آخر الأخبار

نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها …..

دعا أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين، أبا عمرو الأوزاعي فلبى دعوته، ولما سلم عليه، سأله أبو جعفر: ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي؟

فقال الأوزاعى :- وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟

قال :- أريد الأخذ منكم والاقتباس عنكم.

قال :- فانظر يا أمير المؤمنين ولا تجهل شيئًا مما أقول.

قال :- وكيف أجهله وأنا أسألك عنه، وقد وجهت فيه إليك؟

قال :- أن تسمعه ولا تعمل به.

– فصاح الربيع بالأوزاعي، وأهوى بيده إلى السيف، فانتهره المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة.. فطابت نفس الأوزاعي وانبسط في الحديث فقال: يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن ابن بسر، أن رسول الله قال: “أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه، فهي نعمة من الله سيقت إليه إن قبلها بشكر، وإلا كانت حجة عليه من الله ليزداد بها آثمًا ويزداد الله بها عليه سخطًا”. يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن ابن بسر أن رسول الله ﷺ قال: “أيما والٍ بات غاشًّا لرعيته حرم الله عليه الجنة”. يا أمير المؤمنين، من كره الحق فقد كره الله؛ لأن الله هو الحق المبين. يا أمير المؤمنين، قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم، أحمرهم وأسودهم، ومسلمهم وكافرهم، وكل له عليك نصيبه من العدل، فكيف إذا تبعك منهم وفد وراء وفد، ليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه، أو ظلامة سقتها إليه؟

يا أمير المؤمنين، لقد كان النبي ﷺ بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، مواسيًا بنفسه لهم في ذات يده، وكان فيهم بالقسط قائمًا، ولعوراتهم ساترًا، لم تغلق عليه دونهم أبواب، ولم يقم عليه دونهم الحجاب، يبتهج بالنعمة عندهم ويبتئس بما أصابهم.

يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب ابن مسلمة أن رسول الله ﷺ دعا إلى القصاص من نفسه في خدشة خدشها أعرابيًّا لم يتعمدها، فأتاه جبريل فقال: يا محمد! إن الله لم يبعثك جبارًا ولا متكبرًا، فدعا النبي الأعرابي فقال: “اقتص مني”. فقال الأعرابي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما كنت لأفعل ذلك أبدًا، ولو أتيت على نفسي. فدعا له الرسول ﷺ بخير.

فكيف بمن شقَّق أبشار الناس، وسفك دماءهم، وخرب ديارهم وأجلاهم عن بلادهم، وغيبهم الخوف منه؟!

يا أمير المؤمنين، رُض نفسك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربك، وارغب في جنة عرضها السموات والأرض، قال فيها رسول الله ﷺ : “لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها”. يا أمير المؤمنين، الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك، وكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك.

يا أمير المؤمنين، أتدري ما جاء عن جدك في تأويل هذه الآية: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49]؟ قال: الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك.. فكيف بما حدثته الألسن وعملته الأيدي؟!

يا أمير المؤمنين، بلغني عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة، لخفت أن يسألني الله عنها.. فكيف بمن حُرِم عدلك وهو على بساطك؟!

يا أمير المؤمنين، إنك قد بليت بأمر عظيم، لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه. حدثني يزيد عن جابر عن عبد الرحمن عن أبي عمرة الأنصاري أن عمر بن الخطاب استعمل رجلاً من الأنصار على الصدقة، فرآه بعد أيام مقيمًا، فقال له، ما منعك من الخروج إلى عملك؟ أما علمت أن لك مثل أجر المجاهدين في سبيل الله؟

قال: لا. قال عمر: وكيف ذاك؟

قال: لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ قال: “ما من والٍ يلي من أمور الناس شيئًا، إلا أتي به يوم القيامة فيوقف على جسر من نار فينتفض به الجسر انتفاضًا يزيل كل عضو من موضعه، ثم يعاد فيحاسب، فإن كان محسنًا نجا بإحسانه، وإن كان مسيئًا انخرق به ذلك الجسر فهوي به في النار سبعين خريفًا” فقال له عمر: ممن سمعت هذا قال من أبي ذر وسلمان، فأرسل إليهما عمر، فسألهما فقالا: نعم، سمعناه من رسول الله ﷺ فقال عمر: واعمراه، من يتولاها بما فيها؟ فقال أبو ذر: من أسلت الله أنفه، وألصق خده بالأرض.

فأخذ أبو جعفر المنديل، ووضعه على وجهه فبكى وانتحب حتى أبكى الأوزاعي… ثم مضى الأوزاعي ودمعه ينهمر:

يا أمير المؤمنين، قد سأل جدك العباس النبي ﷺ إمارة على مكة والطائف فقال له: “يا عباس، يا عم النبي، . وهي نصيحة منه لعمه، وشفقة منه عليه؛ لأنه لا يغني عنه من الله شيئًا، ولما أوحى الله I إليه: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] فقال: “يا عباس، يا صفية عمة النبي، إني لست أغني عنكم من الله شيئًا، ألا لي عملي ولكم عملكم”.

وقد قال عمر : لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل، أريب العقدة، لا يطلع منه على عورة، ولا يحنو على حوَّية، ولا تأخذه في الله لومة لائم.

وقال: السلطان أربعة أمراء: فأمير قوي ظلف نفسه وعماله فذاك المجاهد في سبيل الله، يد الله باسطة عليه الرحمة. وأمير ضعيف ظلف نفسه وأرتع عماله فضعف، فهو على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله، وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك الحطمة الذي قال رسول الله ﷺ فيه: “شر الرعاء الحطمة” فهو الهالك وحده، وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعًا.

وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب قال: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من كان الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين. يا أمير المؤمنين، إن أشد الشدة القيام لله بحقه، وإن أكرم الكرم عند الله التقوى.. إنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله، ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه.

هذه نصيحتي والسلام عليك.. ثم نهض فقال أبو جعفر: إلى أين؟ قال: إلى البلد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله.

قال أبو جعفر: قد أذنت وشكرت لله نصيحتك، والله الموفق للخير والمعين عليه، فلا تحرمني من مطالعتك إياي بمثلها فإنك المقبول غير المتهم في النصيحة.

– أفعل إن شاء الله. قال محمد بن مصعب: وأمر أمير المؤمنين للأوزاعي بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله الأوزاعي، وقال: أنا في غنى عنه، وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض الدنيا كلها.. وعرف المنصور مذهب الأوزاعي فلم يؤلمه أنه رد عطاءه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى