آخر الأخبار

رجال وتاريخ لــ جعفر محمد حامد

1382375387

بقلم: عبد الماجد عليش
كاتب وصحفى

لأستاذ جعفر محمد حامد صحفي وكاتب وهو من مواليد قرية البسابير – ريفي شندي 1934 وهو يمارس العمل الصحفي منذ الخمسينيات، وله مجموعة قصصية بعنوان “حب ودماء وحرية” وذلك في العام 1960 .

كتاب رجال وتاريخ كتاب ثوثيقي يتضمن عرضاً لسيرة حياة مجموعة من الرجال الذين لعبوا دوراً مهماً في وطنهم السودان.

يشمل الكتاب أسماء لشخصيات سياسية مثل: إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد محجوب، كما يشير إلى سيرة شخصيات أدبية مثل: عرفات محمد عبدالله، أو شخصيات ترتبط بالعمل الصحفي مثل الأستاذ بشير محمد سعيد.

من النقاط المضيئة في الكتاب توقفه عند الشخصيات الجنوبية في المجال العام مثل: السيد سيرسيو إروواني، أو توقفه عند الشخصية القانونية المميزة هنري رياض اسكلا

ربط صلة الأجيال
إن قيمة هذا الكتاب هي في أنه يساهم في عملية ربط الصلة بين الأجيال، وخاصة في ظروف يتغير فيها المجتمع، ويتشكل جيل جديد، وتكاد تختفي ملامح وآثار الأجيال القديمة.

عملية التغيير ليست عملية سهلة، بل هي عملية اجتماعية وتاريخية في غاية التعقيد، خاصة وأنها في جانب منها نتاج لمؤثرات خارجية تضغط على المكون الوجودي للشعب السوداني، والذي يواجه عملية ضغط عليه نتيجة الصراع الحضاري العالمي.

وفي مثل هذه المعارك الوجودية لا بد من التوقف ولا بد من العودة للجذور والبحث والتنقيب، والتشديد على أن فكرة البداية الجديدة لا بد وأن تتم من جذورنا القديمة- والتي ستتجدد وسيتم عمل تحديث لها، وذلك من خلال إعادة النظر لها وفق رؤية عصرية حديثة.

مؤثر الإغتراب
ولا بد هنا أن نتوقف قليلاً لنذكر أهم مؤثرات التغيير الاجتماعي في المجتمع السوداني ولعل أولها:

العملية الاجتماعية التي اصطلح على تسميتها بالاغتراب؛ أي السفر إلى دول البترول طلباً للعمل بعائد مادي مجزي، هي من المؤثرات الاجتماعية- التاريخية الحاسمة في حياة الشعب السوداني كافة.

ثم تبع هذا الزلزال الاجتماعي، توابع مثل الحرب بين الشمال والجنوب، وذلك على مدى أكثر من عقدين.

حدث خروج كبير لمجموعات كبيرة من السودانيين من الوطن إلى مهاجر أطلسية – نسبة للمحيط الأطلسي- الأطلنطي، واستغرقت تلك الهجرة أكثر من عقدين.

الأجيال نتاج هذه الأحداث الاجتماعية لا صلة وثيقة بينهم وبين السودان، أو لا صلة وثيقة بينهم وبين تاريخ السودان الاجتماعي. ربما تصادف طالب في إحدى جامعات الولايات المتحدة، ولربما يدرس القانون، ولكنه لن يصادف اسم هنري رياض اسكلا. هنا تظهر قيمة جهد الكاتب الصحفي جعفر محمد حامد في تقديمه للكتاب.

البعد القومى للكتاب
أوضح الشاعر والأديب الراحل الدكتور تاج السر الحسن: أن نظرة الأستاذ جعفر خلال تحليله للشخصيات بموضوعية، ابتعدت عن التحيز لهذا أو ذاك من الاتجاهات.

توقفت مقدمة الكتاب عند البعد القومي، ومشاركة أبناء الجنوب في الحركة الوطنية القومية في السودان. وأضاف مختتماً تقديمه ومفتتحاً الكتاب (إن كتاب رجال وتاريخ الذي يضم سيرة ثمانية وعشرين شخصية من أبناء السودان المناضلين الأكفاء، الذين بذلوا كل ما لديهم من جهد وطاقة من أجل رفعة بلادهم وإعلاء شأنها، لهو من الكتب الجيدة الجديرة بالدراسة والتمعن وربما النقد، وهناك جوانب عديدة منه تبعث على التأمل والفكر، خصوصاً في مجال التأمل بين الحركة الوطنية السودانية ومثيلاتها في العالم.)

سيرة مثيرة
اعتاد السودانيون التوقف مع صناع الحدث السياسي، لكن لربما كانت سيرة حياة رجل القانون والمترجم هنري رياض اسكلا هي الأكثر إثارة للاهتمام. ولد هنري رياض في 24-2-1937 لأب يعمل في تجارة المحاصيل.

كان في السودان وقتها تجار شوام وأغاريق وهنود. تميز هنري برغبة جامحة في التعليم، وسرعان ما توج رغبته بشهادة القانون- من جامعة فؤاد الأول وعاد للخرطوم.

ولعل أهم ما تميز به هنري رياض هو شدة اهتمامه وحرصه على أخلاقيات مهنة القانون، ولهذا كتب عنها الكثير.

اهتم هنري رياض بالترجمة، كان له دعوة علمية لترجمة الأحكام إلى اللغة العربية، وكان من الرواد في هذا المجال. ولعل من أهم إسهاماته في مجال الترجمة، مساهمته مع الجنيد علي عمر ووليم رياض في ترجمة كتاب بروفسير محمد عمر بشير تاريخ الحركة الوطنية في السودان، كما ترجم بالاشتراك مع الجنيد علي عمر كتاب: الأولياء والصالحون والإسلام في السودان لمؤلفه: بم- هولت-

أسماء أخرى مهمة
كان لهنري رياض رائحة خاصة فوّاحة: عطر كثيراً من المواقع حتى انتقل للدار الآخرة في يوم 7-3-1995 من شقة متواضعة بالإيجار في الخرطوم، وشيع على المستويين الرسمي والشعبي إلى مثواه حتى جنازته ضمت مسيحيين ومسلمين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على التسامح والتعايش الديني في السودان.

ولعل الفجوة بين الأجيال الحالية تحبس أسماء أخرى كثيرة. ويستوجب هذا أن نعمل على بعث هذه الأسماء ومنها عرفات محمد عبدالله.

ولد عرفات محمد عبدالله بأم درمان – حي بيت المال في 1897 وتنقل في مدارس أم درمان حتى التحق بكلية غردون التذكارية، وبعد أن تخرج منها عمل مترجماً بمصلحة البريد والبرق وذلك حتى عام 1924.

كان مشهوداً له بالذكاء وبالنبوغ. كان عرفات مشاركاً نشطاً في مجلة النهضة. وفي العام 1934 كان عرفات يفكر في إصدار مجلة الفجر ولم يكن يملك ما يكفي من المال، ولكنه كان يملك إيماناً قوياً لا يتزعزع، وقلماً جسوراً، وعزيمة لا تعرف المستحيل، وبدأ يكتب الافتتاحية في كل عدد، وأصبحت مجلة الفجر المعبّر الحقيقي عن المثقفين، ونجحت في تعبئة الشباب في القيام بعمل ما من نادي الخريجين بمدني.

وقد ظلت مجلة الفجر مناراً من منارات الحركة الفكرية في السودان حتى بعد وفاته في العام 1936.

رواد مهنة النكد
كصحفي كان طبيعياً أن يتوقف الأستاذ جعفر محمد حامد عند رواد وآباء مهنة النكد كما وصفها. وطبيعي أن يتوقف عند أحمد يوسف هاشم والذي ولد لأسرة الهاشماب في مطلع العام 1903 :

وكما وصفهم فقد تميزوا بحبهم للعلم وبشغفهم بخلاوي القرآن الكريم. أحمد تميز بالمهارة، وبعد أن أتم دراسته الأولية التحق بالمعهد العلمي. ثم صار كاتباً بالمحكمة الشرعية.

كان ولعاً بالآداب، وشغوفاً باللغة العربية وأسرارها. التحق بجريدة النيل في العام 1935 وصار ثاني صحفي يتولى رئاسة التحرير بعد الأستاذ حسين شريف.

عُرف أحمد بتميزه في كتابة الافتتاحية الرصينة. وقد اكتسب شهرة واسعة حينما أسندت إليه رئاسة تحرير مجلة الفجر، وذلك بعد وفاة صاحبها عرفات محمد عبدالله.

استطاع أحمد أن يجعل من “النيل” وهي جريدة يومية، استطاع أن يجعل منها صحيفة متميزة، وذلك بأن أفسح المجال لكبار الأدباء وللناشئة منهم، وحفلت الجريدة بقضايا المجتمع اليومية.

عزيمة قوية
تعرض أحمد إلى مضايقة من الرقابة الاستعمارية، فهاجر إلى مصر طلباً لمزيد من المعرفة، وكان ذلك في العام 1939 وعمل هناك في الصحف المصرية، لكنه ما لبث أن عاد إلى صحيفة النيل.

وفي العام 1947 أصدر مجلة “السودان الجديد” كأول مجلة سياسية أسبوعية مصورة في السودان، وصار رئيس تحريرها مع جريدة “النيل”. وكان هذا دليل على مقدرة فائقة وعزيمة قوية ونفس صبورة.

ومن الأسماء التي كانت تعاونه وتساهم معه: الأستاذ محجوب محمد صالح وفضل بشير وعبدالله رجب وعبدالحفيظ هاشم وعصمت يوسف ود. عبدالحليم محمد ومصطفى أبوشرف.

كان الأستاذ أحمد يوسف شجاعاً، وكان رجلاً مبدعاً وكان صاحب نظر علمي. كان يفكر في كيفية تطوير مهنة الصحافة، وانشغل كثيراً بفكرة جلب معدات الطباعة الحديثة المتطورة والمطابع الحديثة.

ردم فجوة التواصل
في غمرة انشغاله بالمهنة، كان لها أن تؤثر على صحته أو أن تأخذ من صحته فاعتلت في العام 1956 وتوفي في العام 1958.

في مقدمته لكتابه ذكر الأستاذ جعفر محمد حامد: وإني لست بالباحث التاريخي المتخصص، وإنما هذه المحاولة المتواضعة عبارة عن تصوير وملامح لتذكير الشباب من الأجيال الجديدة، ومساهمة في إثراء المعرفة، وبث الروح الوطنية كضرورة لتواصل الأجيال.

إن هناك تفاوت بين الأجيال الآن في مجتمعنا، وهناك فجوات معرفية وانقطاع في التواصل. ولهذا يجب أن يكون مثل هذا الكتاب متوفراً لكافة المدارس، ومتوفراً وفي متناول يد جميع الشباب في أماكن التعليم وخاصة في مادة الدراسات السودانية.

هذا الكتاب يشجع الجيل الجديد معنوياً، ويرفده معرفياً وثقافياً، ويشحنه بطاقة انتماء كبيرة إلى تراث ضخم وممتد ومتواصل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى