آخر الأخبار

لأجيالنا القادمة .. بعد أن راحت علينا

تماضر
بقلم / تماضر الحسن
طبيبة – بريطانيا

أوقفت العربة ولم أنزل ..
الساعة الخامسة مساء … ليل ثقيل كطعم الحزن جاب عيالو وعشش في سمانا من عصراً بدري … ليل لم يُر فيه قمر … كثيف رطب بارد لزج … ريح تصفر بين الشجر ونباح
كلب بعيد … أنين إطارات السيارات في الشارع الرئيس تتناغم مع صوت القطار وصافرته التي تذكرني بداخلية البنات في كلية الطب وغرفتي التي تطل علي الصَنَفور تحديداً …. أحدهم يخطو في الطريق لوحده يدندن لحن يقطعه بصفارة شترا … جلست وصوت “عوض الله بشير” يأتي حالماً كالحجى في زمن أندى من خد العروس … صداحاً برائعة القدال: انت في ليل الخوابي تهاتي بناس الطوابي ..
إختلط هذا السحر بهدير المحرك وصوت الهواء الساخن المنبعث من المُكيّف المسكين الذي لم يفلح في تبديد الغباش من الزجاج الأمامي فزاد من ضبابية الصورة وقتامتها ومن إعتمال أسي مدفون في الحشا … أسى لم تجدي معه كل محاولات التداوي فهو لايفارقني ولايريد أن يهجع ..
شرد مني عقل وتململ مني فؤاد وإرتصّت كريات دمي زي بنات الحفلة… حفلة بالرق وعلي ضوء الرتاين ..ممسّحات سمراوات خداً مشلخ وخداً سادة ….. متغنجات نايرات متّشحات بالفتنة ومليانات بالتوقع …
هفت روحي …ورقّت
صارت أرهف من السبيبة وأحدّ من نصل الخنجر … ملاني الحنين وإرتشح .. …
باكر الجمعة .. يوم الجمعة يا يوم عيد المسلمين
عيد هناك
هناك عندهم
بخور امي العبق في الصباحات البهيات النديات … بخور يختلط بهمهماتها الخافتات وهي تتلو صلواتها والصبح طفل في مهد … صينية الشاي باللبن المقنّن الذي يفوح عبيره الأخّاذ من مسافة كذا وكذا …. وملاياتها التي لكل واحدة منها مناسبتها وذكرياتها….. الموردات ديل لمن جاء ابوكن من الحج … والمشغولات ديل لمن سافرنا عطبرة … اما ملايات الكانون فحقات نجاح ( معز ) وهكذا
حالة التأهب الدايمة لضيف يأتي حين غرة ولم يخذلها قط … لابد ان يأتي احدهم قريب او غريب كالقريب . امي التي يخطو قلبها قبل قدمها عشان يطايبك ويحضنك … توبها المكوي ومكسّر .. صينيتها العامرة والشعيرية ام دهنا للكوع…. رنين جرس الباب … السلام والمقالدة والتكرّف … والعيون الملانة حب … قهقهات تشق صمت لامكان له في بيت امي .. حنين ومحنة كغيمات تهمي بلا انقطاع
سمعت صوت بطني …فأنا علي لحمها منذ الصباح
اعرف ما الذي يكون في إنتظاري من أكل .. مجرد تذكّره جعلني اشعر بالغثيان … طعام غريب الملامح وبلا طعم
اود ان آكل شيء حقيقي
إنطلقت لمطبخي الصغير … وأخرجت عجين حامض احتفظ به ككنز في آخر رف … وصاج أفتخر بامتلاكه .. شاهد علي كل ( خيابتي) الزمان الي ان اصبحت أجدع من عوّاسات سوق الشجرة المسكونات بالنضال في وجه الزمان الشين ..
كِسرة ..
عُست كم طَرَقة بسرعة البرق … وحذاء البوت يضغط على أصبعي الكبير يُدميه
وعملت أحلي ( عجنه) في ذلك الليل البارد الكئيب….طماطم . …شمار وزيت سمسم وشوية كسبرة من التي كانت أمي تصر على إرسالهم مع كل قادم لي في هذا الصقيع مشفوعات بمحبتها ووصفاتها المدهشة لصناعة كل مالذ وطاب …. وتأكيدها الدائم أننا منحدرين من أسرة (مفراكها طاعم) .. لذا، من العار ان أشذ انا عن هذة القاعدة.
جلست أنا وبناتي نحتفي بهذة العجنة … البنات فرحوا أنو الله حلّاهم من الأكل المسيخ … عجنة اطعم و احلي مايكون .. تشبّعك وترحمنك وتقوتك وتيقّنك وتطامن قلبك الشقّاهو الحنين.
ديل نحنا السودانيين المعجونين بمحنة والمعمولين بجمال وببساطة …السودانيين الخيّرين الطيبين …..محل مانمشي عاملين زي مجرى السيل يسده التراب ويغير تضاريسه الزمن بس خلي السيل يجي … سيل يتدفق من مجرد هبوب ريح الذكرى من تالا الحبايب .. وينفتح المجرى بذات العنفوان والأزيز والتوهّج.
هناك شيء حدث لهذة التركيبة الفريدة لذوي البشرة السمراء والقلوب التي تشبه الدبلان.
كم مرة سألت نفسي ( كم لبثت) وانا أري أو اسمع اشياء لا تتسق وتلك الصورة الحبيبة الجميلة … ردود أفعال لاتشبهنا … لاحظت أنه صار بنا عنف لم أعهده فينا من قبل .. غِلظة وشراسة وإنفعال أهوج …
مؤخراً تداولت الوسائط الاجتماعية فيديو لحرامي لازال نُواحه يتردد في أذني وهو يستجدي الرحمة ممن قاموا بتعذيبه … ظلوا يسومونه سوء العذاب لساعات يذبحون إنسانيته ويستحيون كرامته كبني آدم له ذات القلب والوجيب واللسان والانتماء … وهؤلاء القوم إستمروا في فعلتهم تلك وبعضهم يضحك ويستعمل الفاظاً نابية أقبح من فعلة الحرامي نفسها متناسين تماماً ان هناك قانون يلجأون اليه وان هذة شريعة غاب بكل المقاييس.
أسقطوا علي هذا الولد البائس كل إحباطهم وألمهم وزهجهم وقلة حيلتهم وإبتكروا وسيلة للانتقام منه لا علاقة لها لا بأخلاق ولا انسانية ولا نبل سوداني نعتز به ونسوق له ..
تأرجحت ردود الأفعال في الأسافير .. منهم من ادانه … ومنهم من تعامل مع هذا الحدث كأنه شيئ عادي، وان الطريقة التي عومل بها اللص معروفة وهو بالطبع يستاهلها وان التعذيب بالشطة معروف وقديم قدم (المحفضة)…
لم يستهجن الناس الذين وقفوا او اتفرجوا .. ومن لم يستهجن هذة الفعلة النكراء من البالغين و (اذا كانوا راشدين ) اصلا موضوعهم منتهي والبقت بقت ولايجدي الحرث في البحر والدخلهم دخلهم.. ومصيرهم الي انقراض …. فكرت في الاطفال الذين كانوا حضورا لحظة التصوير … الاطفال الممكن يكونوا قد شاهدوا الفيديو المصور والمتاح لاي شخص … الاطفال اليافعين الذين ستتم تربيتهم علي ثقافة عنف كهذه … وما فيه من عدم رحمة وعدم احترام للقانون حتي وان كان لنا راي سالب في ناسه ومؤسساته …. نفس جمهور الاطفال هؤلاء كانوا ايضا حضورا عندما تم جلد فتاة في ميدان عام والعسكري يلاحقها بالسوط وبقذي القول وهي تصرخ وتتلوّى وتستغيث …
(الجفلن خلهن …أقرع الواقفات)….في رأيي هذا واحد من أجمل الأمثال التي تختصر الوقت والمجهود والتعب في شيء لافايدة منه والحث علي تكريس هذة الطاقة في شيء يأتي بثمرة ويكون له فائدة ويمكن علي الأقل تدارك الفشل في الواقفات ديل ..
الاطفال ديل هم الواقفات الذين نسقط عليهم الكتير من أخطائنا في التربية والنشأة … نسقيهم في حاجات عجيبة وبنربي جواهم قبح لامتناهي ..قسوة لامبررة …وعنف هو سيد الموقف وعدم إحترام للقانون … وفي نفس الوقت تمر أحداث امامنا لانعيرها التفاتاً ولا نستنكرها ولا نحدث اطفالنا عنها ونتوارثها من جيل لآخر زي المرض الكعب ..
ذكرني هذا بقصة حدثت لي انا وبناتي في الخرطوم في إحدي الاجازات .. كنا في صحبة شقيقتي التي نزلت لتشتري كهرباء من مكتب كهرباء الصحافة… ولمن لايعرف هذا المكان ،، يفتح في سوق صغبروني وفي خور كبير وعريض في نص السوق … ومعمول كبري في جانبي الخور لعبور المارة ..
كانت الدنيا ضهر والناس ماشة وجاية … وانا جالسة في المقعد الأمامي وبناتي في المقعد الخلفي
فجأة سمعت صرخة داوية خلفي تناثر قلبي معها الي شظايا .. إلتفت بكل ذعر الدنيا … وجدت بنتيّ في حالة تشنج …وبنتي “طل” بلغتها العربية المكعوجة تقول:
ماماااااا ….مامااااااا كلم بوليس سربع …كلم بوليس سريع …
بقيت اتلفت زي محروق الحشا
أيقنت ان هناك مصيبة ما من نظرة الرعب التي ارتسمت بجلاء جوة عيون البنات ..
صرخت فيها: يابت مالك؟؟؟؟
وقد واصلت تردد في ذهول:
إنتي ماشايفة يا ماما …
رجعت أعاين وقلبي في حلقي … الناس ماشة وجاية عادي ومافي شيء
في شنو يابت ؟؟؟
بديت أفقد اعصابي حينها
فأشارت بيد في اتجاه الخور وبيدها الاخري اغلقت عينيها … عاينت لقيت عمك كبير ( يقضي حاجته) كده علي عينك ياتاجر وخاتي ابريقو جنبو في امانة الله ..
رجعت عاينت للبنت بغباء لأن عقلي لم يتوصل للعلاقة مابين هذا المنظر والذعر الذي إحتل المكان
حينها لم تتحمل الصغيرة نظرتي المرتبكة واستغربت من ردة فعلي الضعيفة ..
Mama
You can’t see him?
We should call the Police now
This is not a joke
He is definitely crazy and dangerous
Showing kids and people his private parts
وهي تريد أن تقول ان هذا الرجل مجنون لانه يعرض (عورته) امام العامة
عاينت انا تاني
فعلاً المنظر صادم … وإرتد بصري حسيراً
ونظرت لأري ماحلّ بأختها الصغيرة ..
ولم تتمكن حتي من اصدار صوت واكتفت بالإختباء تحت المقعد .. وجدتها هي الأخرى مذعورة ..
سرحت أفكر في كيف أننا تعودنا نحن على هذا المنظر المُقزز ، وصرنا نكتفي في معالجته بعبارة ( ممنوع التبول هنا بأمر البلدية ) من غير ان نستهجن . ويأتي من يتبول فوق هذا التحذير نفسه …. وهذا الشيخ الذي اعتقدت ابنتي انه مخبول هو شخص عادي جداً … وقد يكون من علية القوم ..
وأنا في قمة التاملات دي أخرجتني ابنتي من بحر التفكير والإجترار حين بدأ من بالسوق يتواترون زرافات ووحدانا لذات الخور وأباريقهم تتطاقش … اكتر من عشرين شخص يقضون حاجتهم في مكان ووقت واحد..
وبصوت مرتعد فيه يأس شديد قالت صغيرتي ما معناه: ليس هناك فائدة من إستدعاء البوليس … هذا الشيء وباء … لماذا يفعلون هذا يا أمي؟؟؟؟
ولم احر انا امها جواباً
لم استطيع الدفاع عن هكذا سلوك كعادتي في الدفاع عن عاداتنا وتقاليدنا وسبل حياتنا
لم استطيع ان اخبرها انه ليست المشكلة فقط في أن الحكومة لم تبنِ دورات مياه لهؤلاء الناس … لأني أعرف اماكن بها دورات مياه وبعضهم لازال يقضي حاجته بالقرب منها وعلي حوائطها
لم اجرؤ ان اقول ان هذا ما ألفَينا عليه اباءنا وانا اعلم انه تصرف غير حضاري وغير صحي ومؤذي لعين المارة ولا يحفظ كرامة فاعله ..
سكت
ووقف حمار شيخي عند عقبة لايمكن تجاوزها او نكرانها
أختي حينها لتنقذني من ذلك المطب عادت
وتحركنا بالعربة وقد نسيت الفتيات او تناسين ماقد حدث … الجو كان بديعاً .. نسيمه رايقاً وحلواً … إكتمل جمال هذا المشهد ونحن نمر بشارع النيل نحو امدرمان .. وانا منفعلة اشرح في قصص عن بوابة عبدالقيوم والطابية المقابلة النيل والجيوش والفتوحات … اذا بمجموعة من الناس يستحموا في النيل كما ولدتهم امهاتهم ..
أرادت إحدى بناتي أن تصرخ من جديد ..
قلت ليها: ولاكلمة ..
عشان كدة اقرعوا الواقفات .. لأن إعتياد العين على رؤية الخطأ تحوله إلى شيئ عادي وكأنه صحيح …. أقرعوا الواقفات حتي لا يتقاصر الامل في أجيال صحيحة معافاة … أجيال بناؤها النفسي صحيح ومعتدل كالرقم واحد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى