آخر الأخبار

حريق المحالج سنة 1951 و آثار قوز كبرو :من مذكرات المفوض الانجليزى بالحصاحيصا ( بقلم د خالد عبدالقادر تاج الدين)

الكاتب د خالد عبدالقادر تاج الدين

الكاتب د خالد عبدالقادر تاج الدين

عمل السيد/ غلين كايرن بالفورباول كنائب مفوض و مفوض عام بودمدنى و رفاعة و الحصاحيصا والفاشر و ذلك في الفترة من عام 1946 و حتى عام 1954م. وقد كتب مذكراته بالمناطق التى عمل بها بسفره المعنون:
Bagpipes in Babylon: A Lifetime in the Arab World and Beyond
وقد اورد فيه بعض التجارب التى مر بها و الكتاب يحوى العديد من الطرائف و التى من ضمنها انه كان بود مدنى عندما تم التوقيع على البروتكول بين رئيس الوزراء المصرى صدقى باشا و ارينست بيفين عن بريطانيا في عام 1946م الذى يختص بالعلاقة بين السودان و مصر. فسير بعضهم مسيرات مدفوعة القيمة لتأييد الوحدة. فحكى ان قائد المسيرة كان يهتف :”عاشت وحدة وادى النيل” و ان الجمهور ولجهله بالامر كان يردد وراءه “عاشت وحدة نادى النيل”.
قرأت كتابه اعلاه و قد اعجبتنى بعض الاجزاء منه و لقد قمت بترجمة بعض ذكرياته عن الحصاحيصا والتى من الممكن ان تلقى بعض الضوء على تاريخ المدينة. و اتمنى ان تتاح لى فرص اخرى حتى اشرككم بالعديد من النصوص التى تتناول تاريخ السودان ككل

السيد/ غلين كايرن بالفورباول كنائب مفوض و مفوض عام بودمدنى و رفاعة و الحصاحيصا والفاشر و ذلك في الفترة من عام  1946 و حتى عام 1954م. وقد كتب مذكراته بالمناطق التى عمل بها بسفره المعنون:

السيد/ غلين كايرن بالفورباول كنائب مفوض و مفوض عام بودمدنى و رفاعة و الحصاحيصا والفاشر و ذلك في الفترة من عام 1946 و حتى عام 1954م. وقد كتب مذكراته بالمناطق التى عمل بها بسفره المعنون:

ما يلى هو مقتطفات لاهم النقاط التى ذكرها بكتابه عن الحصاحيصا:

* تقع رئاسة مركز منطقة شمال الجزيرة بمدينة الحصاحيصا. ليس بالمدينة شيئ ممتع لكنى و بعد ان تعودت عليها و جاء امر نقلى لدارفور وددت لو كان باستطاعتى ان ابقى بها.

* كان الطواف على المدينة واحد من تقاليد الامبراطورية لاشاعة النظام. فكنا نطوف على شوارع المدينة مرة في الاسبوع و ذلك لتفقد حالتها و نظافتها و ذلك في موكب طويل على ظهور الاحصنة يضم كل موظفى الحكومة. فاذا فشل احد الاشخاص في الالتزام بنظافة المنطقة التى امام منزله كنت اصيح بمساعدى السودانى خلفى لكى يامره بالالتزام بالنظافة وكان مساعدى يعطى الاوامر للمامور خلفه و الذى بدوره يمرر الامر لرقيب الشرطة خلفه والذى يصيح برجل شرطة يمشى اخر الموكب. حين يصل الامر لرجل الشرطة في المؤخرة كان يكون من الصعب معرفة الشخص مرتكب المخالفة و نوع المخالفة نفسها و لكن باى حال كان رجل الشرطة يقبض بنهاية الامر على شخص ما و كانت الامبراطورية تتقدم بهذه الصورة. مهما كانت مساوئ و عيوب ذلك النظام الا ان شوارع المدن السودانية كانت انظف من شوارع لندن.
* كان هناك ملمح اخر مثير للاهتمام بنظام الامبراطورية الا وهو النظام القضائي حيث كان المفوض يتعامل مع القضايا التى تم النظر فيها بواسطة المحاكم الاهلية و تم تحويلها له و ذلك لان عقوبتها تتجاوز التفويض الممنوح لرجال المحاكم الاهلية. الغريب في الامر ان المحاكم الاهلية ليس لديها قانون مكتوب و تعتمد على الاعراف والتقاليد و كان المفوض الانجليزى يطبق قانون عقوبات السودان. حيث يختلف النظامين لا سيما فيما يتعلق باداء القسم و الحلف حيث يتطلب قانون عقوبات السودان ان يقوم شهود الادعاء والدفاع باداء القسم قبل سماع افاداتهم بينما يتم سماع القضية بالمحاكم الاهلية اولا و من ثم يحدد الطرف الذى يشك بصدقه ويعطى الطرف الاخر حق طلب اداء القسم منه. و قد كان اداء القسم والحلف يتم على المصحف او بشئ له قداسة مثل قباب وقبور بعض الرجال الصالحين. و يواجه الذين يطلب منهم الحلف بخيارين اما سحب افاداتهم او مواجهة العواقب الوخيمة للحلف الكاذب. في احدى المرات طلب من احدهم الحلف بقبة احد الصالحين والذى يقع قبره على بعد 90 ميلا بالضفة الاخرى من النهر و كما جرت العادة اصطحب رجال من البوليس الطرفين للقبة. و قد اخبرت لاحقا ان الشخص الذى كذب سقط ميتا على الفور بمكانه. لم يندهش احد للواقعة. كان يبدو لى ان القانون العرفى اكثر قدرة على اثبات الحقيقة من القانون الذى اقوم بتطبيقه بمحكمتى.
* باحد ايام الجمعة و كنت اعمل بمكتبى على غير عادتى بايام الاجازات حضر ضابط البوليس نورالدين و هو يحمل برقية كان قد ارسلها للتو لحاكم المديرية يهنئه فيها باعياد الكريسماس الذى يحل نهاية العام بالرغم من اننا كنا بشهر اغسطس. لحسن الحظ لم يتم فصل نورالدين لانه كان قد استثنى مدير البوليس السودانى من تلك البرقية. عمل نورالدين وزيرا بعدة وزارات بعد الاستقلال و قد كان ذلك حتى زيارتى له بمنزله بالخرطوم بحرى في عام 1978.
(اظن انه يقصد الوزير محمد نورالدين وزير بوزارات الصحه و الاشغال والحكم المحلى الاسبق)
* بظهيرة يوم 4/4/1951 اشتعلت النيران بالالاف من بالات القطن بفناء المحالج الذى يبعد 150 ياردة من منزلى و بعد منتصف الليل بوقت طويل كتبت ما يلى لزوجتى مارنى اصف لها ما حدث:
لقد ضاع ربع دخل السودان السنوى لهذا العام. لقد حضرت فرق الاطفاء بسرعة من عدة مدن بعيدة بما فيها الخرطوم. تجمع حوالى 2000 من السكان المحليين و المئات من رجال البوليس السودانيين و 50 من الجنود البريطانيين – و الذين كان يعملون بنظام شديد رغم الفوضى التى سببها الدخان.
كنا ساعة بعد ساعة نقوم بدحرجة اكياس القطن الضخمة بعيدا عن السنة اللهب حتى تدلت السنتنا من افواهنا واحمرت اعيننا بسبب النار و الدخان. كانت هناك “هبوب” قوية تقذف بالشرر لمسافة 150 قدما.
بعد 12 ساعة من عمل البلدوزر الوحيد بالمنطقة بصورة متواصلة صاح بى قائده و هو شاب صغير من لانكشير و كان هادئا جدا وهو يقف امام موقد البلدوزر و يدخن سيجارة لا تفارق شفتيه قائلا “هل ستلعب الكريكت يوم الجمعة؟” ثم اختفى مرة اخرى مواصلا عمله بين السنة اللهب.
اصيب سائقى على اصابة مباشرة بعينه و ذلك بعد انفجار انبوب قطره اربع بوصات و رايته و هو يحمل بعيدا. ضابط البوليس حامد لم يجد ما يشربه حتى منتصف الليل فجررته معى لمنزلى. اخبرنى مساعدى على حسن انه راى مجموعة من عاهرات الحصاحيصا و هن يعملن بجد معنا لابعاد جوالات القطن. كان منزلى مليئا باناس من مختلف الالوان يغسلون اعينهم و يعبئون زجاجات الماء ثم يهرولون عائدين لمكافحة الحريق طوال الليل.

* اثناء عملى بالمدينة غزت فرقة من الفلاتة القادمون من نيجريا و الذين كانوا يحضرون للسودان للمشاركة بحصاد القطن منطقة الحصاحيصا. ففى منطقة على بعد 25 ميلا ناحية الجنوب قام فلاتى طويل واسود الشعر و باصابع اقدامه تشوه غريب باخذ جنيهين ورقيين و دبوس من الذهب من سيدة كبيرة السن واعطاها مقابل ذلك 7 جنيهات و دبوس اكبر من الذهب. وعندما استيقظت في الصباح وجدت ان الجنيهات تحولت لورق عادى و ان الدبوس تحول لورقة عليها رسم بالطباشير لزهرة الماريغولد.
*بعد عدة ايام تم القبض على فلاتى اخر وباصابع اقدامه تشوهات مماثلة الا انه اقصر و شعره ابيض وذلك بعد تحويله لقطع من ورق الحمام لاوراق نقدية من فئة الجنيه سرعان ما تختفى بعد مرور زمن وجيز مقابل 5 قروش (شلن) بكل مرة.
* بقرية ثالثة تم رفع تقرير عن فلاتى ليس باقدامه تشوهات و ذلك بعد ان شوهد وهو يخرج شلالات من النقود من الجدار بعد ضربه باصبعه وقام ايضا بالاتفاق مع احد التجار لتحويل 5 علب سجائر بها رمال لذهب مقابل مبلغ بسيط. تم تعبئة الصناديق و وضعت بخزانة التاجر و ذلك بانتظار اكتمال تحولها لذهب بعد ثلاثة ايام و في اليوم الثانى اختفى الفلاتى.
*الفلاتى الوحيد الذى تم القبض عليه هو الفلاتى في القصة الثانية و قد حجز بالسجن من دون محاكمة لانى لم اجد اى مادة بالقانون الجنائي يمكن ان اعاقبه بها.
* كنت باوقات فراغى ابحث عن الآثار بالمقابر القديمة بمنطقة قوز كبرو و كانت تنتشر على تلال رملية متناثرة هنا و هناك تكسر رتابة تربة القطن الطينية. كانت الهياكل العظمية التى عثرت عليها محاطة بجرار فخارية و الحجارة التى تطحن بها الذرة (مرحاكة) و كانت على اعناقها سلاسل للزينة مصنوعة من بيض النعام و بشفاهها كانت توضع اقراص مستديرة من الحجر لتزيينها واطالتها.
* عثرت بالموقع النهرى باربجى على قطع من غليونات حجرية مزخرفة كان يستخدمها الفونج لتدخين التبغ و معها قطع من السيراميك تعود لفترات تاريخية مختلفة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى