آخر الأخبار

عقلانية الخطاب الديني

الامام-محمد-عبده

(محمد الحمامصي)

أكد د. محمود حمدي زقزوق عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ورئيس الجمعية الفلسفية المصرية، ضيف اللقاء الفكري بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ 46، أن تجديد الخطاب الديني يتطلب العودة إلى مقررات العقل السليم والبعد عن الأشياء غير المنطقية والخرافات، وكذلك يتطلب البعد عن ثقافة الإرهاب الفكري التي يمارسها البعض الآن من منطلق (أن من ليس معي فهو ضدي).

وقال في الندوة التي أدارها د. مصطفى لبيب (أستاذ الفلسفة الإسلامية) (علينا أن نغرس في أبنائنا وأحفادنا ثقافة الأمل وأن نذكرهم بقول المولى عز وجل {قُل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون}، فباب الأمل مفتوح على مصراعيه، فما أحوجنا الآن إلى قيمنا التي نسيناها، لم ننسها كاسم بل تعمدنا أن ننساها كفعل).

وأضاف (الدين قائم على اليسر لا على العسر وأتذكر في هذا الشأن الفتوى التي أصدرها الشيخ محمود شلتوت عندما كان يشغل منصب شيخ الجامع الأزهر عام 1955، وأجاز فيها التعامل مع صناديق الإدخار بعد أن اجتهد وهو من هو وأمعن العقل ولم يخش في الله لومة لائم).

وقال في اللقاء الذي جاء تحت عنوان (محمد عبده وعقلانية الخطاب الديني)، بالقاعة الرئيسية بمبنى الصندوق الاجتماعى للتنمية، (ندوة اليوم ليست محاضرة بالمعنى الأكاديمي، بل هي حوار مفتوح نتشارك فيه سويًا. لقد كان محمد عبده من هذه النوعية التي بعثت روحًا وفكرًا جديدًا ليس في مصر وحدها بل في كل مكان حل فيه في مصر وبيروت وباريس، وسنتوقف في الدقائق القادمة في بعض المحطات في حياة الإمام محمد عبده نبدأها بنشأته، حيث ولد عام 1849 بقرية محلة نصر بمركز شبراخيت بمديرية البحيرة كما كان يطلق عليها وقتئذ، لأسرة ميسورة الحال.

وبدأ تعليمه في كتاب القرية إلى أن انتهى من حفظ القرآن الكريم في سن 15 عامًا. وكعادة أهل القرى في هذا الوقت، أرسله والده إلى الجامع الأحمدي بطنطا لاستكمال دراسته، وكان الجامع بمثابة معهد ديني، وهنا كانت الصدمة الأولى في حياة محمد عبده، حيث فوجيء أثناء شرح درس النحو على يد الشيخ الكفراوي، بأن الشيخ يقوم بإعراب {بسم الله الرحمن الرحيم} حرفًا حرفًا، مما أصابه بالدهشة وجعله يقرر على الفور العودة إلى القرية والابتعاد عن هذا النمط من التعليم الذي رفضه عقله.

وتفاجأ والده بذلك وأمام ضغط والده عليه هرب محمد عبده إلى إحدى القرى المجاورة التي كان يسكن فيها خال والده الشيخ درويش خضر، والذي كان أحد أقطاب الصوفية في هذا الوقت – والذى ترك أثرًا صوفيًا كان من الملامح الرئيسية فى شخصية محمد عبده – ومكث معه الشيخ درويش أكثر من أسبوع لإقناعه وإثنائه عن قرار ابتعاده عن التعليم بالجامع الأحمد).

وأضاف (بالفعل وصل الشيخ إلى ما كان يصبو إليه. ولقد حكيت لكم هذه القصة لكي نعرف لماذا فكر محمد عبده في التجديد وأصر عليه؟ بعد عامين قضاهما في الجامع الأحمدي انتقل إلى الجامع الأزهر، والأزهر كان هو المدرسة الأم وحلم الجميع، وكانت الدراسة فيه لها أسلوب مختلف تمامًا؛ فكان بإمكان الطالب تسجيل اسمه وأن يذهب للدراسة مع الشيخ الذي يريده والمذهب الذي يختاره،

وأتذكر أنني عندما كنت في ألمانيا وجدت هناك ما يطلق عليه نظام الحرية الأكاديمية، وهنا أدركت أن الأزهر قد سبق جامعات ألمانيا وغيرها بمئات السنين في تطبيق هذا النظام. حيث كان لكل أستاذ أو كل شيخ مذهب رواق وعمود يجلس إلى جواره ويلتف حوله طلابه ومريدوه، وفي إحدى المرات وأنا ألقي محاضرة في إحدى الجامعات الألمانية، والتي كانت تحتفل بمرور مائة عام على إنشائها، دار حوار بيني وبين أحد أساتذة هذه الجامعة الذي قال لي: لقد عرفنا مؤخرًا أن لديكم الجامع الأزهر والذي يعد أقدم من جامعتنا بمئات السنين، وقد كان هذا القول بمثابة نيشان وضعته على صدري ومصدرًا للفخر والإعزاز).

وأوضح د. زقزوق (أثناء دراسة محمد عبده في الأزهر تصادف مجيىء جمال الدين الأفغاني إلى مصر، وبدأ في تدريس العلوم العقلية والفلسفية الحديثة وذاع صيته، وأصبحت سيرته على ألسنة طلاب ومشايخ الأزهر، وهنا وجد الشاب الثائر محمد عبده ما كان يحلم به، وبدأ يحضر جلسات جمال الدين الأفغاني، وفي هذه الأثناء قام أحد الأشخاص بإخبار والده بأن ولده ترك علوم الدين ليدرس علوم الضلال والهلاك، وعلى الفور ركب والده القطار وحضر إلي مصر لينقذ ولده من الخطر المُحيق به. واستطاع محمد أن يُقنع والده بأهمية العلوم العقلية وأنها تعضد العلوم الدينية، وأفلت محمد من مصيدة أعدائه هذه المرة.

من هنا كان محمد عبده يزداد إصرارًا يومًا بعد آخر، على ضرورة الإصلاح والتجديد، حيث كانت تعود العلوم الدينية التي تُدرس في الأزهر إلى قرون طويلة، ولم تطلها يد التطوير أو التجديد على الإطلاق.

وكما قال رسولنا الكريم {إن الله يبعث على رأس كل مائة عام لهذه الأمة من يُجدد لها دينها}، فالتغير والتجديد هو سنة من سُنن الله في خلقه، فخلايا جسم الإنسان تقريبًا تتغير كل عشر سنوات إلا خلايا المخ، وقد يتزامن في المائة عام ثلاثة أو أربع مصلحين فليس شرطًا مصلح ومُجدد واحد).

ورأى زقزوق أن محمد عبده كان يفكر بعقله دون أن يُقلد أحدًا، لذلك عندما عمل في حقل التدريس بدأ يدرس لطلابه في مدرسة العلوم (كلية العلوم بعد ذلك) مقدمة ابن خلدون، والتي أثار تدريسها سخطًا لدى سلطات الاحتلال الإنجليزي، مما أدى إلى نفيه إلى قريته ثم إلى بيروت لمدة قاربت من خمس سنوات).

وأضاف (من بيروت سافر عبده إلى شيخه الأفغاني بناء على طلب الأخير، وشاركا سويًا في إصدار مجلة (العروة الوثقى) والتي لم تدم سوى ثمانية أشهر بسبب منع قوى الاستعمار في مصر وغيرها من دخول المجلة للبلاد الإسلامية، وكان يرى عبده أن نأخذ من كل بلد عربي وإسلامي ثلاثة من الشباب ليتم غرس قيم وثقافة التغيير فيهم ثم يعودوا إلى بلادهم ليتولوا مهمة مقاومة المستعمر بالعلم والفكر والعمل، ولكن هذه الرؤية لم تجد قبولاً لدى الأفغاني والذي وصف عبده بالمثبط للهمم، ففي الوقت الذي كان الأفغاني يرى حتمية التغيير السريع، كان عبده يرى ضرورة التأني والعقلانية في العمل على التغيير).

وقال (يرى محمد عبده أن العقل هو أفضل نعمة أنعم الله بها على الإنسان وعلينا أن نصون هذه النعمة ونعمل على تجديد أفكاره، وكان عقل عبده دائمًا ثائرًا مع الاتسام بالعقلانية، ولا عجب في ذلك حيث تمرس في الحياة واحتك بالعديد ممن عاصروه وإن كان قد تأثر إلى حد كبير بأفكار ورؤى واتجاهات الأفغاني، وقد عمل عبده على أن يغرس هذا الغرس في تلاميذه، فعندما عاد من باريس إلى بيروت مرة أخرى، وبدأ في تدريس دروسه قام بإصدار كتابه المشهور (رسالة التوحيد) والذي ترجمه إلى الفرنسية أنجب تلاميذه من بعده الشيخ مصطفى عبدالرازق والذي نال شرف كونه أول من حصل على الأستاذية في الفلسفة الإسلامية. وكان يرى عبده في برنامجه الإصلاحي أن العقل لا بد أن يُمكن ولكن بعد أن نزيل العقبات من طريقه، وكانت العقبة الأولى في التقليد الأعمى).

وأشار د. زقزوق إلى أننا (نسير كالقطيع إذا مارسنا التقليد دون أن نحاول أن نكيفه وننقحه ليتناسب مع موروثنا الثقافي والديني والاجتماعي، فالذين يصرون على هذا التقليد هم كالأنعام، وحتى لا نظلم (الأنعام) كما قال المولى عز وجل {بل هم أضل سبيلا من الأنعام}.

أما العقبة الثانية فهي الثقافة السيئة، فهي مخدر يصل بصاحبه إلى الهلاك، وما أكثر الخرافات والأشياء التي لا منطق لها والتي تنتشر بيننا الآن ولا صلة لها لا بالعقل ولا بالمنطق.

وقد أيد حجة الإسلام الشيخ الغزالي رحمه الله، رؤى عبده في هذا الشأن بقوله إن من يُقلد أعمى ولا خير فيه، وكان لزامًا على الإمام محمد عبده بعد أن سار على هذا الموروث أن يضع بديلًا، وكان بديل التقاليد والثقافة السيئة العلم النافع والقيم السمحة التي حلت محل هذا الغثاء، وكان عبده يعيب على فقهاء عصره أنهم كانوا يردوا على الفتاوى التي كانت ترد إليهم بعد الرجوع إلى كتب مضى عليها مئات السنين دون دراسة جيدة وربط فتاواهم بالواقع حتى لا يتعارض ذلك مع العقل، فمن غير المعقول أن يتعارض ما جاء بكتاب الله مع العقل الذي منحه الله للإنسان وكلاهما منحة من العلي القدير.

ورأى أننا لم نتزحزح كثيرًا عن هذا الفكر الظلامى الذي كان يرفضه الإمام محمد عبده حتى هذه اللحظة إلا في حالات معدودة منها على سبيل المثال ما حدث مع الإمام المراغي، وهو أحد تلاميذ عبده، والذى كان يشغل منصب شيخ الجامع الأزهر في عهد الملك فاروق، ووقتها تم تشكيل لجنة لوضع قانون الأحوال المدنية، وكانت اللجنة في حيرة بشأن التوفيق ما بين النصوص الدينية والقوانين المدنية. وهنا طمأنهم الشيخ المراغي بقوله (ضعوا ما لا يتعارض مع مصالح العباد واتركوا لي التشريع الديني)، وقال مقولته المشهورة (حيثما توجد مصلحة العباد فثم وجه الله).

وكان عبده يقول إنه لا خصومة بين الإسلام والعقل الإنساني ومن يدعون الخصومة هم الجهلاء والمغرضون، فالإسلام أطلق للإنسان حرية الإرادة والفكر، ومعنى ذلك أن من يملأون الفضائيات الآن ويكفرون هذا ويحقرون من ذاك ويقولون إن هذا في الجنة وهذا في النار لا علاقة لهم بالإسلام، وأولئك هم المقلدون الذين يهتمون فقط بالشكل (الجلباب واللحية) دون النظر إلى الجوهر، وعلينا جميعًا أن نحارب مثل هؤلاء، وكما قال الإمام محمد عبده إن العقل هو أساس معرفة الله عز وجل، فبالاستدلال والقياس المنطقي تستطيع أن ترى دلائل قدرة الله عز وجل في كل شيء حولك، فحق محاسبة العباد جميعًا هو حق من حقوق الله عز وجل لا سلطة لأحد فيه).

وأوضح د. زقزوق (نحن الآن مشغولون بالهامش وتركنا الأساس، يجب أن نطور ونجدد الفكر الديني قبل أن نجدد الخطاب الديني، فالدين يحث على الجد والاجتهاد، ففي فترات التراجع الحضاري للمسلمين كان هناك اتجاه قوي لإغلاق باب الفكر والاجتهاد، وفي هذا الشأن يقول عبده إن فرص اللاحقين أفضل بكثير من فرص السابقين، وذلك بسبب ما نعيشه الآن من تطورات هائلة.

وقد تأثر عبده في ذلك بفقه الأئمة الذين سبقوه وخاصة الإمام الشافعي الذي غّير فتاواه من العراق إلى مصر مراعاة منه للظروف التي استجدت على وجوده في مصر، وأتذكر أنني عندما طرحت هذا الأمر منذ عشرين عامًا على عدد من أصدقائي في كلية الشريعة ونصحتهم بضرورة أن يتم تدريس مادة تحت اسم “فقه الواقع” كان هذا مسار دهشة وسخرية البعض وقتها، ولكني فرحت كثيرًا عندما اهتدوا وقرروا مؤخرًا تدريس مادة جديدة تحت اسم “فتاوى معاصرة”، فيجب على المفتي أن يراعي في فتاواه كل هذه الأمور قبل إصدار الفتوى.

وكان عبده دائمًا ما يُردد، أن الإنسان مفكر مختار، وأن الفكر الصحيح يوجد بالشجاعة، والشجاعة هنا مقسومة إلى شقين الشق الأول هو الشجاعة في رفع القيود والتقاليد القديمة، والشق الثاني أن أضع القيد الجديد ألا وهو الفكر السليم.

وشدد د. زقزوق أن القرآن الكريم أعطانا الطريق السليم لبناء الحضارة، فعندما خلق الله عز وجل الكون وعلم آدم الأسماء، وأعطاه مفاتيح العلم كان الهدف هو أن يفتح آدم وذريته من بعده المغاليق وفتح المغاليق لا يأتي بالكسل والتواكل ولا بالسحر والشعوذة؛ بل يأتي بالعمل والاجتهاد، وهذا دائمًا كان مسارا خلافيا مع من يقدمون برامج الإعجاز العلمى في القرآن، فأنا كنت ولا زلت أرى ضرورة أنهم لو شغلوا أنفسهم ببناء مراكز الأبحاث العلمية لكان ذلك أولى، من انشغالهم بانتظار نظريات الغرب العلمية ليفسروا بها إعجاز القرآن الكريم.

وختم د. زقزوق اللقاء بتوجيه إلى أولئك المتنطعين المتشددين (لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله). كما وجه رسالة للمسئولين ناشدهم فيها أن يعملوا على إصلاح الفكر الديني.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى