آخر الأخبار

نزار أفريقيا… سياب السودان

1430041573

بقلم: سمير عطا الله
كاتب وصحفي لبناني
كان الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري صديقي أكثر مما قد عرف، وكنت أعرف ما يخفي من آمال وآلام، أكثر مما قد أدرك، وكان في بالي، كشاعر وصديق، قربت المسافات أم بعدت، وطال الغياب أم قصر، لا يحتاج تعريفه أكثر من ذكر اسم.

صار صديقاً منذ أن التقيته أول مرة في بنغازي عام 1968، لا تزال مدينة باهية، كما يقول الليبيون، لم يدهمها الداهمون من كل دعوات الاستبداد والإلغاء. وقد جاء الفيتوري بدعوة من فرع القبيلة الكبيرة في ليبيا.

هو يريد شيئاً من الانتساب إلى الوفرة، وهم يريدون تجميل النسب بضم شاعر أفريقيا السوداء إلى شمالها الجغرافي الأبيض.

لا يحتاج التعرف إلى الفيتوري أكثر من ذكر الاسم ومصافحة، وسوف تصبح جزءاً من عائلة الأصدقاء.

وإذا ما كنت قد كتبت من قبل عن عذاب أفريقيا وشقاء البشرة السمراء، فسوف يعقد معك محمد، عقد المودة مدى العمر، أيهما ينفد أولاً.

شفة ضخمة
تغنى الفيتوري “بدمامته”. تغنى بفقره. تغنى أبداً بزنوجته: “فقير… فوجه كأني به/ دخان تكثف ثم التحم/ وعيناه فيه كأرجوحتين/ مثقلتين بريح الألم/ وأنف تحدر ثم ارتمى/ فبان كمقبرة لم تتم/ ومن تحتها شفة ضخمة/ بدائية قلما تبتسم/ وقامته لصقت بالتراب/ وإن هزئت روحه بالقمم”.

“فقير، أجل. ودميم، أجل”. يردد الفيتوري، لكنه وهو يكتب أجمل الشعر وأرق المشاعر وخمائل القوافي، ينسى أن يمر بالوصف، على ذلك القلب المصنوع من ياسمين أبيض وياسمين أزرق.

بل ينسى، خائفاً، مبتعداً، مشفقاً على نفسه، ينسى أن الياسمين سوف يتدلى أسود جميلاً من عرائش شعره. غابة من ياسمين.

اعتبر الغرب ليوبولد سنغور، رئيس السنغال، شاعر الزنوجة الأكثر شاعرية كان محمد الفيتوري، عيني أفريقيا الدامعتين، وشمس أفريقيا التي فيها نور كثير، وفيها دفء كثير، وليس فيها ظلم القيظ وعشوائية اللهب.

وسيم النيل

كان هذا “الدميم” وسيم النيل والغابات، ملأ السودان شعراً كما ملأه الطيب صالح نثراً.

بل كان يبدو في ترحُّله وصعلكته شيئاً مثل مصطفى سعيد، البطل في “موسم الهجرة إلى الشمال”، والمفارقة أن عَلَمي السودان، رفرفا في الهجرة.

منذ أن بدأ الفيتوري الهجرة من بحر الغزال، ما توقف، ومذ عثر الطيب على وظيفة في “إذاعة لندن”، لم يعد.

هجر الفيتوري السودان لكنه غار في أعماق أفريقيا “قلها لا تجبن… لا تجبن/ قلها في وجه البشرية/ أنا زنجي وأبي زنجي الجد/ وأمي زنجية/ أنا أسود.

أسود لكني حر/ أمتلك الحرية، أرضي أفريقية عاشت/ عاشت أفريقيا”. كانت القارة هي كل شيء، وطنه في بشرته، تعطيه أرضه ما يظن أنه دمامة الملامح، لكنها تمنحه تلك النفس السامية والقلب الوسيع الذي يخرج من اللون إلى عشق العالم، متظلماً من الرجل الأبيض، متقرباً إلى المرأة البيضاء، صادة أو متباعدة أو عاشقة هي أيضاً.

ذلك كان انتصاره الكبير عندما عدت أرى محمد من جديد في مقاهي بيروت أوائل السبعينيات.

كان سعيداً، وكعادته تُفرحه الأشياء الصغيرة التي حُرم منها في بداياته، وبينها الراحة المادية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى