادي والجمهوري الاشتراكي والوطني قد اتفقت بشأن دستور الانتقال وهو نفس موقف الحكومة المصرية فكان ذلك اضافة للدور الأمريكي سببا في التعجيل باتفاق الحكومتين المصرية والبريطانية بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان وقد كانت أمريكا مهتمة بنجاح المفاوضات المصرية البريطانية ليتفرغ الجانبان لبحث مسألة جلاء القوات البريطانية عن مصر والترتيبات الغربية بشأن دفاع الشرق الأوسط لملأ ما سيترتب من فراغ بعد انسحاب القوات البريطانية ولمنع النفوذ السوفيتي الشيوعي من التمدد.فتم التوقيع على الاتفاقية وأقيم في الخرطوم في 14 فبراير 1953م احتفالا ابتهاجا بالاتفاق.

25-التدخل المصري السافر في انتخابات 1953م:

بعد وقت قصير من التوقيع على اتفاقية الجنتلمان تبين لحزب الأمة أن الجهاز الذي أنشأه العهد الملكي للدعاية لوحدة وادي النيل لا يزال يمارس نشاطه بأنشطة مختلفة لدعم الحزب الوطني الاتحادي وللتأثير على الناخبين وقد عبر حزب الأمة عن تبرمه من ذلك على لسان عبدالله خليل في مارس 1953م وأوفد الحزب عبدالرحمن علي طه وعلي بدري وعبدالرحمن عابدون الى القاهرة للتباحث مع الحكومة المصرية في ذلك واجتمعوا مع محمد نجيب وصلاح سالم وحسين ذو الفقار اجتماعات وصفها عبدالرحمن علي طه (بأنها بالغة العنف)وقال (وبعد اعترافات لا يجمل أن أتعرض لها) اتفق الجانبان على أن يوجه محمد نجيب بيانا للشعب السوداني لطمأنته أن مصر لا تقوم بأية دعاية في السودان وأنها ستلتزم الحياد حتى يقرر السودان مصيره.وبعث خطابا للسيد عبدالرحمن أحاله الى هيئة حزب الأمة العليا للدراسة وبعث في 5 مايو 1953م ردا عليه يفصل فيه مطلوبات حزب الأمة التي تضمن حياد مصر في الانتخابات السودانية وفي تعقيبه على رد السيد عبدالرحمن دعا محمد نجيب الى (مراجعة مصادره التي تصور لهم شبح الدعاية المصرية في كل شيء…)وأكد حرص مصر على كل ما ورد في اتفاقية الجنتلمان ولكن ما أثار قلق حزب الأمة هو تناول نجيب لمسائل لم تبحث في اجتماعاته مع وفد الحزب مثل الفرق الذي يراه بين الاستقلال والاتحاد (بسيط كل البساطة)في حالة الاستقلال ستكون هناك معاهدة تشرف على تنفيذها هيئة مشتركة بعد الرجوع للحكومتين وفي حالة الاتحاد ستكون هناك هيئة مشتركة تعمل بتوجيه الحكومتين في المسائل التي كانت ستتناولها المعاهدة.خشي حزب الأمة أن يكون القصد من اثارة هذه المسائل تقييد الاستقلال ليكون صوريا فتحاشى الدخول في نقاش بشأن المفهوم المصري للاستقلال.

في 23 مايو 1953 م في طريقه الى لندن ناقش السيد عبدالرحمن مع نجيب في المطار مسألة التدخل المصري في الانتخابات ولكن رد نجيب لم يرضي عبدالله خليل الذي كان برفقة الامام فارتفع صوتهما لدرجة دفعت الامام للابتعاد عنهما.

في 25 مايو 1953م قرر حزب الأمة ايفاد عبدالله الفاضل وعبدالله خليل لمزيد من المفاوضات بشأن انتهاكات الجنتلمان ولكن مصر لم تلتزم بما أعطت من تعهدات مما دفع الحزب للتقدم في النصف الثاني من اكتوبر 1953م بشكوى رسمية الى لجنة الانتخابات متهما مصر بالتدخل في الانتخابات لصالح حزب معين.

انتخابات 1953م:

في 8 أبريل 1953م أصدر الحاكم العام اعلانا بتعيين لجنة الانتخابات.التي جرت في نوفمبر 1953م.

انتهت انتخابات 1953م بهزيمة حزب الأمة والتي رفضها الحزب في البداية ثم امتص الصدمة التي سببتها النتيجة غير المتوقعة و عقد مؤتمرا استثنائيا في 12 ديسمبر1953م لمناقشة نتائج الانتخابات وسياسة الحزب في المرحلة القادمة .

أجرى وليم لوس مستشار الحاكم العام تحليلا للانتخابات ذاكرا فيه أسباب هزيمة حزب الأمة ولكنه دعا الى عدم التقليل من شأن التدخل المصري في الانتخابات وخلص الى أنه بدون هذا التوجيه والرعاية لما استطاع الحزب الوطني الاتحادي تحقيق ما وصل اليه من نجاح.و لاحظ أن القوة النسبية لحزب الأمة والوطني الاتحادي في مجلس النواب لا تعكس بأي حال جملة الأصوات التي حصل عليها كل من الحزبين في دوائر الانتخاب المباشر فقد صوت 229.221 ناخب لمرشحي الوطني الاتحادي وحصل على 43 مقعدا بينما صوت 190.822 ناخب لمرشحي حزب الأمة ولكنه لم يحصل إلا على 22 مقعدا (وقد لفتت لجنة الانتخابات في تقريرها الختامي النظر لذلك وأوصت بإعادة توزيع الدوائر).

26-حوادث مارس:

في 1 يناير 1954م عقد البرلمان وكان الأزهري رئيسا لمجلس الوزراء والمحجوب زعيما للمعارضة.

وجهت الحكومة الدعوة لمحمد نجيب للاحتفاء رسميا بانعقاد البرلمان وأراد حزب الأمة اسماع الصوت الاستقلالي الذي لا يرضى بغيره بديلا، لنجيب وقد اصطف الموكب في الطريق الذي سيمر به الموكب الرئاسي ولكن القائمون على الأمر عملوا على تغيير خط سير الموكب الرئاسي بطريق آخر. عندما علم قادة موكب شعارات الاستقلال بتغيير خط السير حاولوا الوصول الى حيث يسمعون نجيب صوتهم فقام رجال من البوليس الذين يحملون الهراوات والقنابل المسيلة للدموع بالاصطدام بمقدمة الموكب وضرب الرصاص وأسفرت هذه المعركة عن قتلى في صفوف البوليس واستشهاد عدد من الأنصار وأخذت أعدادا كبيرة من الأنصار للحبس وقد ثبت في حيثيات المحكمة أن الصراع الذي دار لم يكن مدبرا ولكنه عكس للحكومة قوة تشبث الاستقلاليين بموقفهم وحتى لا يعتقد المصريون خطأ أن فوز الاتحاديون بانتخابات 1953م يعني اهمال هدف تحقيق الاستقلال كاملا.

27- الاتجاه نحو الاستقلال من داخل الحزب الاتحادي:

وفي داخل الحزب الاتحادي بدأت معركة استقلالية فقد نشر خلف الله خالد في جريدة صوت السودان حديثا اتهم فيه الحكومة بتلقي رشوة من مصر.

أقال الأزهري خلف الله خالد،ميرغني حمزة وأحمد جلي متهما اياهم بالتغيب عن المجلس وعرقلة أعماله واتهموه هم باتهامات من بينها التآمر مع مصر على أهداف لا يقرها الشعب السوداني .

رحب حزب الأمة ببيان الوزراء واعتبره تحولا واضحا نحو الاستقلال.

وفي 1954م انضمت الجبهة المعادية للاستعمار الى الجبهة الاستقلالية واستقبل الامام وفدا منهم وذكر لهم أن الاختلاف في العقائد لا يمنعنا من السير معا حتى نحقق الاستقلال لبلادنا وبعد ذلك فليعمل كل منا ضمن القواعد التي تسمح بها الديمقراطية التي ارتضيناها جميعا .

وفي نهاية 1954م صرح الأزهري للصحف برؤية شخصية لنوع الاتحاد الذي يراه مع مصر بحيث يكون للسودان رئيس ورئيس وزراء كما لمصر ويتجلى الاتحاد في اجتماعات دورية يعقدها مجلسا الوزراء في البلدين وتخضع قرارات المجلس المشترك لإجازة البرلمان في البلدين.

أحداث أسرّعت بالاستقلال:

28- تنحية نجيب:

في مصر تمت في نهاية 1954م تنحية نجيب.(مما أعطى انطباعا لدعاة الاتحاد بضرورة اعادة النظر في الوعود المصرية).

وقف اتحاد طلاب جامعة الخرطوم مع الاستقلال كما أبرق الطلبة المبعوثون بالخارج الحكومة والأحزاب السياسية مطالبين بالاستقلال وكذلك اتحاد المزارعين في الجزيرة واتحاد العمال في الخرطوم في مواكب ضخمة .

29-موقف حكومة الأزهري ازاء التحول الشعبي نحو الاستقلال:

أما الحكومة وحزبها فلم يكن أمامهم إلا أن يأتمروا بأمر الشعب لذلك اجتمع المكتب السياسي للحزب الوطني الاتحادي وهيئته وبعد نقاش استمر طويلا أصدر قرارا بقيام جمهورية سودانية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة ثم أضاف تفاصيل تتعلق بالرباط بمصر. رحبت الجبهة الاستقلالية بالقرار ولكنها استنكرت ما أضيف بخصوص الاتحاد مع مصر.ثم أوفدت الى الحكومة لتخبرها بترحيبها وأنها تطلب أن تعقد أحزاب الحكومة والمعارضة ميثاقا وطنيا بتأييد الاستقلال التام وسيادة السودان لأهله.

أعدت الجبهة الاستقلالية مشروعا لميثاق وطني بتاريخ 16 أبريل 1955م.

30-اقتراح الحكومة للبرلمان :جلاء قوات دولتي الحكم الثنائي:

في 16 أغسطس 1955م تقدمت الحكومة بالتشاور مع المعارضة باقتراح الى البرلمان يطلب من دولتي الحكم الثنائي جلاء قواتيهما بعد أن تمت اجراءات السودنة .

في 3 ديسمبر كان البيان المشترك للسيدين يزف البشرى للشعب بوحدة الصف وتوحيد الكلمة نحو الاستقلال.

19 ديسمبر1956م اعلان الاستقلال من داخل البرلمان:

في 19 ديسمبر قدم أحد نواب المعارضة اقتراحا ثنّاه نائب حكومي يعلن أن السودان صار دولة مستقلة ويطلب من الحاكم العام تبليغ ذلك لدولتي الحكم الثنائي.وقد أجيزت في وقت قصير قرارات هامة بترتيبات الدولة المستقلة.وتكّون مجلس سيادة يمثل كل قطاعات الشعب السوداني وأحزابه .

هكذا تحقق استقلال السودان بعد جهد مضني وقد بدأت معركته مبكرا خاضها الامام الراحل لتحقيق هدف محدد بوسائل معلومة .

كان الهدف هو التحرير الكامل للدولة السودانية دون تبعية لبريطانيا(ضمن دول الكومونولث) أو تبعية لمصر عن طريق الاتحاد القسري.

والمتتبع لمسيرة الاستقلال يرى بوضوح تحققه تطابقا مع الطريق الذي رسمه الاستقلاليون وقد أفاد الحركة الاستقلالية تحول الاتحاديون لطريق الاستقلال فيما بعد بسبب أحداث كشفت عن عدم ضمان الركون للوعود المصرية – في ذلك الوقت(منذ الاحباط الذي أصاب قادة 1924م،وتنحية نجيب ،وشراء صلاح سالم للذمم بشكل صريح يثير المستقيمون المخلصون،ثم الاختلاف بين الاتحاديين على تفسير ماذا يعنون بالاتحاد مع مصر).

وكانت وسائل الامام عبدالرحمن لتحقيق ذلكم الهدف هي:

أولا- جمع المال بوسائل انتاج حقيقية وتسخيره لتحقيق الاستقلال فقد أدرك الامام أهمية المال لتحقيق أغراض السياسة.

– في 1925م أنشأ الامام دائرة المهدي وهو في نحو الأربعين من عمره.

– منح في عام 1928م ، 108 فدانا بناء على طلبه لزراعتها قطنا وعند نجاح المشروع سمح له بري 2900 فدان وبعد ذلك قام بزراعة ثلث ما امتلكه من الأرض بالقطن(150.000 فدان) .

(قدرت ثروة الامام 20-30 ألف جنيه مصري ريعا سنويا لمشاريعه الزراعية.صرفها كلها في سبيل استقلال السودان وقد استخدم من الوسائل التي تدل على فهم واعي بوجوب الاعتناء بالمظهر والمسكن بصورة تم توظيفها تماما في خدمة قضيته.

ثانيا: لم شمل الأنصار وحفظ روحهم الجهادية والمعنوية في أعلى درجاتها.

– باندلاع الحرب العالمية الأولى 1914-1918م بدأ تغيير في سياسة الحكومة لاستمالة زعماء العشائر طلب منه ونجت أن يزور الجزيرة ليضمن ولاء المواطنين للحكومة وقد عمل الامام في هذه السانحة على انشاء شبكة من المناديب والوكلاء طلب اليهم المداومة على الصلاة وقراءة الراتب وأمور تنظيمية أخرى وبهذه الاستجابة ظهرت شخصيته المنفتحة على قراءة الأحداث وتقدير الظروف والملابسات.

– وفي 1917م قرر أن يقوم بخطوة جريئة فحمل الراتب الذي كان ممنوعا تداوله ،كجريمة لمدير المخابرات الذي عرضه على الشيخ المراغي قاضي القضاة وقد وافق عليه وصرح بتداوله، وظهرت أول طبعات للراتب في 1920 دون أن تطالها يد رقيب.

وقد عرف ما للراتب من مقدرة على حفظ روح الجهاد .

– ومنذ 1919م صارت أبا قبلة المهاجرين لود المهدي فيما عرف في وثائق الحكومة (بالحج) الشيء الذي أقلق الحكومة وأزعجها فقدمت له لفت نظر.

– ابتداء من 1921م صار للامام استعراضا سنويا بمناسبة رمضان وقد أمه في 1923م جموع كثيرة من الأنصار مما جعل الحكومة تستدعي الامام في الخرطوم وتأمره بتفريق جموع الأنصار.

ثالثا- استقطاب الآخر السوداني بصورة مذهلة.

– 1918 ساعد في تأسيس أول ناد للخريجين في اطار اتجاهه لبناء علاقات مع المثقفين.

– دعم مؤتمر الخريجين وساهم في يوم التعليم في دورة المؤتمر الرابعة في يناير 1941م وكان أول رئيس للمؤتمر السيد أحمد ابراهيم من أنصار حزب الأمة.وتوجه للخريجين بكلياته حتى أضاع على الانجليز فرصة تأليب الخريجين والمثقفين ضده وقد كان هذا هدفهم من التصريح بإنشاء مؤتمر الخريجين.

رابعا- أدرك أهمية الأحزاب كأدوات للحكم

فأنشأ حزب الأمة(نادي الأمة) منذ 1945م وقد كان دستور الحزب متمحورا حول السودان للسودانيين ومطالب المؤتمر الأثني عشر التي رفعها للحاكم العام في 2 أبريل 1942م.

خامسا- اتخاذ طرق التطور الدستوري طريقا وحيدا لتحقيق الاستقلال.

حيث دعم المجلس التنفيذي و الجمعية التشريعية وشارك حزب الأمة ومؤيديه من الأنصار في انتخاباتها ثم كان مطلب الحكم الذاتي الذي تقدم به أحد نواب الحزب في 1952م للجمعية التشريعية وأظهر به أن ولاءه الأوحد هو للسودان مما دعا الدولة البريطانية لمعاداته وإنشاء الحزب الاشتراكي الجمهوري شوكة تعيقه.

سادسا- عجمه لمعادن الرجال:

كان الرجال حوله معدودين من أبناء الروح وكان الامام يتعامل معهم بما يليق بهم من مكانة ويشاورهم ويستشيرهم و يناصحونه ويفوضهم تفويضا كاملا وقد كانت النتيجة كوكبة من الرجال الذين فخر بهم السودان ومن الأمثلة على هذا ما قاله له شيخ بابكر بدري (يا سيدي انت ورثت همة أبوك لكنك وضعتها في الدنيا)فما كان من الامام إلا أن رد عليه بأريحية معهودة عنده(لو قالها غيرك يا شيخ بابكر..انما ورثت همة أبي ووضعت الدنيا في يدي وسخرتها لخدمة الدين) ومثل هذا كثير ومنه تفويضه الوفود للتفاوض بأخطر قضايا السودان دون سقوف سوى عدم التفريط في السيادة. ومن هؤلاء النفر نذكر أسماء على سبيل المثال و ليس الحصر بأية حال….

عبدالرحمن علي طه،أمين التوم ، عبدالله خليل ،عبد الله عبد الرحمن نقد الله،حسن محجوب مصطفى،عبد الرحيم الأمين ، حسين شريف ،عبد الرحمن النور،يعقوب عثمان،الدكتور مامون حسين شربف،الدكتورعبد الحليم محمد، ،يوسف مصطفى التني ، الصديق المهدي ..والقائمة تطول.

سابعا- ادراك أهمية أدوات الزمن ومواكبة المستجدات:

– إدراك تطور الزمن وتابع واستخدم كل القرارات العالمية التي صدرت لتنظيم العالم بعد الحرب مثل مباديء الرئيس الأمريكي وميثاق الأطلنطي وغيرها وما للرأي العام للناخبين من سطوة على المنتخبين واستخدم في ذلك الصحافة ولم يتوانى عن طرح قضيته على كل المنابر (مجلس الأمن وغيره) وحاول التأثير على المفاوضات التي تمت بشأن السودان بالاتصال المباشر بشخصه أو بإرسال الوفود التي تنوب عنه بجهات الاختصاص أو بالبرقيات (الاحتجاج على معاهدة 1936 والتي لم تترك للسودان سوى الرفاهية وذلك بسفره الى بريطانيا واستفساره في يوليو 1937م الحكومة البريطانية عن ما تعنيه بالرفاهية ،افشال برتوكول صدقي بيفن أكتوبر1946م الذي زعم تحقيق السيادة المصرية على السودان بمقابلة كلمنت أتلي رئيس الوزراء البريطاني في نوفمبر 1946م وتذكير البريطانيين بوعودهم وبتعاونه معهم على ما ارتضاه من تطور دستوري ،وتخويفهم بردود الفعل الغاضبة الخارجة عن السيطرة، حال احجامهم عن التنفيذ (وفي الذاكرة البريطانية محفور أن هذه التهديدات ليست مما تزروه الرياح فمقتل غردون بطلهم القومي ما زال ماثلا) .عكس الراي الاستقلالي لمن قابل من الأمريكان عندما شعر بتدخلهم لاسترضاء مصر بسبب مشروع الشرق الأوسط، ومحاولات عديدة منذ 1937م لمقابلة المصريين(ابراقه لصدقي لتحديد موعد لمقابلته في طريق العودة من بريطانيا) لعكس وجهة النظر الاستقلالية وطمأنتهم على خلوص النية الاستقلالية نحو مصر ولكنهم لم يستجبوا إلا في 1952م وذلك عند دعوة الهلالي للسيد عبدالرحمن لزيارة القاهرة عندما شعروا بأن أهدافهم في السودان لن تتحقق إلا اذا استطاعوا تمريرها عبر من يمثلهم السيد عبدالرحمن).وفي كل ذلك فقد حاور وناور دهاقنة ساسة الزمن بمنطق لين ولكنه ليس بهين ولا يعرف الالتواء وهو الذكي اللمّاح والذي وبالرغم من محدودية ثقافته التي لا ترقى حتى لثقافة والده الشرعية إلا أنه استطاع بعبقرية فذة و دون تنازل عن حق تحقيق استقلال السودان موحدا وبإجماع رائع صدق فيه وصف الشاعر:

أبوك غزا بالسيف فانقاد من طغى وسيفك للأعداء رأي مسدد

فكان ذلك اليوم في صبيحة 1/1/1956م الذي خرج فيه نواب البرلمان ومعهم جماهير الشعب الغفيرة في موكب مهيب إلى سراي الحاكم العام ليشهدوا انزال علمي الحكم الثنائي بواسطة رئيس الحكومة الأزهري وزعيم المعارضة السيد محمد أحمد المحجوب من على سارية قصر الحاكم العام مما سطرناه عبر ذاكرة الامام.

*بتتبع كتاب الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني 1936-1953

دكتور فيصل عبد الرحمن علي طه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى