آخر الأخبار

فى احدث دراسة : النمل والنحل والذباب واعون وأنانيون!

تتعدد الدراسات حول الوعي والعواطف لدى الإنسان والحيوانات الكبيرة كالدلافين أو القردة مثلا. لكن ولأول مرة، طرح باحثان أستراليان فرضية تحلي الحشرات بالوعي والإدراك. الدراسة الجديدة لا تعيد إلى الواجهة فقط مسألة امتلاك الكائنات الحية للوعي بطريقة أو بأخرى، بل حتى الجماد.

وعى الحشرات 1

هل مررت يوما بتلك التجربة الغريبة عندما تحوم حولك ذبابة أو نحلة، وتحاول إبعادها وتعود في كل مرة وكأنها أقسمت على إزعاجك، وكلما أصررت على إبعادها أصرت هي على العودة لتُطنطن قرب أذنك؟ ألم تتساءل مرة هل قامت تلك الحشرة اللعينة و”المتعجرفة” بإزعاجك عن قصد؟ هل هي فعلا واعية؟

هذا السؤال تناوله بطريقة علمية المختص في علم الإدراك أندرو بارون والفيلسوف كولين كلين من جامعة ماكويري الأسترالية. لقد استعان الباحثان بآخر الأبحاث في التصوير العصبي ليؤكدا في دراسة نشرتها مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences أن النحل والذباب والنمل وأغلب الحشرات ليست “آلات” بيولوجية لا عقل لها. وأن تلك الحشرات قد تكون قد تكون ذات وعي بالعالم ووعي بذاتها ووجودها.

وقالت نملة “إن لي وعيا” !

حذار! لا يعني ذلك أن الحشرة تبحث أسئلة وجودية أو لا حتى أنها تقول في قرارة نفسها : “آه، يا له من رحيق لذيذ!”. الدراسات المذكروة تتحدث عن مستوى ضعيف من الإدراك، فالوعي مصطلح معقد فلسفيا وعلميا. الكل يعرف أن النحلة مثلا قادرة على جمع المعلومات من بيئتها والتجول من حولها بدقة مدهشة. السؤال الجديد يدور حول قدرتها على رؤية العالم بنظرة شخصية أو لنقل “بأنانية” هذا ما يسمى بالتجربة الذاتية (Subjective Experience).

ويقول كولين كلين لموقع Discovery News “عندما نشعر بالجوع لا نبحث فقط عن الطعام، فالجوع إحساس فريد. وتتكون عند الكائن الحي تجربة ذاتية عند ارتباط حالاته الذهنية بإحساس ما”. الكثير من الحشرات تملك فعلا هذه التجربة حسب الدراسة.

وعى الحشرات 3

للتوصل إلى هذا الاستنتاج، انطلق الباحثان الأستراليان من تركيبة الدماغ لدى الإنسان وحيوانات فقارية أخرى. عدة دراسات أظهرت أن الجزء المسمى بالدماغ المتوسط يمنح الشخص مستوى بسيطا من الوعي عندما تكون باقي الأجزاء الأكثر تطورا قد أُتلفت. من هنا، تم تحليل دماغ حشرات عديدة بواسطة آخر تقنيات التصوير العصبي. اكتشف الباحثان أن دماغ الحشرات يقوم بعمل مماثل لاشتغال الدماغ المتوسط لدى الإنسان. فمخ الحشرة يجمع المعلومات من البيئة المحيطة بها ومن ذاكرتها ومن جسمها للعمل على تنظيم نشاطها.
ويضيف أندرو بارون “لا تولي الحشرات اهتماما لجميع حواسها على قدم المساواة. فهي تختار الأكثر أهمية بالنسبة لها في لحظة معينة، وبالتالي فهي أنانية أو تتسم بما يعرف بمركزية الذات”.

لسنا سواء في الوعي والإدراك

ويشدد الباحثان على أن هذه الفرضية الجديدة فرصة لإعادة التفكير والنقاش بشأن معنى الوعي لدى الكائنات الحية وحتى غير الحية. فبحسب بارون، لا تمتلك النباتات أية أعضاء تمكنها من امتلاك إدراك أو وعي ما. ينطبق الأمر نفسه على حيوانات بسيطة على غرار ديدان الربداء الرشيقة والتي تمتلك 302 خلية عصبية فقط. للمقارنة، تمتلك النحلة قرابة مليون خلية عصبية.
وعى الحشرات 2
وعندما يتعلق الأمر بكلب مثلا، فمن الواضح أنه يملك وعيا أكثر تطورا عندما تراه يترنح ويركض نحو صحنه للأكل. فهو يشم أكله ويظهر رغبته في الأكل ويعي العالم من حوله ويبادل الإنسان بعض المشاعر. العديد من علماء الأعصاب والفلاسفة والمفكرين طالبوا باعتراف دولي بأن بعض الحيوانات تملك وعيا وبأن ذلك لا يقتصر على الإنسان، ما يفتح الباب أمام إعادة النظر في تعاملنا معها.

ومصطلح الوعي أو الإدراك يشير أيضا إلى مستوى أكثر تعقيدا وهو التفكير الذاتي self-reflection ويُعتقد أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على أن يعي بأنه كائن واع!

“كل من عليها واع”؟

ويظن باحثون أنه يمكن محاكاة آلية عمل الوعي لدى الحشرات التي وصفتها دراسة كولين كلين وأندرو بارون، لتطبيقها على الإنسان الآلي. فقد يكفي أن تزود الروبوت بما يسمى بالذكاء الاصطناعي على أن تراعي العوامل الحسية والذاكرة ونوعا من الإدراك بالجسم لتمنحه الحد الأدنى من الوعي.

ويذهب البعض أبعد من كل هذا بزعمهم أن الوعي موجود في كل مكان، بدرجات مختلفة، حتى في تركيبات غير حية للمادة في عالمنا وعبر الكون. إنه موضوع دراسة سابقة لكريستوف كوش، رئيس معهد آلين الأمريكي لعلم الدماغ وجيوليو طونوني، عالم الأعصاب في جامعة ويسكونسين الأمريكية.

ويزيد موضوع الوعي تعقيدا عند الحديث عن الفرق الواضح في الإدراك بين إنسان وإنسان آخر حسب تجاربه ومعرفته ومسيرته، دون الحديث عن تكوينه الفلسفي أو الديني. ويعتبر الوعي من بين تلك المسائل التي تجمع بين ما هو علمي بحت كتركيبة الدماغ وخصائصه وما هو فلسفي وما هو روحي. فهل من الممكن التوصل إلى تحليل شاف يوما ما؟

ربيع أوسبراهيم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى