آخر الأخبار

مُنمنمة حِكائيَّة عصـابة الدَّامَــا …… عفيف إسماعيل

مُنمنمة حِكائيَّة
عصـابة الدَّامَــا*
عفيف اسماعيل
عفيف إسماعيل
رَفَعَ يدَه بالتحيّة العسكريّة مُحاولاً، بجسده المُمتلِئ، أن يَبدوَ أكثر طولاً وهو يَضرب الأرض بقوة بقَدَمه اليُمنى، فاهتزَّت بطنه المُترهِّلة وأردافه المُكتنزة، وصاح بصوتٍ عالٍ:
ـ أفندم.
ـ اتفَضَّل، اقعُد يا أبو النور.
ـ شكراً سعادتك.
ـ إنتَ عارف إنّي استلمتَ الوحدة دِي قبل شهرين بَس.
ـ أيوة سعادتك.
ـ خلال المُدة البسيطة دِي قِدِرتَ أعرف معادن الرجال البِتَعْرِف الشُّغُل جَد جَد.
ـ كُلَّك نَظَر سعادتك.
ـ التقارير المكتوبة عنّك كلها بِتشيد بشُغلك، بِتقول، برغم إنّك معروف لكلّ ناس البلد وللمجرمين أنك رجل مباحث، لكنك قِدِرتَ توظِّف دا في صالحك، وبقيت أكتر زُول بتجيب المعلومة النّضِيفة، ومصادرك كتيرة، وشُغلك كُلّو تمام.
ـ آآآ..البلد صغيرة والناس كلّها بتعرف بعضها.
ـ وكمان أنا شُفتَ بيان بالعمل الشهر الفات لمّا جِبْتَ معلومة مهمة عن عصابة سرقة العربات الكانت مدوِّخة المديرية كلّها.
ـ الله يخلّيك، دا كُلُّو من خطّتك الجهنميّة.
ـ إنتَ سيد العارفين يا أبو النور إنو شُغُل رجل المباحث لازم يكون دقيق وحريص، ودَايِر صَبر كَتِير زي صيد السمك.
ـ كلام زي الدَّهَب سعادتك.
ـ أنا الليلة عايزك في مهمة كبيرة، إذا توفَّقنا فيها، حَ تترقَّى ترقية كبيرة، وفيها كَمَان مكافأة مُعتبرة وبدَلات بَرْضُو.
ـ إنتَ عارف أنا زي الميّت في الغسيل، من إيدَك دِي، لي إيدَك دِي، ما عليك إلا توَرِّيني الرِّايِح شنُو!، يَمِينْ لو في سَابِع سَمَا، أو جُوة بِير، أو حتى في بَطن حوت، أجِيبُو ليك الليلة قبل بُكرة.
ـ المهمّة المَرّة دِي ما سرقة، أنا عارف إنتَ أحسن مَن يتابع الحرامية والنَّشَّالين، والمُستهبِلِين والنصَّابين الكُتَار الحَايْمِين يغُشُّوا الناس في السوق.
ـ أيوة سعادتك.
ـ جَاتْ معلومة بِتقُول إنّو في شُحنة بَنْقُو كبيرة جات من “واو” ودخلت البلد.
ـ بسيطة سعادتك، المَخَخَنْجِيَّة والمَصَاقِيع دِيل كُلّهم بعرفهم ليك بالواحد.
ـ بس الشحنة دِي جَات، وبتتصرَّف بناس جُدَاد حسب المعلومة العِندَنا.
ـ في أيّ أسَامِي؟.
ـ أيوة، في لِسْتَة من أربعة، لكن، زي ما إنتَ عارف، بِتْكُون أكيد كُلّها أسماء كوديّة وكِدَا، وهم: أبو فَرَّار، الحاج، جَقْبُوب، وبِت المَك.
ـ معاهم دَامَا كمان!، لا، لا، دِي جديدة لَنْج!، يا ربّي هَارْت ولا شِيرْيا؟.
ـ دِي كلّ المعلومات العِندَنا لحَدّ هَسَّع، والشحنة دَخلَت من ضَهَارِي غرب الكَنَار. هاك اللِّستَة خلِّيها معاك.
ـ ما مُحتاج ليها، حِفظتها سعادتك: أبو فَرَّار، الحاج، جَقْبُوب، وبِت المَك.
ـ يا سلام عليك يا أخي، يظهر إني نسيت إنّك أحسن بوليس مباحث في الوحدة دِي حسب التقارير في السّت سنة الفاتت، أنا كلَّمتَ جَبَار ومنصور إنّهم يكون معاك، لازم تَخَلِّيني في الصورة تورِّيني خطواتك أوّل بأول، إذا في حاجَة مُهمّة إن شاء الله بَعد نُص الليل عارف بِتلقاني وين، الميز ما بعيد.
ابتسَمَ أبو النور، بملامحه تلك التي هي أقرَب إلى البَلَه، وهي من أنجَع أسلحته طوال سنوات عمله كرجل مباحث ناجح، فكثيرون لا يَنتبهون إلى وجوده بينهم؛ لأنّ لا شيء يُميِّز وجهَهُ المُحايِد، وذاك الخُمول، وتلك البَلادة التي تُطلّ من تَرهُّل وجنتيه وعينيه، تجعله مُهمَلاً، ولا أحد يَحفَل به أو يَأبَهُ له بعد مرور أقلّ من دقيقة على وجوده في أيّ مكان.
تفرَّعت خواطر أبو النور، بين الترقية المُرتقَبة والمكافأة، وبين الحياة السرِّية لمدير الوحدة الجديد التي لا يعرفها غيره، والمدير ذاته لا يعرف أنّه يَعلم كلّ خبَايَا بيت اللذّة الذي يُغلِق بعد التاسعة مساءً في وجه أيّ زبون عداه!، وفيه يَقضي معظم ليالي الأسبوع، إلى جانب حُبِّه الذهاب إلى العرض السينمائيّ الأول. استعرَضَ سريعاً في ذهنه مجموعةَ تُجّار البَنْقُو والمُوزِّعين له. وكان جُلّ هَمِّه أنْ يعرف كيف يُقصِي جبّار ومنصور من مشاركته المكافأة والترقية، وأنْ يضمن جانب المدير الجديد إلى صفِّه.
ـ لو سمحتَ لَيْ سعادتك؛ خِلِّينِي في الأيام الأولى دِي أعمل تحرِّياتي بَرَاي.
ـ ما في مشكلة إذا دا بريِّحَك، أنا كلّ البِهِمَّنِي إننا نَقبُض على ناس العصابة دِيل مُتلبِّسين، وفي أقرَب وقت، تلاتة يوم كويّس معاك؟.
قال ببطءٍ مُتعمَّد:
ـ يَعْنِنننننننني، أسبوع كِدَا ما بَطَّااااااال سعادتك.
ـ ما في مشكلة، بَسْ أوّل بأوّل تَخَلِّيني في الصورة، عَايِز شُغُل ليل نهار، ما تَنسى إنّو في ترقيَة ومكأفاة وأوﭬَـر تايِم كَمَان.
بَرَقت عينا أبو النور المَيتتين فجأةً بعد أن ابتلَعَ مديره طُعْم القبول الأول، هاتَفَ نفسه: “هذه فرصتك يا أبو النور، هذا هو الوقت المناسب، إرْمِ بورقتك الرابحة الآن ولا تتأخّر”.
ـ في حاجَة تاني يا أبو النور؟.
ـ كُنْتَ بَقُوووووووول يَعْنِننننني!.
رَشَف المدير رشفةً صغيرةً من كوب الشاي الذي أمامه، وأنزَلَ نظّارته الطبّية قليلاً إلى أرنبة أنفه وسأله:
ـ في شنُو يا أبو النور؟.
ـ آآآ.. يعني إذا حصلَت أيّ تَطوُّرات يا سعادتك بعد ما ينتهي الدّور الأول في السينما،آآآ.. هل ممكن أجِيك في بيت زينب الجاك؟!.
ارتبَكَت ملامح المدير الجديد، ودَلَق كوب الشاي الذي كان بقرب يده اليُمنى. بهِمَّةٍ مُطيعةٍ مُتملِّقة تناولت سريعاً يدُ أبو النور اليُسرى ما تبقّى من الكوب، وبيُمناه أمسك منديله الكبير الذي لا يُفارق ياقَةَ قميصه في كلّ الفصول، وبدأ يَمسح به السائل الأحمر الدّافئ قبل أن يَتسرَّب إلى بنطال المدير أو يَطَال الملفّات الكثيرة التي يَعجّ بها سطح المكتب.
ـ إنتَ أخطَر من ما كنتَ أظنّ!.
ـ آآآآآآآآآآ.
كي يُعالج حرجَهُ، افتعَلَ تقطيبةً جدّيةً، وأعاد النظّارة الطبّيّة إلى وضعها الطبيعيّ فوق عينيه، وقال له بلهجةٍ صارمةٍ وهو يحدِّق في مجموعة ملفّات أمامه:
ـ نادِي لَيْ الوَد المُراسلة دَا معاك من بَرّة.
ـ حاضر سعادتك.
ـ زي ما قلت ليك؛ أوّل بأوّل داير التفاصيل، ومكأفاة الحكومة خَلِّيها على جَنْبَة، أنا حَ أدِّيك قدرها مرّتين إذا جمعتَ معلومات مفيدة ووَصَّلتنا للرباعي الجديد دا.
ـ حَ أبدأ فوراً سعادتك، هل في نثريّات جيب يوميّة للمهمّة دِي؟، بالذّات شُغل الليل.
ـ طبعاً، ما تخاف، أيَ حاجَة مَعمُول حسابها.
ـ طيّب.
ـ الله معاك.
رَسَم أبو النور خارطة المدينة الصغيرة بخطوطٍ بسيطةٍ وسريعة. رَسَم النيل الأزرق والبَنْطُون من الحدود الشرقيّة، والتّرعة الرئيسيّة لمشروع الجزيرة من الجهة الغربيّة. وقُربها رَسَم محالج القطن، ثم رَسَم في الجزء الشماليّ تخطيطاً لمصنع الصداقة للنسيج، وفي الجزء الجنوبيّ رَسَم المدرسة الصناعية والمقابر. ووضع خطّته بوضوح؛ أن يُراقب نهاراً سوق الخضار ومنطقة الأفران وموقف البصّات السفريّة الآتية من غرب الكَنَار، وعصراً الإستاد وضفّتَي النهر الشرقيّة والغربيّة، وليلاً شارع السينما والأندية الرياضيّة وبيوت اللذّة، وأن يُتابع تجّار البَنْقُو المشهورين بالبلدة، فهو يعرفهم جميعاً، وقرَّر أن يبدأ بحاج عمرين الذي يُشاع أنه تابَ بعد عودته من الحج هذا العام، وأصبح رجل بِرّ وإحسان، ويقيم ليلية في بيته كلّ يوم اثنين وخميس، ربما هو الحاج الذي ذكره مديره ضمن قائمة الأربعة.
أشعَل سيجارة بينسون ووَضَعها على طرف فمه وهو يَنطلق بدراجته، التي تَنُوء تحت ثِقل جسده الضخم، إلى سوق الخضار. جَلَس لمدةٍ طويلة، وعندما بدأ بعض الخُضرجيّة في جمع ما تَبقّى من خضروات، دَخَل إلى أول دكّان خردوات واشترى صنّارات وخيوطاً، وتوجَّه صوب ضفّة النهر. اختار منطقةً منعزلةً لكنها كانت تكشف مساحةً واسعةً من ضفّتَي النهر. رمى بالصنّارة بعد أن اعتمَرَ قبّعةً كبيرةً من السَّعَف أخفَت نصفَ وجهه، وصار يُراقب الشّاطئ الخالي إلا من صبيةٍ يَلهُون بين المياه الضّحلة قرب بيان سيدي الحسن. وعلى تلّةٍ رمليةٍ بعيدةٍ تبين ملامح ود جادين القهوجي، الذي يعمل نهاراً في قهوة العمدة، وليلاً في الكافتيريا المُرفقة بنادي قلب الأسد الرياضي، وهو أحد ظُرفاء المدينة، ويُقال إنّه في شبابه كان قد التحَقَ بالجيش لمدةٍ قصيرةٍ لم يَتعلَّم منها شيئاً غير إدمانه الحشيش، وبعدها صار من أفراد الجوقة المُصاحِبة لفنان مشهور، وأيضاً امتلك مواهب خارقةً في تضليل البوليس المتربِّص به في أغلب الأوقات. وكثيراً ما يَتباهَى، أثناء وجوده في المناسبات الاجتماعيّة التي تَجْمَع كلّ سكّان المدينة الصغيرة بغير حواجز مهنيّة أو اجتماعيّة، بما دَبَّرَه من أحابيل وحِيَل غريبة كي يُفلت من حصار البوليس المتكرّر، ويَطالُ تَنَدُّرُه حتى أفراد الشرطة والمباحث، ويُفاخِرهم بخبرةٍ فاقَت الثلاثين عاماً من التدخين اليوميّ، وحتى الآن لم يَستطِع أحدٌ أن يُلقِي عليه القبضَ مُتلبِّساً، وكثيراً ما يُردِّد:
ـ والله أنا الجِنّ اللَّحَمر ذَاتُو ما يقبُضْنِي، عارفين ليه؟.
ـ ليه يا ود جادين؟!!
ـ لأنّو الشّيطان لما جَا عَشَان يعَلِّموه الشَّيْطَنَة، نَادُوني أدَرِّبو وأدِّيهو كُورْس مُكثَّف في الشَّيْطَنَة.
حَمَلت الرّياح رائحةً نفّاذةً إلى أنف أبو النور المُدرَّبة. هَمَس لنفسه: “سأقبض عليك اليوم مُتلبّساً بتدخين الحشيش هذه المرّة يا ود جادين. وبعدها يُمكنني أن أشرَب ما أريد من القهوة والشّاي مجاناً”. فجأةً تعالَى صوت أذان المغرب: “آه.. يا ود جادين، هذه المرّة أنقذَكَ حظّك مني، لولا أنّني أبحث عن سمكة كبيرة، كان اليوم يُومَك يا ود جادين، لكن أنا وَرَاك والزمن طويل، وبَجِيب خَبَرك”.
تَوَضَّأ أبو النور سريعاً وتَحرَّك بدرّاجته إلى الحيّ المقابل للنهر، صوب بيت حاج عمرين، الذي صار يَفترش سجادةً كبيرةً أحضرها من الحجاز للصلاة أمام بيته، ويَؤُمّ المُصَلّين في صلاة المغرب والعشاء. لَمَحَه حاج عمرين يأتي مُسرعاً قبل إقامة الصلاة. استوى المُصَلّون في صَفّين خلف حاج عمرين. في الركعة الأولى قرأ سورة الفاتحة، ثم أردفها بسورة الفلق، وفي الركعة الثانية بعد سورة الفاتحة قرأ سورة “فاطر” من الآية “٤٣”، وتَلا بصوته الرخيم بقيّة الآيات حتى نهايتها، بعد الركعة الثالثة والأخيرة انخرط في دعاءٍ طويلٍ خَتَمَه بالدعاء المعروف:
ـ وكِدْ لِمَن كَادَاني، ومَن بَغَى عليَّ بهَلَكةٍ أهْلِكه، مَن أرادَنِي بسُوءٍ فخُذْه، وأطْفِي عنّي نارَ مَن أَشَبَّ نارَه، وأدخِلني في دِرعِك الحَصِين، يا ربّ العالمين. اللهمّ لا تُسَلِّط علينا بذنوبنا مَن لا يَخافُ غَضبَك ولا يَخشاك. اللهمّ احفظَنا مِن شَرِّ أولاد الحرَام، والحُكَّام الظُّلاَّم، ومِن اللّصوص والبَصَّاصين، ومن الوَسْوَاسِين الخَنَّاسِين. اللهمّ اطْوِي ذنوبَنا طَيّ النّسيان، وأنتَ مَولانا ونحنُ عبادُكَ الخَطَّاؤُون، وأنتَ ربي الغفور السّميع العليم.
بين فَينةٍ وأخرى تتعالى لفظة “آآآآآآمِيييييييين” مَمطوطةً من المُصَلّين، مُستجيبةً في جوقةٍ مُنسجمةٍ الترنيم والخشوع، يَتردَّد صَدَاها داخل أذن أبو النور بوعيدٍ خاصّ، فعَرِف أن حاج عمرين يُرسل رسالةً ما، فالتفَتَ حوله ببُطءٍ ليَرَى أن كلّ المُصَلّيين من مُدَخِّني ومُوَزِّعي الحشيش، فأيقن أنه يسير في الطريق السليم. نهض وصلّى ركعتين سريعاً، وخلالهما كانت عيناه تُتابعان فِرَار كل المُصَلّين بخطواتٍ سريعةٍ وفي اتجاهات مختلفة. وحتى لا يُثير شكوك حاج عمرين الذي فرغ من أداء ركعتَي تَنفُّل، قال له وهو يُدير رأسه بالتحية من جهة اليمين ثم اليسار:
ـ حَرَماً يا حاج.
ـ جَمْعاً يا ولدي.
ـ سلام عليكم.
ـ يا أخي ما تَقعُد وتَشرب شاي المغرب مَعانا، ونَلاقي بِيهُو صلاة العشاء.
ـ كَتّر خِيرَك يا حاج، دايماً عَامِر، مَرَّة تانية، والله عندي مشوار.
تَابَعَه الحاج بنظراتٍ مُستريبةٍ، وهو يُحرِّك أصابعه بتوتُّر آليٍّ بين حبّات مسبحته، إلى أن اختفى بدرّاجته عند الناصية المقابلة، وردَّد بصوت عالٍ:
ـ محمّد معانا ما تَغَشَانا. يا ولد!، جيب الشاي سريع.
ترنَّم أبو النور بصَفيرٍ خافتٍ، مُبتهجاً بما توصَّل إليه من حصيلةٍ مُرْضِيَةٍ في أول المساء، وعَبَر سريعاً إلى مبنى السينما. أوقَفَ درَّاجته قُرب حليمة بائعة الفول والتسالي، اشترَى منها قرطاسين ووقف يراقب حركة ساحة السينما التي ابتدأت صفوفها في الانتظام. لَمَح محسن قجّه بملامحه الوسيمة يسبقه عطر لا يكتم سره يفوح من ملابسه الانيقة وشعره المدهون اللامع ، وهو يحاول أن يُغري أحد عُمّال المحالج الغرباء عن المدينة الصغيرة بشراء تذكرة له لدخول السينما مقابل أن يُطفئ له ظمأه الذي لا يرتوي بعد نهاية الفيلم، انتهره الرجل بصوتٍ غاضب:
ـ الله يِقْطَعَك يا خايب!، كَمَان آخْر الزّمن دَايِر تَبَقِّينِي بتاع أولاد؟.
لَم يَتراجَع محسن قجّة، بل واصل محاولاته بإلحاح هامس بين الواقفين في نهاية الصف الطويل، وهو يغريهم بأن معه تذاكر، ويمكن أن يدخلوا مبكّراً قبل أن تُطفئ صالة السينما أنوارها. ضحك أبو النور، وأدار عجلته صوب الأندية الرياضية المتجاورة في وسط المدينة. ترك عجلته أمام بوابة نادي قلب الأسد، وجلس على الكافتيريا، يأتيه صخبٌ عالٍ من داخل النادي حول مباراة البرازيل وإيطاليا في الربع النهائي لختام كأس العالم التي سوف تُجرَى في الغد:
ـ يا أخي دا مُدرِّب عظيم خَلاس، شُفْتُو لـمَّن يدخل لاعب من الاحتياطي، طوّالي يجيب القووون!، التَّقُول بِعْلَم عديل. واللهِ نحنَ ما دام مَعَانا تِلِي سانتانا، ما هَمَّانا.
ـ البِسْمَعَك كِدَا يقول مولود في ريو دي جانيرو!.
ـ لا عاجِبْنِي إنتَ، التَّقول الأب الروحي جدَّك، ولا صوفيا لورين بت عَمّك. خلّيك مع بتاعين المافيا حَقِّينَك دِيل، واللهِ نرُشَّكم رَشّ لامِن تَآمْنُو ذَاتُو. يَاخِي معقول تيم فِيهُو زيكو وايدر، وفالكاو، وجونير، وأوسكار، وإيفالدينو دا يتغَلِب؟!، ودكتور سقراط!؛ دكتور عِلِمْ وفَهَم وكُورَة. واللهِ ما تقُول لَي دفاع الحدْوَة! واللهِ لو جِبْتُو إصطَبْل عَديل ما بِحِلَّكُم، يَمِينْ كانْ بَنِيتُو حِيطَة بتاعة خَرَصان بين الخشَبتين، مَرْشُوشِين، مَرْشُوشِين.
ـ يا زُول هُوْي ألعب بعيد، البرازيل دِي انتهَت زمان؛ مِن زمن ناس بيليه. نحنَ عندنا زووف بِسِدَّها، وباولو روسي بِقِدَّها. باللهِ شُفْتَ باولو روسي عليك الله؟، دَا بَرَاهُو يرُشَّكُم زي الترتيب، الزّول دَا عجيب خلاص، زي وَد الـمُويَة ما بِتْمَسِك، تَلقاهُو كَاتِل ضُلُّو الوَكِت كُلّو، فجأة تَلقاهُ في خَط سِتّة هُو والقُوون وظُوووووووووووط. أحَّيييي أنا!، دا حَرَامِي كُورَة!، دا المُهاجِم الصّاح ولا بلاش، أشارْطَك المرَّة دي حَ يكون هو هَدَّاف العالم.
مَسَحَ أبو النور حُبيبات العَرَق من جبينه، وأنفاسه تتعالى بصوتٍ مسموع، وهو يُشير إلى ود جادين المشغول وهو يدندن بصوت منخفض بتوزيع عددٍ من الأكواب المليئة بالماء البارد على الطاولات المختلفة.
ـ زَايِر ولا غَايِر يا جنابك؟.
ـ جَابْنِي ليك الّصداع، عليك الله ظبِّط لَي فنجان مدَنْكَل من البُنّ المخصوص بتاعك داك.
ـ سُكَّرَك كالعادة أربعه ملاعق؟.
ـ أيوة.
ـ حاجَة تانية؟.
ـ واللهِ الليلة فَلَتَّ مني ببُونْطِ بَسْ يا ود جادين؟.
ـ هاهاها هها.. هييي.. هياااا، دا متين؟، وَكْتَك الكُنْتَ عامِل فيها كاوبوي جنب البحر داك؟.
ـ كُنتَ شايِفني؟!!!.
ـ وهل يُخفَى الـ… جَمَل؟!، دي عليَّ أنا ود جادين الواقع من السَّما مائة وخمسين مرّة؟!، عِرِفتَك من جَبَّادْتَك المَافيها طُعُم أنّك لا جَايينِي ولا جَايي للسّمك!، وكايِس ليك صِيدَة تانية!، إن شاء الله شَرَكَك قَبَض ما طلع فَشُوش ساكت؟.
ـ والله لو ما كُنتَ مُستعجل كنتَ الليلة بيَّتَّك مَتَرْبَس!.
ـ هاها.. باللهِ قُوم لِفْ كِدَا ولا كِدَا!، مَدَرْدَم تِتْدَرْدَق، قَلَبْتَك مِن عَدَلْتَك ما بتَعْرِفها زي الجَلابيّة الأنصاريّة!، ودَايِر تَقبُضني أنا؟، يَمِين الوِلْدُوه أوّل أمبارح في البلد دي بِكُون عارف إنك شَغَّال في المباحث!، هَسَّع فاضِلْ ليك شنُو غير تَعَلِّق يَافْطَة على باب بِيتْكُم وتكتب عليها بالخَط العريض: “ود النور، بوليس سري”!.
ـ ما كَتيرين زَيَّك قبل كِدَا تَرْبَسْتَهُم.
ـ واللهِ هَانَت الزّلابْيَة!، إنتَ ود النور الهَطَلَة دا، تَقْبُضني أنا ود جادين؟، عليك الله بَسْ لو قُمْتَ جَارِي قِدَّامَك، بجِعَبَاتَك السُّمان دِيل المَابِسْتَاهَلَن غير الجَلِد، كُنتَ تحَصِّلْنِي كيف؟.
ـ يا ود جادين امْسِك لسانَك الزي الفَلقة دا عليك، يُومْ بِتَقَعْ في يَدِّي وما بَرْحَمَك.
ـ قُووووول حَصَّلتَني ودَفَرْتك ووَقَعتَ على قَفَاك، تاني البِقوِّمك شنو؟، ما حَ تَقعُد تَفَرْفِر زي أبو القدح. العَسكرية دي نِحْنَ دَخلناها واتدَرَّبنا فيها ودَرَشُونا دَرِش صاح، لكن زي نُوعَك المَدُوعَل دا أصلاً ما لاقاني، التَّقول بوليس مناسبات وعلاقات عامة. واللهِ صَحِي شَقِي الحال هو البِيقَع في القيد!.
ـ ليك يوم يا ود جادين.
ـ أنا عارف إنو تخَاوِي الدَّابِي ما تخَاوِي الكَاكِي!، لكن إنتَ بالذات كان قَبَضْتَني واللهِ، واللهِ، واللهِ أتوب للهِ والرّسول.
ـ تَجِي نحِجّ السنة دِي سَوا؟.
ـ يا زُول هووي العب بعيد! حَج شنُو؟، ومعاك!، أنا ذنوبي ما قَدر دا!.
ـ خَلّينا من الكلام الفاضِي دا، جِيب لَي مُويَة باردة، وخَلِّي ولدَك يجيب لي بَنَدُول من الدكّان.
ـ كان أدِّيتنِي الأمان يا جنابك كُنتَ جِبْتَ ليك حاجَة تانية رَوَّحَت ليك الصداع دا كلّو كلّو، وخَلَّتَك في عالم تاني.
ـ ها.. ها.. ها.. ها.. يِجَازِي مِحَنَك يا ود جادين، ليه أصْلَك عِندَك واحدة وَاوِيَّة؟!، ولا يَاهُو بتاع حاج عمرين النُّصُّو قَشّ وكَزْبَرَة دا؟!.
اهتزَّت يَدَا ود جادين حتى كاد أن يَرمي ما يَحمله من كَبَابِي على الأرض، وسار سريعاً مُبتعداً. التفَتَ ود النور مُبتسماً برضَى صوب طاولة مُراهنات الكُونْكَان، ورأى صبري الحاوي وهو يفَنِّط الورق بطريقةٍ استعراضيةٍ ويسرق جوكرين أثناء توزيعه ورق اللعب:
ـ الله كريمو.. الله رحيمو.. الله كريمو.. الله رحيمو.
ـ بَرَاهُو الليلة حظّنا نَايِم وزي الزِّفت، وما دايرين عَوارض أكتر من كِدَا، يا جماعة الزُّول الشحَّاد دا أنا مسَبِّرُو، العِندُو فَكَّة يدِّيهُو سريع عشان يتخارَج، ما يكْبِسَا علينا زيادة، عَشَرتين طارَن مِنَّنَا.
ـ هاك يا حاج.
ـ الحمد لله يا كريمو.. الله يجيب البرَكة.
تحسَّس أبو النور جيبَه ورَمَى بعملةٍ معدنيّةٍ في إناء الألمنيوم القديم، فأصدر رنيناً عالياً، وطار صدَى أفكاره يُحلِّق مع ذاك الرّنين: “ربما يكون حاج إبراهيم الشحّاذ الأعمى، هو الحاج المقصود، فكل شيءٍ في الحياة جائز. حركتُهُ الحرّة في السوق نهاراً وهو يَتسوَّل من مكان إلى مكان يمكن أن تجعل منه مُوزِّع حشيش ممتازاً. وليلاً أيضاً يكملها بالطواف على الأندية في أول المساء، ويجلس أمام السينما حتى انتهاء العرض الثاني، ويسكن الحيّ الذي يقع في المدخل الغربيّ للمدينة”. الآن ود جادين ينظر إليه شزراً كأنّه جاء إليه في وقتٍ غير مناسب. لا بُدّ أن يراقبه جيّداً في الأيام المقبلة.
نَقَدَ أبو النور ود جادين ثمنَ القهوة والبَنَدول. اطمأنَّ مرَّتين إلى مصباح درّاجته، وتحرَّك بها راجلاً إلى نادي الهلال المجاور. جلس بين المُتحلِّقين حول طاولة الدومينو، وأذناه تَسترِقَان السّمعَ في كلّ الاتجاهات.
ـ يا أخِي المشكلة ما مِن اللِّعِيبَة. يُفترَض نَغلِب تَلاتَة عديل كدا.
ـ طيِّب مِن منُو؟.
ـ مِن المدرِّب الجديد الجَايْبِنُّو من كوستي دا.
ـ يَعني يعمل شنُو أكتَر من كِدَا؟، يلبَس ليهو كَدَّارَة ويخُشّ معاهم؟.
ـ يا أخي دا عامِل فيها مِقَدِّدا، بِتَاع نظريَّات فارْغَة قاطِعها مِن راسُو المَسطُول دا. تِصَّوَّر، عبدو كُنْجَال دا لِيهُو أربعة سنة أحسن لاعب ارتِكاز في البلد دِي.
ـ كُنْجَال دَا ما فِيهُو كلام.
ـ مَحَل ما تَوَدِّيه بِجْضُمَها ليك صاح، وبِمْلأ أيّ خانَة تخُتُّو فيها، بِلْعَب ليك مَانْ تُو مَانْ زي ما الله خَلَقها.
ـ كلامَك صَاح.
ـ والعَجَب طَاقْتُو!، ما بتَكْمَل كلُّو كلُّو!، يلِفَّ ليك الميدان بساق كلب، دا زَي السُورُو بِلِف التسعين دقيقة ما بقِيف!، يِشِيل قِدَّام الدِّفاع، ويهَدِّف مِن بَرَّة الخَط، وبجِيد ألعاب الهواء، عِندُو رأس خَلِّي سَاي، وكُنتُرُولو يا سبحان الله!، بَس الكُورَة دِي التَّقُول مَربوطة بِخِيط في كُرَاعُو عَدِيل كِدَا. يقُوم المُدرّب مِن ربع الساعة الأولى يغَيِّرو، ويقُول لِيك أنا عندي خطّة جديدة، باللهِ قُومْ لِفْ، خطّة جديدة بتَاعَةْ فَنِيلْتَك؟!.
ـ خطَّتو شنُو قال؟.
ـ يا أخي دَا زُول مُتفَلسِف سَاي، ما عِندو خطّة ولا يَحزنون.
ـ كيف الكلام دا؟!.
ـ قال عايز يأدِّب كُنْجَال عَشَان مُتْطَنْقِع!، ما بِسْمَع كَلامُو، وبِحَرِّض اللَّعِيبَة عليهو!.
ـ دا كلام عجيب!.
ـ ما يتْطَنْقَع يَاخْ!، ما بحَقُّو!، مِنُو بِجْضُمها زي السّلامُ عليكم زَيُّو!.
ـ وناس الإدارة قالوا شنو؟.
ـ يا أخي دِيلْ ما بعرِفُوا الكُورَة!، إنتَ قَايِلهم لِعْبوا زَيَّنا في الميادين؟، دِيلْ نَاسْ سُوق، وعَنْقَالَة ساكِت!!.
ـ يَعني هَسَّع لا السكرتير ولا الرئيس ولا حتى مدير الكُورة ما بكُونُوا ناقشوا مُدرِّب الجِن دَا في خطّتو دي؟، ولِيه خَتَّ كُنْجَال في الكَنَبَة مِن بَدْرِي؟، دا هَسَّع لاعب بِغَيِّروه؟.
ـ خطّة شنُو يا أخي القَاطِعها مِن راسُو المَليان دَخَاخِين دا؟!، يرْكَب الأفيال الوَاوِيَّة ويجِي يطَلِّع دِينَّا نِحْنَ دِيل، ويجِيب لِينا الضّغط والسكّري. قال يأدِّبو قال، يا أخي إنتَ أبُوه ولا أُمُّو؟!.
لم يَحْتَاج أبو النور أن يَلتفت كي يتعرّف على أصوات المُتحدّثين، بل سار بهدوءٍ إلى خارج النادي.
***
ـ الله كريمو.. الله رحيمو.. الله كريمو.. الله رحيمو.
سار محسن قجّة مبتسماً بخطواته الراقصة صوب حاج إبراهيم الشحّاذ، بعد أن انتهى العرض الثاني للسينما، وخرج منه بلا غنائم تُطفئ ظمأ ليلته. رَمَى بعملةٍ معدنيةٍ في إناء الألمونيوم، وانتبه إلى خُلوِّهِ من أي عُملات أخرى.
ـ الحمد لله يا كريمو.. الله يجيب البركة.
أمعنَ محسن قجّه في وجه حاج إبراهيم: “لماذا يَدْعُونه حاج إبراهيم وهو لم يَتخَطّ الخمسين؟”.
ـ الله كريمو.. الله رحيمو..الله كريمو.. الله رحيمو.
كرَّر نداءَه بإلحاحٍ أكثرَ من عشر مَرّاتٍ بلا استجابة، وبدأ الشارع يَخلو من المارّة. جمع حاج إبراهيم حصيلته في مخلاةٍ صغيرةٍ وسار وهو يَنقُر بعَصَاهُ على الحصى أمامه بضرباتٍ متوتِّرةٍ وغاضبة، وعندما يسمع أي خطوات تعبر قُربَه يصيح بتنغيمه المألوف:
ـ الله كريمو.. الله رحيمو..الله كريمو.. الله رحيمو.
تخَطَّى الساحة خلف الإستاد، اتّجه غرباً وعَبَر إلى ساحات محالج القطن، التقطت أذناه المرهفتان، إلى جانب أزيز ماكينات المحالج ونقيق الضفادع وصرير الصّراصير، صوتَ خطواتٍ تَتبَعه، توقَّف فجأةً، وبدأ يُنصِت بكلّ حواسِّه وعَصَاهُ مُتأهّبة لأي قتال!. تحسَّس سكّينه على ذراعه الأيسر، ثم تابَعَ سيرَه لخطواتٍ قصيرةٍ، وتوقَّف مرةً ثانيةً إذ تأكَّد له أن هناك مَن يتبعه فصاح:
ـ الله كريمو.. الله رحيمو.. الله كريمو.. الله رحيمو.
لَم يأتِهِ أيّ ردّ، تحسَّس سكّينه مرةً أخرى وتابَعَ سيرَه بخطواتٍ سريعةٍ مرتبكة، وأذنه تُتابع الخطوات الأخرى خلفه:
ـ الله كريمو.. الله رحيمو.. الله كريمو.. الله رحيمو.
تعثَّر بأحد جوالات القطن وسقَطَ على الأرض.
ـ يا ساتر.
ـ إنتَ منُو؟، وعايز شنُو؟، ما تقَرِّب مني واللهِ سِكِّينِي دِي تَابَاك!.
امتدَّت يَدُ محسن قجّه وأمسكه من ذراعه اليُسرى وساعَدَه على الوقوف.
ـ يا زُول مالَك مبَارِيني؟.
ـ مممم…
ـ أنتَ رَبَّاطِي؟، حَرَام عليك!، أنا ما عندي ليك شيء!.
ـ العفو يا حاج، أنا ما دَايِر قروشك، وكان دَايِر قدر العِنْدَك أنا مُستعدّ أدِّيك.
ـ بالجَد!.
ـ أيوه هاك البيان بالعمل، هاك دِي طَرَّادَة، ومُمكن أدِّيك قَدُرا تاني لو…
ـ لو شنُو؟!.
امتدَّت يدُهُ لتأخُذ العُملة الورقيّة، بينما امتدَّت يد محسن قجّه بنعمومة تتحسَّس ما بين فخذَي حاج إبراهيم.
ـ أفندم، سعادتك رسَّلتَ لي؟.
ـ أقعُد يا أبو النور، شنُو حكايتك؟، لَيْ خمسة يُوم ما شَايْفَك؟!.
ـ آآآ..والله يا سعادتك شَغَّال ليل نهار، وقلتَ كان ما جِبْتَ النَّجِيضَة ما بَجِيك، ويوم بُكرة بَس بَضَع النقاط في حروف كتيرة. من البداية أنا قُلتَ ليك أسبوع بنَجِّض الشَّغَلة دي.
ـ لكن أنا مش قلت ليك تَخَلِّينِي في الصورة أول بأول؟، الموضوع دا كبير، ومتَابْعِنُّو ناس المديرية، وبرقيّاتهم تتْطَاقَش كلّ شويّة، آها وَصَلتَ لحَدِّ وين؟.
ـ واللهِ في خيوط قَويّة، بَاكِر الصورة في الغالب تَوْضَح كلّها.
ـ هُوووووووي!، إنتَ عايِز تَعملو لَي مُسلسل ولا شنو؟.
ـ آآآ..العَفُو سعادتك.
ـ إذا ما قادِرْ على الشَّغلة دِي، جَبَّار ومنصور قاعدين، وحركات أفلام الجاسوسيّة دِي ما بتَنْفَع معاي.
ـ فهِمْتَني غَلَط سعادتك، بَس أنا كُنتَ بفَكِّر أجِيك بالنَّجِيضَة، ويوم باكِر حَ يكون حاسم، لكن حَ أقُول لسعادتك أنا وَصَلت وين؟.
ـ مُنتظر عِيزُومَة يعني؟، ما تقول!.
ـ أولاً بالتَّبَادِي حاج عمرين لا تابَ ولا شِتِّين!، بل تِجَارْتُو زادَت ونِطاقُو اتوَسَّع للقُرَى القريبة كَمَان. حِكايَة سجّادة الصّلاة والليلية كلّها عدّة شُغُل جديدة بَس.
ـ كيف؟
ـ الزُّول دَا ذَكِي لامِن غَلَط ذَاتُو! وخيالو واسع، تِصَّوَّر بِخُتّ لِنَاس العَدَّاد اليَومي مَصَاقِيع السيجارة والسجارتين تِحت سجّادة صلاة المغرب والعشاء، بعد الرّكعة الأخيرة كلّ وَاحِد بالرّاحَة بِسْجُد يِخُتّ القروش تحت السجّادة ويِشيل المعلوم!. وناس القُرَى بِشِيلوا الكُوْتَة بتاعَتْهم في الليليه الاسبوعية وسط الدّراويش لا مِن شَاف لا مِن دِرَا، كلّها هِيصَة ف هِيصَة. وسعادتك كانْ عايز؛ ممكن تَقبض عليه مُتلبِّس في السجّادة أو الليليه، أنا جاهز في أيّ وَكِت تَقول عليهو، لكن كُلّ البَنْقُو العِندُو ما من “وَاو” يَاهُو بتاع “الدَّمَازين” داك ذَاتُو، وعِرِفْتَ البِوَصِّلو لِيهو منُو من سَوَّاقِين لوَاري الخضار.
ـ آها، وتاني.
ـ في خيوط مُمكن تَوَصِّلنا للحاج، واحد منها الشحَّاد الأعمى الإسمو حاج إبراهيم داك البِقِيف جَنب السينما.
ـ أيوَة بَعْرِفُو.
ـ والتاني محسن قجّة. والتالت ود جادين القهوجي.
ـ محسن قجّه!، محسن قجّه!، ما أظنّ الاسم دا مَرَّ عليّ قبل كِدَا في لِسْتَة المُجرمين الخطرين ولا بتاعين المخدّرات.
ـ دا ولد بايظ كدا، لو مُتذكّر سعادتك الشهر الفات الجُوطَة الحَصَلت في السينما والنَّشَّال القَبَضُوه ودَقُّوه دَقَّ العيش داك؟.
ـ أيوَة.
ـ دا ما هُو محسن قجّه ذاتو!.
ـ يَعني هو نَشَّال مُحترف، مع شَغَلتُو التانية دِي كَمَان؟!.
ـ هو ما نَشَّال، ولا مُحتاج للقروش ذَاتا، أهلُو مرَطِّبِين وهو وَلدهم الوحيد، بَس اليوم داك كانْ قاصِد يخُشّ السجن.
ـ يَعني كان عايز…
ـ أيوَة.
ـ أعوذ بالله، أعوذ بالله، معقول لكن؟!.
ـ مَعقول سَاي؟، مَعقول ونُص وخمسة كَمَان!.
ـ طيّب، والشحّاد الأعمى دا علاقتو شنُو بشحنة البَنْقُو؟.
ـ أول حاجَة اسمُو الحاج، وتاني حاجَة أنا راقَبتُو كويّس، ليهو تلاتة يُوم بِقَى يمشِي بَدري مع نهاية الدُّور الأول من السينما، ومن سِنين هُو ما بِمْشِي إلا مع نهاية الدُّور التاني ولمّا الشوارع دي كلّها تَفْضَى من جِنس بني آدم، الليلة كانْ مَشَى بَدرِي بَجِيب ليك خَبَرُو. وبَعدين عِرِفتَ من تاجر في السوق، بيجِي يوَرِّد ليهُو الفَكّة عَشَان يمسِكُو ليهو قروشُو في الخَزنة، إنّو بِقَى في الأيّام الفاتت بجِيب وَرَق بَدَل الفَكّة.
ـ وود جادين حكايتو شنو؟.
ـ شُوف سعادتك، ود جادين دا أيّ صنف داخِل البلد جَديد لازم يجَرِّبُو، دايماً تُجَّار البَنْقُو حَقّ التجربة بِدُّوهُو ليهُو مَجَّاني، عَشَان هُو دِعاية مُتحرّكة، ولِسَانُو مُتْبَرِّي مِنّو، لا بِخْجَل ولا بِخَاف، بِتْكَلَّم سَاي، وبِجْذُب لِيهُم الزَّبايِن لمّا يتكَيَّف شَديد وتظَبِّط مَعَاه. وأنا المَرَّة دِي حَالِف لِيهُو ومُرَاقْبُو مُراقبَة شديدة لحَدِّ ما أجِيب خَبَرُو، وخَبَر عصابة الدَّامَا دي كِمَان.
ـ تاني في حاجَة؟.
تردَّد أبو النور في أن يُخبرَه بخيطه الأخير والأهَمّ؛ الذي سوف يَقودُهم إلى بت المَك، بعد أن تابَع مدرّب نادي الهلال الجديد بالنهار، وعَرِف أنه يَشتري كلّ كمّيته من البَنْقُو من بيت زينب بت الجاك عشيقة مديره، واستطاع أن يَعرف أيضاً من أصدقاءِ المدرّب المُقرَّبين أنّه يأتي بصنفٍ جديدٍ وغريب.
ـ هُوووي، سَرَحْتَ وين يا أبو النور؟.
ـ مَعليش سعادتك، بَس أمبارح كُنتَ مساهِر شويّة، لكن يوم باكِر بَجِيك بالنَّجِيضَة.
ـ إنتَ متأكِّد إنك ما محتاج لمساعدة جبّار ومنصور؟.
ـ لا سعادتك، لو احتجتَ ليهم حَ أقول ليك.
ـ طيِّب أشُوفَك بُكره هِنا السّاعة تمانية صباحاً.
ـ حاضر يا أفندم.
رَسَم المدير على ورقةٍ أمامه عدد من المربّعات، وكَتَب على الأول “حاج إبراهيم الشحّاذ الأعمى”، وعلى الثاني “ود جادين القهوجي”، وعلى الثالث “محسن قجّه”، وعلى الرابع “حاج عمرين” وَضَع اسم “ود النور” على المربع الخامس، إذ يَنتابه إحساسٌ قاطعٌ بأنّ أبو النور يُخفي عنه شيئاً، وأنّه لم يُخبره بكلّ المعلومات التي يَعرفها. سريعاً وَضَعَ “علامة الصّليب” على كلٍّ من مُربع “حاج عمرين” “ود جادين القهوجي” “ومحسن قجّة”.
ـ يا جبَّار.
ـ أفندم.
ـ عايزَك تَقْطُر لَي ود النور نهار ليل، مِن هَسَّع لحَدِّ بُكرة الساعة تمانية صباحاً، ما تخَلِّيهو يحِسّ بيك، وإذا عِرْفَك مُتابْعُو اتصَرَّف.
ـ حاضر يا أفندم.
ـ نادِي لَيْ معاك منصور.
انشغَلَ المدير بمراجعة بعض الأوراق التي أمامه.
ـ سيادتك عايِزْني؟.
ـ أيوة يا منصور، إنتَ من البلد دِي؟.
ـ أيوة سيادتك، إتولَدتَ هنا.
ـ يَعني بتَعْرف أغلَب الناس هنا.
ـ سيادتك أيّ زُول مولود هنا بِعْرِف البلد كلّها بيت بيت وزُول زُول.
ـ بتَعرِف عمّك الشحّاد الأعمى الاسْمُو حاج إبراهيم داك البِقعُد جنب السينما؟.
ـ أيوة سيادتك!، دا مَافِي زول ما بِعْرِفُو!.
ـ عايزَك تتابعُو لي مِن بيتُو من الصبَاح ولحَدّ ما توصِّلو بيتو بالليل، وتجيب لي اسم أيّ زول يقرِّب منّو، حتى البِدِّيهُو صَدَقة تجيب لي اسمو.
ـ حاضر سيادتك، في حاجه تاني؟
.ـ زي ما قلت ليك تخليك وارهوا اليوم كلو، لكن إلا إذا شفت أبو النور متابعه انسحب من المكان من غير ما يحس بيك، واقُطُرهم الاتنين من بعيد!
ـ حاضر سيادتك.
تعَطَّر أبو النور بعطرٍ جديدٍ اسمه “رُومبا” وهو يُدندن بلحن “المِهِيرة” أمام الـمَرأة ويَرقص بنشوةٍ وهو يَهزّ ردفيه باستماع، وتأكَّد من أن منديله الأبيض مُثبَّت فوق ياقةِ قميصه الأزرق الغامق. وسار بخطواتٍ واسعةٍ إلى بيت زينب الجاك.
ـ مَرحَبتين، الليلة القَشَّ ليك الدَّرِب منو؟.
ـ إزَّيِّك، يا الكُلّ الناس ما زَيِّك.
ـ هاهاهاها، والله إنتَ لسانَك دا حَ يوَدِّيك النار عديل كِدَا.
ـ حَدّ يلقَى جنَّة زيِّك قِدَّامُو يقْعُد يفكِّر في النار؟.
ـ طوَّلتَ ما شُفتَك، وين الحَي بِيك، سِمِعتَ ولاّ جابُو ليك؟.
ـ لا واللهِ طوَّالي في البال.
ـ يعني ما مُشتاق لينا ولا شنو؟.
ـ مِن هنا وجاي يظهَر إنِّك ح تشُوفِيني كتير.
ـ خير.
ـ خِيرين ونُص وخمسة.
ـ عندي بت صغيرة جديدة تستاهَلك؟.
ـ لا أنا الليلة دايرِك إنتِ في رَقبتِك.
ـ هَي يا ود النور، إنتَ جَنِّيت ولا شنو؟، ما بتَقْدَر علَيّ إلا إذا كان كِيسَك مَليان وجِيبَك عمران.
ـ لا الليلة حَ نَقلِب الآيَة، إنتِ الـ حَ تدفعي لي.
ـ هاهاهاها، طَوَّلتَ من هُظَارَك اللّذيذ دا.
ـ أنا جَادِّي.
ـ هَسَّع مالَك صَرِّيت وَشَّك كدا، نِحْنَ البِجِينَا هنا يفَرْفِش ويضرَب الهَمّ بالفرح.
ـ أيوة على سِيرة الفَرْفَشَة دي، قاعدة تبيعِي كم سيجارة خَدْرَا في اليوم؟.
ـ أَجِي يا ود النور؟، الحالَة ما شِرِبتَ أيّ حاجَة، بِقِيت بتَسْكَر بالشَّم سَاي وقُبَّال الوَاطَا ما تمَغْرِب؟!.
ـ مَا تَقْعُدِي تلِفِّي وتدَوِّري كتير يا بت الجاك، البِيَاكُل بَرَاهُو بِخْنَق، أنا عايز حَقِّي كاش؟.
ـ يَعني شنو؟.
ـ من الآخِر كدَا، أيّ سيجارة، أيّ قَنْدُول تَبِيعِيه، أنا لَي فيهُو التِّلِت.
ـ إنتَ عارف البِجِي باللّيل البيت دا منُو كلّ يوم؟.
ـ إنتِ قايلاني شَغَّال سَلاَّق بيض ولا شنو؟، طبعاً عارف!، ودا الغُطَا بتاعِك يا ظَريفة، هو مغفَّل قايلِك بتحِبِّيهُو لسَوَاد عيونو، وما عارف تِحت السَّوَاهِي دَوَاهِي، هُو حارسك هنا، ويفَتِّش لبت المَك برَّة وقالِبْ عليها الدّنيا. لكن كَيد النساء دا أنا بَعْرِفُو كويّس، كانْ بالحرام ولا بالحلال كُلَّكن واحد، ما مَضْمُونات. أنا مُمكن أوَدِّيك في سِتّين داهيَة هَسَّع، أمر القبض والتفتيش في جيبي، لكن أنا قُلتَ يا بَخت مَن نَفَع واستَنفَع، آها قلتِ شنو؟.
ـ ما في مشكلة، بَس خَلِّيني يوم يومين اتصرَّف.
ـ أنا دَايِر حَقِّي من هَسَّع، وبأثَر رَجْعِي كَمَان، شُوفِي أيّ قروش عندِك هَسَّع أدِّينِي ليها كُلّها، عارف بتدِسِّي قروشِك وين!، أعملي حسابك ود النور تَفتِيحَة، ما زي مديري الغَاشَّاهُو.
ـ قروش شنو البِدِسُّوها في البيت؟!، مال البنوك دِي عملوها لشنو؟.
ـ يَعني هَسَّع دَايِر تَقنِعيني أنّو حُفرة الدّخان البُرْمَتها جَديدة في طَرَف الأوضَة دِي قاعدة تتدَخَّنِي فيها؟. يلاّ سريع، أدِّيني الفيها كُلّو ولا…
ـ لا لا خلاص، دقيقة بس، هاك.
ـ دِيل كَم؟.
ـ تلاتة ألف جنيه، وقويشَات وكرسي جابر، يمكِن يجِيبَن ليهِن زي رطل ونُص كدا.
ـ كلّ أسبوع زي المواعيد دي أنا حَ أجِيك، وألقاك جاهزة لَيْ بالقروش، ومتدَخِّنَة كَمَان. الليلة عَفِيتك مِنّي لأنّي مُستعجِل.
وَقَف جبّار ينتظر على مسافةٍ بعيدةٍ من بيت زينب الجاك، ويَضرب أخماساً في أسداس، ويتساءل بِحيرة: “ماذا يَفعل ود النور في مثل هذه المواعيد في بيت زينب بت الجاك؟، ربّما يَبْقَى حتى ما بعد منتصف الليل”. ماذا سيفعل هو طيلةَ هذه المدّة؟، هل ينتظر في هذا الشارع؟، أم يذهب ويرتِّب لسهرته مع أصدقائه؟. وصيّة مديره واضحة جداً بأن لا يَغيب ود النور لحظةً عن عينيه حتى الغد. انتبَه جبّار إلى ود النور وهو يَخرُج مُبتسِماً ويَحمل لفافةً ورقيّةً في يدِه اليُسرى، وجيوبُه أكثر انتفاخاً. تَبِعَهُ من بعيد وهو ما زال في حيرته.
ذَهَب أبو النور أوّلاً إلى نادي الهلال، وجَلَس بين شلّة الدومينو لما يقارب الساعة، ثم ذَهَب إلى نادي قلب الأسد وتناوَل كوباً من الحليب الدافئ مخلوطاً بالحلبة. وبعدها سارَ مُتهادياً تُجاه السينما، وقد بدأ روّاد العرض الأول في الخروج أفواجاً وجماعاتٍ مسرورة. توقَّف يراقب حاج إبراهيم الشحّاذ، إلى أن بدأ يَطوى بعَجلةٍ القطعةَ الصغيرةَ المُتّسخة التي يجلس عليها.
ـ الليله ملك بِتتحَوام لحد هسع، ما دائما بتنوم بَدري؟
التفت منصور مذهولاً وهو يحدق في بلاهة في وجه أبو النور
ـ أبداً والله كنت في السينما، اتفضل اتعشى معاي
ـ شكراً بالهنا، يا الله تصبح على خير
سار منصور في الإتجاه المعاكس بخطوات سريعة مبتعداً من أبو النور حتى لا يفتضح أمره.
سار مَهموماً تتقدَّمه عَصَاهُ المُتوتِّرة. لم يُحِس بخطوات أبو النور الحَذِرة خلفه، عندما توقَّف في ركن ساحة المحالج في المكان الذي أصبح يَنتظر به يومياً.
تساءل حاج إبراهيم: “لماذا تأخَّر محسن قجّه؟، لقد قرَّرتُ أن يكون هذا آخر يوم له؟ لَم يكن حاج إبراهيم يعرف بان ليس هناك مَن هو أسعد من محسن قجّه في ذاك المساء، فقد عَلِمَ أنّ صديقَ عمره مرتضى قد تم ترحيله من السعوديّة لعدم حصوله على أوراق الإقامة الرسميّة بالمملكة، وَصَل البلد صباح اليوم، فسَعى إليه بشوقِ عامٍ كامل. وحكايات كثيرة، وأشجان عامرة بالحنين استعادا بها أيامَهما الماضية من جديد.
“.
أبو النور همس لنفسه: “مَن هو زبون حاج إبراهيم الذي أصبَحَ يَذهب مِن أجله يومياً مبكّراً؟، لا بُدّ من سِرٍّ في هذا الأمر؟”. أما الحيرة الكبرى فقد كانت تَدور بخلد جبّار، الذي لا يَعلم لماذا يُراقِب أبو النور بالضبط!،وهل أرسلَه مديره لمراقبته من أجل أنه يراقب حاج إبراهيم؟!.أما منصور فقد كانت حيرته مركبة، هل ارسله مديره لمراقبة حاج إبراهيم بينما هو يعلم بأن أبو النور يراقبه، وهل يحتاج هذا الأعمي لأكثر من شخص لمراقبته؟! ثم لماذا جبار يتابع ابوالنور وحاج ابراهيم؟!
تَحرَّك أبو النور بخطواتٍ مسموعة.
ـ الله كريمو.. الله رحيمو.. الله كريمو.. الله رحيمو.
ـ إزَّيَّك يا حاج.
ـ مالَك أتأخَّرتَ كدا؟.
ـ أصْلُو…
ـ صُوتَك دا مالُو مُتغيِّر كدا.
وَضَع أبو النور منديله على فمه وعطس عطساتٍ متتالية.
ـ أصُلُو عندي نَزْلة شديدة.
ـ يَعني الليلة ما دَاير؟.
ـ دا علاقتو شنو بالنَّزلة!.
ـ يا أخِي أنا ضَميري ما مُرتاح لشغلتك دي.
ـ كيف يَعني؟.
ـ أنا سألتَ لَيْ زُولْ قريبنا فَكِي، وقال لَي الشّغلة دي لمّا تتم عرش الرّحمن كُلّو بِهْتَزَّ. عَشَان كِدَا أنا ما حَ أقْدَر…
ـ يا حاج خلاص آخر مرّة.
ـ إنتَ ريحتَك دِي مالها غريبة كِدَا الليلة؟.
ـ مُستعمِل لَي ريحَة جديدة، ما عَجَبَتك ولا شنو؟.
ـ تَعْجِبني ما تَعْجِبني ما عندِي بيها غَرَض تاني، أنا زُولْ مِسكين وعلى باب الله، وما مُرتاح للحكاية دِي، وضَميري معذِّبني عذاب شديد، نُوم ما قادر أنوم بالليل!، كان غَمَدْتَ غَمْدَة صغيرة الهَلاوِيس ما تَدِّيك الدَّرِب؛ مَرَّة دَابِي كَبير يمْسِكنِي ليك من مَحَلّ الأذى دا ذَاتُو ويخْفِس بَي لسَابع أرِض، ويرَجِّعنِي تاني ويرْمِينِي في بَحَر دَم يغْلِي وبُخَارُو يلْوِي!، ومَرّات أسَد يقَرْقِشْنِي ليك عَديل كدا!.
ـ إنتَ حَصَل ليك شنُو يا حاج؟، إذا مُحتاج زيادَة قروش أنا مُمكن أدِّيك زي ما إنتَ عاوز.
تردَّد حاج إبراهيم وتَنحنَح مثل مَخنوقٍ، وأردَفَ بعد صمت:
ـ خلاص جِيب جِنِيهين، دِي آخِر مَرَّة. تاني سَلام الله ما يكون بِينَاتنا.
سبح حاج إبراهيم في ظلمةِ عوالمِ كوابيسَه المُرعبة و تتدافعت كلها الى رأسه الذي صار يغلي مثل هدير ماكينات حليج القطن، وصار صداها يتردد حوله مثل دوامات من الوخز والضجيج تعصف به. وكاد رأسه ان ينفجر.
أدخَلَ أبو النور يدَهُ في جيبه، سريعاً امتدَّت يَدُ حاج إبراهيم وعاجَلته بطعناتٍ عشوائيّةٍ سريعة على صدره وعنقه وبطنه، فخَرَّ صريعاً.
ـ ثابِتْ عِندَك!، ثابِتْ عِندَك يا زُول!.
تَحَسَّس جبَّار عُنق أبو النور فوَجَدَه قد فارَقَ الحياة، وتَشَتَّتَت قُربَه أوراقٌ نقديّةٌ كثيرة يَعبَث الهواء بها، وحاج إبراهيم يُردِّد مثل المَمْسُوس وهو يَتخبَّط ويَتعثَّر لا يدري إلى أين يَسير:
ـ خلاص كَتَلتُو وارتِحْتَ، خلاص كَتَلتُو، وارتِحْتَ مِنّو.
مثل خيال المأته حين تقتلعه الريح، تهاوى حاج إبراهيم على الأرض غائباً عن الوعى.
تَلَفَّتَ جَبَّار في كلّ الاتجاهات، ثمّ جَمَع كلَّ الأوراق النقديّة المُتطايرة، وتَحَسَّس جيوب أبو النور وأخرَجَ المزيد منها وحمَل اللّفافة الذهبيّة ومضَى سريعاً بانفاس لاهثة . التقطت اذنيه صوت خطوات تتبعه بحذر ، تحسس مسدسه وإلتفت:
ـ منو!! منصور!!
ـ ايوه يا حبييييب! فيِفتِي، فيِفتِي.سرك في بئر!

بيرث/ استراليا،30 ديسمبر 2013م
*من كتاب مِثـلمَا يَنـامُ الضَّـوءُ بَعِيـدَاً،مُنمّنمات حِكائيَّة، دار النسيم للنشر والتوزيع القاهرة 2014م.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى