آخر الأخبار

سر إنجذاب الأجنبى إلى الشخصية السودانية

download
أدلى الدبلوماسى الأمريكى بوب قيون بحديث ورد فى الصحف السودانية ومواقع التواصل الإجتماعى مفصحاً عن إمتنانه وحبه للشعب السودانى الذى كان سبباً فى تغيير
حياته …. وأنه حزين وغير مصدق لمغادرته السودان، تاركاً وراءه أحبابه وأصدقاءه، وليالى الخرطوم مازالت تذكر سفيرها الأمريكي السابق جوزيف ستافورد الذى قال عنه سمارها أنه ” تدروش” أو تصوف.
إن الذى أصاب رسولى الدبلوماسية الأمريكية وأثر فى حياتهما أصاب كثيرين غيرهما من شعوب العالم وبدرجات متفاوتة نسبياً. بعضهم كنت معاصراً له وشاهداً عليه ووقفت على بعض حكاياته، أذكر لك منها ـ عزيزى القارئ ـ حكايتين أو ثلاث …
دعتنا زميلة دنماركية إلى مسكنها فى ديسمبر 1989 قبل إحتفالات أعياد المسيح بأيام، وقد كنا مجموعه من الأفارقة من دول شرق إفريقيا: السودان، يوغندا، كينيا وتنزانيا. وقد جئت مرتدياً الزى القومى السودانى الجلابية والعمامة، ووجدنا عندها شاباً وشابة. قدمت إلينا الشاب على أنه زوجها ـ على الطريقة الغربية بدون أوراق رسمية أو شهود. ثم قدمت إلينا الشابة وهى فتاة بيضاء فى العقد الثالث من عمرها تقريباً خضراء العينين، على أنها صديقة من آيسلندا ، إحدى دول الشمال الإسكندنافى. وما أن رأتنى الآيسلندية حتى أقبلت على باشةً واستقبلتنى بحفاوة ـ أدهشتنى قبل أن تدهش الأخرين ـ وحرارة بددت زمهرير ديسمبر وثلوج الدنمارك ـ وهى تصيح سودانى !
علمت فيما بعد حين جلست إليها، ما بدد حيرتى ودهشتى. حكت لى أنها ممرضة وناشطة سياسية وأن لها صديق ارترى وأنها متعاطفة مع القضية الإرترية وتؤمن بعدالتها وأنها تسعى لدعمها بكل الوسائل. وبحكم مهنتها فإنها تقوم الآن ـ 1989 ـ بجمع الأدوية وحث المنظمات الدولية العاملة فى مجال الغوث الإنسانى على مساعدتها. وأنها فى قمة حراكها هذا قد زارت ـ مرات عديدة ـ السودان والمناطق المحررة فى إرتريا. وفى أول زيارة لها للسودان حدث لها موقف لم تنسه حتى الآن ـ لحظة جلوسى إليها وحديثها معى.
قالت إنها كانت علئ متن الخطوط الجوية السودانية سودانيرـ رد الله غربتها ـ فى رحلة داخلية إلى بورتسودان حين أعلن القبطان نهاية الرحلة وأن الهبوط بات وشيكاً وقد كانت تقرأ فى كتاب، فإلتفتت إلى جارها الذى يجلس على يمينها وهو رجل فوق الخمسين أو دون ذلك، يرتدى زياً شبيهاً بالذى أرتديه ـ جلباب من الدمور ـ ولكن مادة قماشه أكثر نعومة وفخامة، تبدو عليه آثار النعمة .شرحت له وجهتها كما أبدت له قلة حيلتها وعدم معرفتها بالمنطقة، فأبدى تفهماً وتعاطفاً ملحوظاً واستمع إليها وتعابير وجهه المفعم بالبشاشة والترحاب تشى بالطمأنينة. طمأنها بأنه من أبناء المنطقة وأنه مدير لأحد البنوك فى المدينة.
وتابعت حديثها: … هبطت الطائرة وخرجنا فإذا بسيارة فخمة فى إنتظاره ودعانى إلى الصعود إليها والجلوس بجانبه وكانت الدنيا صيفاً والجو حاراً لافحاً، فكدت أذوب.- قلت لها فى نفسى كيف لاتذوبين وأنت إبنة آيسلندا وحفيدة القطب الشمالى ـ وواصلت حديثها:… ولكن حين صعدت إلى السيارة ونفحنى هواء مكيفها البارد غمرنى أحساس جميل بالحياة فتذكرت هواء بلادى وعادت إلى روحى . سارت بنا السيارة إلى المستشفى، توقفت عند مدخلها ونزلنا. تحدث إلى شخصٍ يقف عند البوابه ثم إلتفت إلى قائلاً سيرافقك هذا إلى الداخل ثم مد إلى ببطاقة صغيرة قائلا هذا رقم تلفونى وعنوان البنك، إذا إحتجت إلى أية خدمة أو مساعدة فلا تترددى ومد يده ليصافحنى مودعاً ولكننى بدل أن أتلقاها بيدى مصافحة، قفزت إليه وقد كان أطول منى واطبقت كلتا يدى حول رقبته وعانقته تعبيراً عن إمتنانى وتقديرى لما أسداه لى من جميل وفضل. فانتفض مذعوراً ونفضنى بعيداً وهرول إلى سيارته وهو يرتعش أو خائف لا أدرى. انحشر فيها وانطلقت به وتركنى وقد باغتتنى الدهشة والحيرة. ولكن علمت فيما بعد وقد تكررت زياراتى إلى هذا البلد الطيب، أن السودانى لا يستطيع أن يمسك بيد زوجته فى الأماكن العامة فما بالك بعناقها وتقبيلها. منتهى الأدب والتهذيب، ولكن بفضل جهلى بمجتمعكم وتقاليدكم وبجرأتى ووقاحتى تسببت له عن حرجٍ بليغٍ. لقد سافرت كثيراً والتقيت شعوباً ووقفت على عادات وتقليد مختلفة ومتنوعة لكننى لم أطرب كما طربت لكم ولم أعشق بلداً كما عشقت بلدكم.
إلتقيته فى أسمرا1994 ، وقد جاء من الخرطوم، هندى الهوية سودانى الهوى. إنه د. تياقى، أستاذ المحاسبة بكلية الإقتصاد،جامعة الخرطوم. غادر السودان الذى يحبه ويعشق أهله وترك جامعته الشهيرة التى خدم فيها خمسة عشر عاماً بفعل التعريب الذى جثم عليها وكتم أنفاسها وشتت شملها. وأصبح د. تياقى يتنقل من مرحلة إلى مرحلة كما التعريب. كلما تم تعريب مرحلة إنتقل إلى المرحلة التى تليها وهكذا إلى أن شمل التعريب الدراسات العليا. عندئذ، وعندئذ فقط أدرك أستاذ المحاسبة أن لا مكان له فى دهاليزهذه الجامعة العريقة. ولأن وجدانه مرتبط بالسودان و أهله، تعاقد مع الجامعة الإرترية أقرب منطقة جغرافية إلى السودان.
قدمته إلى وعرفتنى به زميلة هندية تدعى دورته ، أستاذة علم النبات بقسم علوم الحياة بجامعة أسمرا التى جاءتها هى أيضاً قادمة من شرق إفريقيا من جامعة دار السلام التنزانية مرافقة لزوجها الذى أنتقل من تنزانيا للعمل بمكتب الآمم المتحدة بدولة إرتريا. قالت لى زميلتى الهندية إنها إلتقت به فى ذات اليوم الذى عرفتنى به، وهو نفس اليوم الذى بدأ فيه عمله بالجامعة. جاء به إليها أحد الأساتذة الإرترين قائلاً: جئتك بزميل هندى. وقد كانت فى طريقها إلى مقهى الطلاب؛ لتتناول كوباً من ” الكابتشينو” الإيطالى الذى يبدع الإرتريون فى تحضيره. سلمت عليه ودعته لمرافقتها إلى المقهى. هناك، جلسا وتحدثا وتناجيا عن وطنهماالأم الهند مناجاة إثنين من بلد واحد جمعتهما الغربة فى بلدٍ آخرغريب وبعيد. تطرق الحديث إلى إرتريا الدولة الوليدة والجامعة والأساتذة والحياة الأكاديمية والشعب الإرترى بشكل عام.
قالت له إن الشعب الإرترى شعب طيب، حذر وكتوم، ربما بفعل الحرب وفترة النضال الطويلة. وكما تختلف هضاب هذا البلد ومنخفضاته يختلف شعبه وأن تجربتها ليست كبيرة ؛ لأنها لم تكمل حتى الآن عامها الأول، ولكن معظم الذين إلتقتهم حتى الآن هم من سكان الهضاب والمرتفعات. وأن الكلمة عند الإرترى كالرصاصة فى خطورتها؛ أى قاتلة كما الرصاصة؛ لذا فهم لايثرثرون. وفى معرض حديثها له قالت إنها لاتذكر احداً دعاها يوماً إلى فنجان “ماكياتو” وهو نوع من البن يقدم فى فناجين صغيرة الحجم، إلى أن جاء زميل سودانى ـ تقصد شخصى ـ قبل شهر تقريباً، وفى أول يوم أو يومين من قدومه دعاها إلى مقهى الطلاب. وفجأة وكالذى لسعته عقرب جفل تياقى واقفاً وصاح: ماذا تقولين ؟! سودانى ؟! خذينى إليه حالاً … أنا كمان سودانى … وجاءتنى به ومنذ ذاك اليوم لم نفترق إلى أن سافر نهائيا إلى الهند بعد أن أنهى تعاقده مع الجامعة.
أخذته إلى مطعم ” الواحة ” الذى أشتهر بالأكلات السودانية المعروفة والأخرى الممعنة فى سودانيتها مثل ” الكوارع “، والذى أصبح ملتقى للسودانين والإرترين، حتى أن الزائر السودانى الذى يجئ أسمرا لأول مرة ويطلب من “تاكسى” المطار أن يأخذه إلى النادى السودانى الذى تشرف عليه السفارة السودانية، يأخذه إلى واحة أحمد شريف ـ رحمه الله ـ لما تمتاز به من سمعة طيبة وشهرة واسعة بفضل شهامته وكرمه ونبله. وبرحيله عن دنيانا فقد الجميع واحتهم الوارفة الظليلة، وقد كان فقداً عظيماً للإرتريين قبل السودانيين. هناك إلتقينا الأستاذين السرهاشم والفنان التشكيلى الطاهر صالح ـ رحمه الله ـ وأصبح تياقى الهندى، تياقى السودانى كما يحلوله أن يسمى نفسه. وحين علم أننى أقيم فى “بنسيون” ـ وقد أنزلته الجامعة أحد نزلها ـ أصر إن أتركه وأسكن معه فى سكنه الجامعى. وذلك ما حدث. أقمت معه فى بيته حتى إستلمت سكنى وانضم إلينا د. بابكر عباس وجاءت أسرتى الصغيرة من السودان وأصبح ” عمو تياقى ” فرداً منها.
صفات مثل الكرم والشهامة والسماحة والطيبة والتفانى والأريحية فى خدمة الآخر ليست قاصرة على الشعب السودانى فقط وإنما موجودة عند كل الشعوب. ولكن ما يميز الشعب السودانى إنه يصبغها عليك بأسلوب تعامل يجعلك تنسى أنك غريب، عكس ما تحس به عند الشعوب الأخرى التى تذكرك دائماً بأنك غريب اليد واللسان. هذ التعامل السودانى المتميز الذى يعمل عمل السحر فى الآخرين هو فى الحقيقة مزيج من كل هذه الصفات الإنسانيه التى ورد ذكرها ـ والموجودة عند كل الشعوب كما ذكرت ـ وصفة أخرى خاصة بنا وهى دفء التعامل وحميميته وقد نسميه أيضاً دفء الحياة فى الأهل والعشيرة. ذلك الدفء الذى نحسه حين نعود إلى أهلنا وديارنا بعد غيبة زمنية قد تطول أو تقصر. جميعنا يذكره ، وجميعنا حسه وجربه وقد أبدع الطيب صالح فى وصفه فى روايتة الرائعة “موسم الهجرة إلى الشمال” حين قال: “عدت إلى أهلى يا سادتى بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم فى أوربا. تعلمت الكثير، وغاب عنى الكثير، لكن تلك قصة أخرى. المهم أننى عدت وبى شوق عظيم إلى أهلى فى تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل. سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتنى حقيقة قائماً بينهم، فرحوا بى وضجوا حولى، ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب فى دخيلتى، فكأننى مقرور طلعت عليه الشمس. ذاك دفء الحياة فى العشيرة فقدته زماناً فى بلاد تموت من ” ا لبرد حيتانها “. هذا الدفء يصيب أيضاً الآخرين الغرباء حين يأتون إلى ديارنا ويعيشون بين ظهرانينا، طال بقاؤهم ومكوثهم أم قصر. ولكن… ولأنهم غرباء، ولأنه شئ غريب عليهم وغير متوقع؛ فإن إحساسهم به إحساس مضاعف لذا؛ فهم ينجذبون إليه ويقعون فيه كما المجاذيب فى حلقات الذكر ولا يجدون له تفسيرا. هذا ما حدث للدبلوماسى الأمريكى والسفير الذى سبقه والفتاة الإسكندنافية و تياقى الهندى.
أذكر فى 1983 ونحن فى سعينا المحموم لدراسة ومكافحة أمراض البلهارسيا والملاريا فى مشروع الجزيرة أيام طيب الذكر مشروع النيل الأزرق الصحى الذى قام على أكتاف علماء فضلاء أجلاء مثل د. أحمد أيوب القدال، د. معتمد أمين ود. عاصم عبدالرحمن دفع الله، كانت معنا شابة بريطانيه تدعى كرستين. كانت تتردد على محطة أبحاثنا بقرية المعيلق، وقد كنا مجموعة من طلاب الدراسات العليا يوم ذاك، أذكر منهم د. أحمد بابكر، د. خالد كروم ، د. عبد المنعم هلالى ود. صديق بابكر الذى دعاها يوماً إلى قريته التى لا تبعد كثيراً عن المعيلق وأتاح لها تجربة ركوب الحمار ولا إدرى إن كان حماراً من القرية أم حماره هو شخصياً. كرستين هذه، رأتها إمرأة عجوز من أمهات المعيلق وهى تتمشى فى شوارع وأزقة القرية، فأقبلت عليها واحتضنتها بحنان وقالت بنبرة أم تفيض رقة و عذوبة: “حننتنى يا بتى … الخلوك وحيده تجى البلدان البعيده دى … “. على الرغم من أن كرستين لم تفهم الكلمات إلا بعد أن ترجمت لها، إلا أنها أحست بالدفء والحنان وصدق المشاعر.
شعب بمثل هذه السماحة وتجرى فى دمائه كل هذه القيم الإنسانية النبيلة، ألا يستحق منا التقدير ؟! وأن نجنبه الإضطهاد والذل والهوان ؟! أليس حرام علينا أن نستخف به ونضحك عليه ونبيعه الأوهام ونحن نتحدث باسمه وندعى حمايته ؟! … ولكن … السؤال الذى يطرح نفسه: إذا كنا نحن بهذا الرقى والجمال والسماحة و هذا النمط السلوكى المتميز المقبول لدى الغريب الأجنبى؛ فلماذا نفشل فى إدارة تنوعنا ؟! ولماذا نعجز فى أن نتفق على حلٍ وسط إن نشب بيننا إختلاف صغر كان أم كبر؟! و مابالنا ما أن يصبح الواحد منا قائداً أوزعيماً إلا وتتقمصة شخصية أخرى غريبة أو يركبه عفريت يجعل أقرب الأقربين إليه لايعرفه! مالنا ؟! ما الذى أصابنا ؟!

eliaselghayeb@hotmail.com
الياس الغائب … كوبنهاجن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى