آخر الأخبار

رهام بت صفاء

رهام بت صفاء ؛

و أنا داخل علي البيت جاي من السوق لقيت شابة في العقد الثالث من العمر يبدو عليها انها متحضرة وبنت اسرة مما لفت نظري اليها هي و طفلة في الرابعة او الخامسة من العمر ، واقفة في السبيل قدام البيت تغسل للطفلة في يديها ورجليها . التفت نحو الشابة وقلت ليها : السلام عليكم ، لو عايزين موية باردة أجيب ليكم من جوه البيت . شكرتني الشابة وقالت مافي داعي اصلو نحنا طالعين من بيت خالتي في نهاية شارعكم ، البنت جرت قدامي فاكرة عربية الحلة وصلت ، فجاءة وقعت واتغبرت فجيت انظفها بموية السبيل هنا ، لانو العربية جاية علينا في الطريق ما عايزة ارجع بيت خالتي و العربية تفوتنا . قلت ليها : طيب ، اجيب ليكم كراسي علي بال العربية ما توصل ؟ قالت شكرا ليك هي علي وصول تقريبا ..
أصريت ودخلت البيت وجبت موية باردة وكراسي وقعدتهم . ومن باب الملاطفة داعبت الطفلة وقلت ليها : اسمك منو يا شاطرة ؟ قالت : إسمي رهام بت صفاء . قلت : اسم ابوك يا رهام ؟ قالت ياسين . قلت ياسين منو ؟ فرفعت حاجبيها وكتفيها وارخت جانبي فمها تعبيرا عن عدم معرفتها لاسم جدها مدعومة بي ” انا عارفة ؟ قلت : معقول في بنت حلوه كده زيك ما بتعرف إسم جدو ؟ ردت الطفلة : ما أنا ما شفتو ولا بعرفو ! صاحت الشابة : رهام بلاش غلبة ! فسألت الشابة معتذرا : جدها متوفي وللا شنو ؟ لم ترد الشابة لفترة احسست فيها بالحرج واعتقدت إني بالغت في الظرف والملاطفة .
ساد الصمت وهممت دخول البيت والحرج باد . أنا آسفة ، قالت الشابة : رهام دي بنتي الوحيدة ، وجدها لابوها ما شافتو ودي حكاية تانية . قلت : انا كمان آسف ، والله ما كان القصد واكيد ما كل شي بتقال ولي أي زول . ردت وكأنها تعتذر : ابدا l مش القصد . . . . بالعكس في بعض الاحيان وفي حالات نفسية معينة ، تجتاحك لحظة تكون محتاج تتكلم مع شخص ما عن همومك ومن الصعب جدا تلقي شخص بي عينه تحس انك بدون حرج ممكن تفضفض ليهو بي الفي نفسك من هموم ، مع إنها ما عادت هموم ، فأنا أقتنعت بواقع الامر وتعايشت معه ومع وضعي الحالي والحمد لله ، بس برضو ما بيمنع تجيك لحظة كده تحس بالقهر وتنتابك نوبة غضب لا مخرج منها سوي الفضفضة ، ومش لاي زول زي ما قلت انت . فضحكت وقلت الحمد لله المرة دي جات منك .
برهة صمت كست وجهها ببقايا مسحة حزن باهتة ابرزت ملامح عزيمتها وقوة شخصيتها . اعقبها انفراج في اساريرها كمن يريد ان يبرر او يخفي احساسه في تلك اللحظة وهي تقول : زوجي ياسين ، دفعتي في الجامعة واتزوجنا بعد سنتين من التخرج ولم يمضي من عمر زواجنا سوي خمسة عشر شهرا حتي انفصلنا بسبب والدته التي كانت في مقام والدتي ، إلا ان تأخر الحمل ازعجها وجعلها تسعي لبديل خصب . ولقوة شخصيتها علي ابنها الوحيد ووالده جعل كلمتها هي العليا . وتم لها ما أرادت وفي وقت وجيز لم يبلغ الشهرين كنت أنا خارج التشكيلة وتم الاستبدال بواحدة من اسرتهم ، تقربهم قبل إنفصالي وانا لا علم لي بذلك . وبعدها بشهر اكتشفت أني حامل بي رهام ، ولم اخبره إلا بعد ان اتممت ثلاثة اشهر . وقد اقنعته بأن لا رجعة اليه أبدا رغم محاولاته . وما كان اتصالي به إلا لان الشرع يؤكد علي اخباره ، وإلا ما كنت اتصلت به ، وطبعا أكيد انت عارف الكبرياء والشغل البيعملو . ومنذ ذلك الحين لم اري اي فرد من اسرتهم يزورنا . وانا والحمد لله اشتغلت بشهادتي ومش محتاجة لاي دعم مادي منهم ، مستورة والحمد لله . مع انهم حاولوا المساعدة والحق لله .
قلت لها : طبعا ده قرارك وانت صاحبة الشأن ومطلق الحرية ، ولكن ما فكرتي في لحظة او حسيتي انه من حق رهام ان تعيش بكنف والديها وتحت مظلة الاستقرار الاسري ، وانت خولتي نفسك واديتيها الحق بدون توكيل انك تقرري مصيرها وما حسبتي حساب ممكن يكون رايها غير كده لما تكبر ؟ قالت : انا حكّمت عقلي وليس قلبي . . . وإلا كان قبلت ورجعت لي ياسين لما حاول لان البينا مش ممكن يتمحي بأستيكة في الوقت الانت عايزو وبمزاجك فالحب والكراهية إنسيابية التفاعل لا تأتي فجاءة او تنتهي فجاءة . ولكن ضعف شخصيته وتبعيته لقرارت غيره كانت حاسمة لامر تحكيم العقل . فلم ارد ان تكون رهام بلا شخصية وبلا قرار وكل ما تمتلكه قدرا من الخنوع والتبعية كفيل بهدم حياتها وحياة اسرتها المستقبلية وربما يمتد ذلك الي احفادها ، تري هل اكون علي صواب أن فكرت بقلبي حينها ، لا بعقلي ؟ ……… ؟ فقلت لها : والله يا ست …… ! حقيقة في اللحظة دي ما عارف اكون معاك وللا في الحياد ….. فعلا معادلة صعبة !
وأنقطع النقاش بحركة وقوف عربية الحلة في اول الشارع وصوت السائق ينادي : يلا يا أستاذة صفاء ، معليش اتأخرت عليكم شوية ، بس حجزت ليكم المقعدين القدام .

” المحجوب “

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى