آخر الأخبار

سرقة بنك باركليز في مدينة ود مدني عام 1955

10628221_549180561880626_6551227527492445042_n

عباس باركليز أول سوداني يسطو علي بنك
القصة الكاملة لسرقة بنك باركليز في مدينة ود مدني عام 1955

يرويها الكاتب ياسر ود النعمة :
مجلة بانوراما- اصدار ود مدني

هذه القصة الحقيقية والتي وقعت عام 1955م في فصل الخريف بمدينة ود مدني والتي سنحكي لكم تفاصيلها الكاملة بعد أن تلقينا معلومات مؤكدة من عدد كبير عاصروا تلك الفترة، وذلك الحدث الذي اهتزت له مدينة ود مدني وعم كل مدن السودان فاهتز الوطن وارتجت له كل مراكز الشرطة في مقدمتها شرطة مديرية النيل الأزرق آنذاك والتي كان على سنامها الكمندان (لويس سدرة).. والقصة تتلخص في عملية سطو على بنك باركليز D.C.O فرع مدني نفذها بنجاح كبير وبنسبة (100%) أو أكثر من ذلك بطلها الحقيقي (عباس باركليز) وهو من قبيلة الدناقلة وكان معه عدد مقدر من المنفذين للعملية اتفق معهم على تنفيذ هذه السرقة التي لم يسبقه عليها أحد.
ولأن تفاصيل القصة مثيرة جداً قصدنا أن نبدأ منذ أن غادر (عباس باركليز) مدينة بورتسودان موطنه الذي ولد فيه وترعرع إلى أن وصل عمره اثني عشر عاماً بديم النور حلة الشريف.. كان عباس مغامراً من الدرجة الممتازة رغم صغر سنه آنذاك فقد بدأ خروجه من مدينة الثغر عبر باخرة كبيرة تخبأ بداخل دورة المياه دون أن يعرف وجهتها.. تحركت الباخرة وأبحرت في مياه البحر الأحمر وغادرت ميناء بورتسودان فخرج من مخبئه وبدأ يتجول داخلها من مكان إلى آخر ولمدة أيام كثيرة كان يتناول طعامه من بقايا الركاب دون أن يأبه بأحد وكان دائماً ما يخبيء نفسه من طاقم الباخرة خشية بأن يسألونه عن جواز سفره أو أي سؤال قد يدخله في حرج.. استمر على هذا الوضع إلى أن رست هذه الباخرة بأحد موانيء الولايات المتحدة الأمريكية وعندما هبط الركاب لإنهاء إجراءات سفرهم بأوراقهم الثبوتية خرج عباس من جملتهم لكنه لا يحمل أي مستند يثبت هويته.. استغرب رجال الجوازات الأمريكان على جرأة هذا الصبي الذي لا يتعدى عمره الاثنتي عشرة سنة ولا يحمل ما يثبت جنسيته.. ظلوا يتفاكرون في أمره إلى أن عم الخبر كل الولايات الأمريكية إلى أن تقدمت إحدى المنظمات الطوعية والتي أبدت رغبتها بأن تؤويه فتعهدوا للسلطات الأمنية بذلك ثم أخذوه إلى مقرهم وبدأوا يسألونه عن هويته وعن الكيفية التي أدخلته الباخرة وسألوه أيضاً عن جنسيته والمحطة التي تحرك منها فأجابهم على كل الأسئلة وأردف أن رغبته هي الدخول لأمريكا فبدأوا معه المشوار حيث تعلم اللغة الإنجليزية بطلاقة لدرجة أنها أثرت على لغته العربية فمكث هناك ما يزيد عن العشرين عاماً استطاع من خلالها معرفة كل شيء وظل يعمل متنقلاً من ولاية لأخرى ومن عملٍ لآخر.. وبالرغم من أنه كان مغرماً بأمريكا كدولة متقدمة لم يغب عن النادي السوداني هناك ولم يتوان في دعم النادي مالياً بروحه الوطنية حتى امتد دعمه المالي للنادي السوداني بعاصمة الضباب لندن بالمملكة المتحدة فكان يرسل لهم مبالغ مالية لاستمرارية مسيرة النادي.. هكذا كان عباس لم تغب عنه سيرة الوطن طيلة فترة وجوده بأمريكا.. كانت هوايته أفلام المغامرات الأمريكية فيحرص عليها كثيراً وأيضاً كان يحرص على التمارين الرياضية التي جعلت من بنيته الجسمانية قوة جبارة وكان بارعاً في لعبة الكاراتيه هذا ما بدا عليه عندما عاد من هناك.. كانت عودة عباس عن طريق القاهرة التي أقام فيها لعدة شهور والتقى ببعض السودانيين هناك وكان أول من صادقهم (الطاهر الفلاتي) و(احمد خليل) من البرابرة، صارت بينهم صداقة حميمة إلى أن قادته هذه الصداقة لمصارحتهما بأدق الأسرار والأفكار التي جاء بها من أمريكا فحدثهم ذات مرة بأنه ينوي السطو على أي بنك وهو قادر على ذلك فاندهشا دهشة شديدة على هذه الأفكار التي لم ترد بخاطرهما على الإطلاق لكنهما وفي نفس الوقت وافقاه على الفكرة.. فقط يريدان معرفة كيفية التنفيذ؟ فرد عليهما بأن الأيام كفيلة بأن تعرفكم على تنفيذ أي عملية سطو وأمرهم بالكتمان وأن يكونا طبيعيين في حياتهما اليومية.. وكان تلقيناً ودرساً مجانياً استوعباه جيداً فاقترح عليهما السطو على أحد بنوك القاهرة فبدأوا في التخطيط الدقيق ورسم خارطة لوسط القاهرة وتحديد البنوك التي يسهل السطو عليها ففشلوا في ذلك لقوة وشدة الأمن المصري.. وصرف عباس النظر لتنفيذ أي سرقة بالقاهرة عن قناعة تامة بشدة وقوة الأمن المصري فاعتبر أن أي عملية بالعاصمة المصرية تعد مغامرة ونسبة فشلها أكثر من نسبة نجاحها هكذا كانت تقديراته حسب رؤيته لمواقع البنوك وكثرة الأمن.
قضى عباس ومجموعته أياماً معدودات بالعاصمة المصرية وهيأوا أنفسهم للعودة للوطن وهو الذي غاب عنه زهاء الأربعة وعشرين عاماً قضاها بأمريكا وقد أثرت هذه السنين في لغته العربية كما أسلفت.. كانت رحلة العودة من مصر وبرفقته (احمد خليل) و(الطاهر الفلاتي) عن طريق ميناء أسوان وهذه الرحلة النيلية البرية كان المقصود منها استهداف أول فرع لبنك باركليز وهو فرع عطبرة.. وصل عباس وبصحبته مجموعته إلى حلفا ثم غادروها إلى أن وصلوا إلى مدينة عطبرة بالقطار وكانت هي المدينة المستهدفة لسرقة فرع بنك باركليز هناك كان عباس يطوف سوق المدينة لمعرفة موقع البنك دون أن يسأل أحد مواطنيها لشيء يعرفه هو تماماً حيث أنه يتمتع بذكاء خارق ستعرفونه من خلال هذه القصة.. ظل عباس يطوف المدينة إلى أن وجد فرع باركليز ومن هنا بدأت دراسته للموقع جيداً لم يقتنع (عباس) بسهولة السطو على هذا الفرع لأشياء يعرفها جيداً دون غيره.. غادروا عطبرة إلى عاصمة البلاد الخرطوم مكثوا فيها عدة أيام لم يفكر فيها (عباس) مجرد تفكير لتنفيذ رغبته الأكيدة في السطو على أي بنك وأيضاً لأسباب يعرفها المخطط الأول صاحب الأفكار الإجرامية الأمريكية، مكث هو جماعته فترة ليست قليلة بالخرطوم ثم فكر بالسفر لمدينة الأبيض عروس الرمال عندما تأكد من مصادره بأن هناك فرعاً لبنك باركليز وأيضاً عرف كل فروع هذا البنك بمدن السودان المختلفة فغادر بمجموعته إلى مدينة الأبيض وبدأ في طوافه على المدينة دون أن يستعين بأحد من أهل المدينة إلى أن وجد موقع البنك… لم يعجبه الموقع على الإطلاق فحدث (احمد خليل والطاهر الفلاتي) بأنهم سيغادرون مدينة الأبيض بأسرع ما يمكن لأنه تأكد من استحالة تنفيذ سطو على هذا الفرع وعندما يسألوه عن ما هي الموانع التي تقف عقبة في السطو على الفرع؟ يصمت ويأبى أن يرد عليهم فينصاعوا لتعليماته فقط.. غادروا مدينة الأبيض عام 1955م قاصدين مدينة مدني فوصولها وحلوا بإحدى اللوكندات إلى أن نالوا قسطاً من الراحة وفي صبيحة اليوم التالي خرج عباس يطوف بالسوق الكبير بود مدني إلى أن وجد موقع فرع باركليز فاعترته فرحة كبيرة، كانت هذه الفرحة سهولة الوصول لهدفه الذي كان يرمي إليه.. درس عباس موقع البنك تماماً وتردد عدة مرات إلى هناك بالقرب من الموقع الذي تقابله من الناحية الشرقية قهوة الصاروخ التي كان صاحبها المرحوم (كمال علي احمد) وهنا بدأت القصة الحقيقية الكاملة للسطو على هذا الفرع حيث اتخذ (عباس) وجماعته قهوة الصاروخ مركزاً للانطلاقة لتنفيذ سرقة بنك باركليز.. لم يتعجل عباس هذا السطو بقدر ما أنه كان يدرس مخارج ومداخل المدينة ومواقع مراكز الشرطة وأيضاً قادته أفكاره لمعرفة فتوات مدينة مدني وأماكن جلوسهم بالقهاوى والبارات ومن هو أقواهم وكم عددهم وفي ماذا يعملون.. أيضاً عرف مواقع المطاعم ودواوين الحكومة ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وعرفها تماماً إلى أن تعرفوا على أحد أقارب احمد خليل والذي كان يعمل بمشروع الجزيرة ويسكن داخل منازل المشروع وهذه المعرفة هي التي شجعته أكثر ودفعته للتخطيط للسطو على البنك.. مكث عباس أياماً بود مدني لمزيد من المعرفة.. كان يتردد بجماعته على أحد البارات الواقعة جنوب ميدان الحرية المكان الذي يعمل فيه الآن (التوم النمر) صانع أحذية كرة القدم المعروف والذي عرف فيما بعد (بمكتبة الفجر) التي كان صاحبها المرحوم محمد سيد أحمد عليه رحمة الله.. ظل عباس يتردد على هذا البار بصفة يومية وبهدوء تام يطلبون طلباتهم ويدفعون لصاحب البار المقابل ويغادرون المكان دون أي ضوضاء.. كان عباس يتخذ هذه الطريقة الهادئة حتى لا يلفت نظر أحد وهو غريب عن أهل المدينة.. ومن خلال تردده على هذا المكان المليء بفتوات مدني أيام زمان عرف عدداً مقدراً منهم في مقدمتهم (عوض حلاوة).. لم يسبق له أن صافحه أو ألقى عليه التحية فقد اكتفى بأنه الفتوة الاول والأقوى بين فتوات مدني بل عرف عنه كل شيء من خلال الكلام الذي يدور بالبار وبقهوة الصاروخ فكان الناس يرددون سيرة (عوض حلاوة) كثيراً، فعرف عباس بأن عوض حلاوة من أقوى وأخطر رجال هذه المدينة فعمل على تفاديه أو الاحتكاك أو الاشتباك معه خوفاً من أن يفسد عليهم خطتهم التي بدأت ملامح نجاحها تلوح لهم في الأفق إن لم يكن عباس قد تأكد من نجاحها (100%).. كان عباس يقضي صباحه إلى منتصف النهار بقهوة الصاروخ تصحبه مجموعته وكانت أغلب كراسي القهوة خارج المبدنى أي أنها مقابلة بالتحديد بوابة البنك المستهدف (باركليز مدني).. فيبدأ عباس في التحرك لدخول البنك وسط العملاء يطالع موقع البنك من الداخل ومن خلال دخوله للبنك عدة مرات عرف موقع مكتب المدير ومواقع الموظفين والخزن لم يترك أي صغيرة أو كبيرة إلا وعرفها حتى خفير البنك الذي يأتيهم بالشاي والقهوة من قهوة الصاروخ عرف عنه كل شيء وعرف مواعيد تناولهم للشاي فظل ينتقل هو وجماعته ما بين قهوة الصاروخ صباحاً والبارات مساءً.. كان في كثير من الأحيان يتفادى البار الذي يتردد عليه (عوض حلاوة) وبالمقابل كان (عوض حلاوة) غير مرتاح لوجود عباس ومجموعته بصفة يومية داخل السوق فقد انتابه إحساس بأن هؤلاء الثلاثة غرباء عن مدني وكان دائماً ما يقول للتوم نمر (الجماعة ديل ما جايين مدني لحنان) هكذا كان يردد عوض حلاوة، وكان يدفع بالتوم النمر ويحرضه بأن يفتعل معهم أي مشكلة ليقوم بتكملة العملية وهو على ثقة بأنه سيبرحهم ضرباً شديداً لقوة بنيته الجسمانية.. وكان التوم النمر يقول لصديقه عوض حلاوة: ياخي مالنا ومالهم هؤلاء يأتون البار ويقضون وقتهم ويدفعون المقابل لطلباتهم ويغادرون المكان بهدوء فلم نشتبك معهم.. كان التوم النمر ضد فكرة عوض حلاوة لافتعال أي (وهمة) للتشابك معهم وكان عوض حلاوة بعينه الثاقبة يقول للتوم النمر (الناس ديل ما جايين مدني لي حنان.

وبعد اسبوع من تنبؤات عوض حلاو
حدثت سرقة بنك باركليز واختفى عباس وجماعته وارتجت المدينة وعم الخبر كل الوطن بأن بنك باركليز فرع مدني قد سرق فضربت شرطة مديرية النيل الأزرق(البروجي) فتجمع العسكر ومن خفة دمه قال: “لو سمع أي شرطي صوت البروجي يأتي حتى لو كان متغطي (بفركة)..
بعد أن ضرب البروجي أصدر كمندان شرطة مديرية النيل الأزرق (لويس سدرة) تعليماته بإيقاف أي قطار تحرك يوم السرقة من مدني وكذلك أمر بتوقيف كل البصات أو أي عربة خاصة وقال لا تتركوا حتى النساء وبائعي اللبن فتشوهم وفتشوا حتى التمنة حقت اللبن.. وصلت إشارة لكل نقاط التفتيش فأوقفوا القطار بالمسلمية وأجروا عمليات التفتيش كما أخطر الكمندان لويس سدرة إذاعة أم درمان لإذاعة الخبر بعد أن جاءه البلاغ في تمام الساعة الثامنة والنصف مساء يوم الاثنين عام 1955م بأن هناك سرقة كبرى تمت ببنك باركليز فرع مدني وأفاد خفير البنك في البلاغ بأن أحد الذين نفذوا العملية غير سوداني في إشارة للغة (عباس) المكسرة بعد مكوثه لأكثر من عشرين عاماً بأمريكا وعندما سمع (عباس) الخبر عبر إذاعة أم درمان بأن أحد الجناة غير سوداني تأكد بأنه المقصود بذلك فبدأ يتحرك من مخبئه ببركات إلى (غابة أم سنط) آنذاك ويعود ليلاً إلى مخبئه.. لم يهدأ لكمندان (لويس سدرة) بالاً فبدت عليه حالة من الهيجان والانزعاج فطبع المنشورات ووزعها على أرجاء المدينة والمدن المجاورة وعلى ذمة أحد الرواة أن لويس سدرة أعلن عن جائزة مالية لمن يدل الشرطة على أي خيط يقودهم لمنفذي عملية السطو وأقاويل كثيرة يتداولها الناس آنذاك، لكننا وعندما التقينا بعدد من الذين كانوا يعملون بالشرطة في تلك الفترة وبعض فتوات مدني أيام زمان ما زالوا على قيد الحياة توصلنا إلى أصح المعلومات أو على أقل تقدير ما نسبته (90%) لعملية السطو منذ دخول عباس وجماعته إلى مدينة مدني لتنفيذ هذه العملية التي تمت بنسبة نجاح (100%)، وذلك يرجع لذكاء الرجل وأفكاره الأمريكية التي اقتبسها من هناك.

وبالمناسبة (عباس) لم يكن معتادا على الاجرام بقدر ما انه كان مغامرا لا يقدم على امر سهل واذا سأل احد القراء او رجال الشرطة او قبيلة عباس عن الدوافع التى دفعتنا للاهتمام بكتابة هذه القصة والتى سنذهب بها الى اكثر من ذلك لاحالتها لفيلم سينمائى باذن الله…نقول للسائلين الدافع الاول هو الذكاء الخارق الذى كان يتمتع به(عباس بنك) منفذا العملية وثانيا بعد هذه العملية الاولى من نوعها بالسودان او تقريبا بالوطن العربى ان يقدم انسان على تنفيذ عملية سطو على بنك… مقارنة بتلك الفترة والتى كان يسودها الهدوء والامن والطمأنينة بكل ارجاء الوطن… ثالثا: قد تستفيد من كل هذا الذكاء والطريقة التى استخدمت فى تنفيذ العملية الجهات الأمنية بالبلاد وهكذا.
كيف تمت عملية السطو فى خريف يوم الاثنين عام1955م!
* خطط (عباس بنك) تخطيطا دقيقا فى هذا اليوم لتنفيذ العملية وكان تخطيطه بنسبة نجاح فاقت الـ100% وقد رسم خطة التنفيذ من قبل عشرة ايام وزع فيها الادوار خلال تلك الفترة على ان يؤدى كل واحد دوره على الوجه المطلوب دون الرجوع لمنفذ العملية ودون تباطؤ ودون تقاعس كما تعاهدوا على ذلك منذ ان تصادقوا واتفقوا على عملية السطو… فى الساعة الرابعة من عصر يوم الاثنين التقى(عباس بنك) وجماعته (ببار انديلس) الذى يقابل بروست الاحسان الحالى وكان البار معروفا يرتاده الناس آنذاك وكان هذا اللقاء متفقا عليه بين (الطاهر الفلاتى) واحمد خليل البربرى وبقية الكمبارس فصار العدد سبعة اشخاص يتزعمهم عباس… جلسوا فى تربيزة واحدة ونادوا على النادل ليقدم لهم طلباتهم وقد كان ذلك، بدأت جلستهم فى الرابعة عصرا وهذا التوقيت ضمن المخطط لشئ فى فكر عباس وكان التوقيت لتنفيذ العملية الساعة 6.55 مساء حيث كان يعمل بنك باركليز الى الساعة السابعة مساء ولكن بعدد قليل من موظفيه فى مقدمتهم مدير البنك آنذاك (فلحقلى) كانت جلستهم بانديلس عادية جدا للذين حولهم ولصاحب المحل غير ان هناك ساعة صفر متفق عليها يتحرك فى بدايتها (عباس بنك) ناحية البنك من جهة ثم بعده الطاهر الفلاتى من جهة ثانية ثم بعده بثوان يتحرك احمد خليل من جهة ثالثة ليلتقوا ثلاثتهم عند مدخل بنك باركليز وكانت هذه الخطوات اولى عمليات النجاح…ومع خروج آخر عميل من البنك دخل عباس وتوجه نحو المدير فلحقه الطاهر الفلاتى الذى كان يخفى حبال داخل جلبابه ثم دخل احمد خليل الذى اغلق باب البنك تماما فور دخوله وظل متجها ناحية عباس وموظفى البنك… لم يدر فلحقلى مدير البنك بأن هناك عملية سطو ستتم واعتبرهم عملاء جاءوا متأخرين… لكن فاجأه (عباس) بمسدس حقيقى وليس كما اشيع بانه مسدس خشب وباغته بحديث ادهشه وهو بين مصدق ومكذب فقال له عباس بعد ان اوثق يديه وبطنه على الكرسى الذى كان يجلس عليه بالحبال وكلف الطاهر الفلاتى بتوثيق جميع من كانوا يعملون وعددهم اربعة تقريبا بالحبال وعلى مقاعدهم فحدثهم عباس بانه سيسطو وجماعته على البنك دون ان يلحقهم اذى على الاطلاق الا فى حالة المقاومة او اتخاذ اى تحرك وقال لمدير البنك عليك بتسليم مفاتيح الخزن وبالسرعة المطلوبة… فسلمه اياها وفتحها بنفسه تحت تشديد الرقابة من قبل زملاء عباس الطاهر واحمد خليل… بعد ان استلم عباس الفلوس من الخزن جاء يحملها ليحدثهم مرة ثانية بان يكونوا عاديين ولن يلحقهم اذى ابدا لانه وكما قال لهم انه سيترك باب البنك مفتوحا على مصراعيه وبعد زمن قليل ستعرف الشرطة ان هناك امرا غير عادى ببنك باركليز وسيأتون للبنك وسيجدونكم موثوقين بالحبال وسيعرفون ان هناك عملية سطو وسيفكون وثاقكم وهنا تضمنون سلامتكم…هذا مفهوم؟ لم تكن لهم حيلة غير اطاعة اوامره والسلاح بيده فقد تمكن عباس بقدراته العالية على تنفيذ العملية فى خلال نصف ساعة فقط واخذوا الفلوس وخرجوا من البنك بهدوء فعاد عباس لمكان البار ليمارس جلسته مع الكمبارس الذين كانت تلك مهمتهم بان تكون الجلسة مستمرة والامر عادى دون ان يشعر حتى صاحب الحانة بنقصان العدد… استمرت الطلبات تأتى الى ان عاد الطاهر الفلاتى واحمد خليل اللذان كانت مهمتها دفن الفلوس فى مكان متفق عليه منذ عشرة ايام قبل التنفيذ وكل خطوة تمت ايضا متفق عليها من فترة ليست بالقصيرة اى انها عملية محكمة تماما وخطة ناجحة وبنسبة100% او اكثر من ذلك… عاد الاثنان فى زمن قياسى وانضموا الى المجموعة بعد ان قاموا بدفن الفلوس بترعة بركات المكان الذى حدده لهم عباس ولان افكار عباس كانت بقدرات عالية ركب الطاهر الفلاتى واحمد خليل للمكان الذى اتفقوا بان يدفنوا فيه الفلوس وركبوا على دفعتين حيث اقلتهم عربة تاكسى لمنتصف الطريق المؤدى الى بركات ومن ثم ركبوا سيارة اجرة اخرى واصلوا بها للمكان وعادوا بسرعة فائقة هذه تعليمات عباس منفذ العملية… كان المبلغ بالتحديد (4750)جنيهاً اربعة آلاف وخمسمائة وسبعين جنيها عام (1955م) وهو عبارة عن ايداعات العملاء بالبنك… واطرف ما فى هذه القصة ان هناك صبيا كان قد شاهد الطاهر الفلاتى واحمد خليل يدفنان بشكيرا بداخله المبلغ دون ان يراه احدهم… وبعد ان اكملوا عملية دفنها وعادوا لموقع الجلسة بالسوق الكبير فى تلك الحانة (آنديلس) ذهب الصبى بفضوله ليعرف ماذا كانوا يفعلون فقام بحفر المكان فتفاجأ ببشكير ملفوف بداخله فلوس لم يدرك قيمتها آنذاك لكنه اخذ منها مبلغ اربعة جنيهات وغير مكانها لمكان آخر لايبعد عن مكان دفنها ولزم الصمت..كان هذا دور الصبى!!
وبعد عودة الطاهر الفلاتى وزميله احمد خليل (للحانة) استمرت الجلسة الى الثامنة مساء فحدثت مشكلة مفتعلة وهى ضمن الخطة ومتفق عليها اذ قاموا جميعهم بضرب بعضهم البعض بالزجاج الفارغ حتى تهشم زجاج الحانة وحدثت هرجلة كبيرة وكاد الامر ان يصل لمرحلة خطورة لزبائن الحانة فسرعان ما اتصل صاحب المحل على شرطة الاساس (الاوسط حاليا) فجاءوا بسرعة شديدة واخذوهم (بالكومر) جميعهم الى حراسات القسم تحت بلاغ الازعاج العام…كل ما حدث كان من افكار عباس حتى يبعد عن مجموعته الشبهات.
وقبل ان نبدأ فى دور الشرطة بعد البلاغ الذى كان عند الثامنة والنصف مساء نفس اليوم وقام بفتحه خفير البنك الذى كان قد ارسله المدير للمقهى الذى يجاور البنك (مقهى الصاروخ) ليأتيهم بالشاى كما جرت العادة يوميا… قبل ان نبدأ بدور الشرطة كان لابد لنا من ان نوضح للقراء المتابعين بان هناك شخصاً ثامناً لمجموعة عباس كان دوره كبيرا ينفذه من داخل منزله بتعليمات من عباس…هذا الشخص يدعى (توفيق) ويعمل بمشروع الجزيرة آنذاك وله ادوار كبيرة جدا كان قد كلفه بها (عباس) ومن اهمية هذه الادوار ان يذهب لقسم الشرطة ليضمنهم جميعا باعتبار انهم اصدقاء لقريبه عباس وقد كان ذلك فقد اخرجوهم في اليوم الثانى بضمانة من توفيق وكانوا ابعد الناس عن جريمة السطو على البنك التى جاء بلاغها عند الثامنة والنصف مساء وكان عباس وجماعته قد ادخلوا الحراسة عند الثامنة مساء اى ان هناك فارقاً ما بين الزمنين… ولان القصة يتخللها ذكاء خارق لمخطط ومنفذ العملية (عباس بنك) رأينا ان نسوح مع القارئ لبعض ملامح الذكاء التى يتمتع بها عباس وهو يكمن فى الخطة من بدايتها الى نهايتها… هل تعلم عزيزى المتابع لهذه العملية السطوية بان الاربعة اشخاص الذين استخدمهم عباس يوم تنفيذ العملية لايعرفون (توفيق) على الاطلاق ولايعرفون المكان الذى دفنت فيه الفلوس ..وهل تعلم بانهم اي الاربعة الكمبارس لايعرفون اين يسكن (عباس) و(الطاهر الفلاتى) و(احمد خليل) فى الوقت الذى يعرف فيه عباس منازلهم واسرهم وحتى زوجاتهم… وايضا لايعرفون قيمة المبلغ المسروق ولايعرفون الكثير عن هذا المخطط الكبير كان عباس يتمتع بذكاء غير مسبوق اعترف به عدد من رجال الشرطة بعد ان قبض عليه واصبح صديقا لهم صارحهم بكل شئ بعد ان خذله (توفيق) اقرب الناس اليه وستعرفون ذلك من خلال القصة…ولكى نضعكم فى الصورة وانتم تتابعون احداث هذه العملية لابد لنا من ان نحدثكم بان الطاهر الفلاتى الرجل الثالث فى تنفيذ عملية السطو كان قد اخذ من المبلغ المسروق تسعين جنيها قبل دفنها وباذن من (عباس) وسافر فى اليوم الثانى او الثالث للسرقة لمدينة الخرطوم وقد كان يخبئ المبلغ فى حذائه وقد خاطه فى كعب الحذاء خوفا من التفتيش لكبر حجم المبلغ آنذاك وهو شخص عادى يعمل بالاجر اليومى فقد كان خائفا من ان يقع فى يد الشرطة وينكشف امر السرقة برمته لكنه قد تمكن بالفعل من السفر للخرطوم وظل هناك يترقب عباس وكان قلبه على عباس وجماعته.

اصدر كمندان شرطة مديرية النيل الازرق (لويس سدره) قراراً فورياً بايقاف أي قطار تحرك في يوم السطو من مدني الى أي جهة وكذلك السيارات والبصات واللواري وامر جنود الشرطة (بضرب البروجي) فتجمع كل العسكر.. وللذين لا يعرفون البروجي فإنه يضرب في مثل هذه الجرائم الكبرى وعلى اي عسكري يسمع صوت البروجي ان يترك كل ما عنده ويسجل حضوره فوراً حتى لو كان هناك مريض من ابنائه او لديه عزاء بالبيت فالبروجي يعنى ان هناك مصيبة او جريمة كبرى قد وقعت ويستدعي الامر حضورهم جميعاً ليتلقوا بعد ذلك التعليمات ثم قال الكمندان لويس سدره لا تتركو حتى النساء وبائعات اللبن وبائعيه وفتشوا حتى تمنة اللبن.. ثم ارسل الخبر لاذاعة ام درمان والتي قامت بدورها بإذاعته فوراً وقد هز الخبر كل ارجاء السودان كما بعثوا بإرشادات لكل نقاط التفيش واستمر هذا الشئ لمدة ثلاث ايام.
كان كمندان شرطة مديرية النيل الازرق (لويس سدرة)، منزعجاً جداً لم يهدأ له بال الا بعد ان يقبض على الجناة وقد اعلن للملأ بأنه سيتقدم باستقالته من الشرطة في حالة فشله في معرفة منفذي هذه العملية التي كانت الاولى من نوعها ابان تقلده كمندانية شرطة مديرية النيل الازرق.. وعلى حد قول من كانوا قد عاصروا تلك الفترة بأنه قد قال للمواطنين عبر مكبرات الصوت ان يساعدوا الشرطة بأي خيط يوصلهم لمنفذي العملية وهناك حافز مالي قدره (اربعمائة جنيه) لمن يدلهم بدليل يستطيون من خلاله القبض على منفذي العملية.. ولا يفوتني ايضا الا وان اذكّر القراء بأن اذاعة ام درمان وعندما وصلتها اشارة بالخبر كانت ترد عبر المذياع بأن منفذي العملية ثلاثة اشخاص احدهم غير سوداني في اشارة واضحة لبطل العملية وقائدها (عباس بنك) والذي سبق وان قلنا عنه في بداية هذه القصة بانه مكث فترة طويلة بأمريكا مكنته من التحدث باللغة الانجليزية بطلاقة وفي ذات الوقت اضعفت لغته العربية الشيء الذي دعا مدير البنك بأن يؤكد للمتحري بان هناك شخصاً غير سوداني.. وكان عباس يتابع الاذاعة من مخبئه وعرف أنه هو المقصود بالشخص غير السوداني لكنه لم يأبه بذلك لثقته الكبيرة في نفسه وفي معاونيه.
نعود لاستعدادات الشرطة:
ظلت شرطة مديرية النيل الأزرق تعاونها كل مديريات الشرطة بالسودان في حالة تأهب اكثر من قصوى لأن الجريمة كانت الاولى من نوعها في السودان وكان بودمدني معتادو اجرام لكن افكارهم في الجريمة محدودة الشيء الذي جعل (لويس سدرة) رجال الشرطة يفكرون كثيرا في هذه العملية السطوية الخطيرة فقد طوقوا المدينة من أقصاها لأقصاها ووصلت الاشارات بأوصاف الجناة لكل منافذ الخروج من السودان من مديرية النيل الازرق وحقيقة كان كمندان شرطة مديرية النيل الازرق (لويس سدرة) يتمتع هو الآخر بذكاء كبير حيث كان كل تركيزه على منافذ المديرية وهو يؤكد بأن الجناة ما زالوا داخل هذه الدائرة بل داخل مدينة ودمدني وظل يعمل على هذا الأساس وانتشرت قوات بوليسها السري في كل مكان يبحثون عن رأس خيط يقودهم لمنفذي عملية السطو على بنك باركليز مدني.
وكان بالمدينة فتوات تعرفهم الشرطة تماماً لم تشر اصابع الاتهام لهم بصورة واضحة لكنهم وضعوا تحت المجهر وفي مقدمته (عوض حلاوة) الرجل الاتحادي الديمقراطي ذي البنية الجسمانية القوية.. لم يكن هذا الرجل يعرف مثل هذه الجرائم لكنه عرف في اوساط الشرطة بشغبه وبقوته الجسمانية الخارقة لم يتهمونه ولم يستدعونه لكنهم كانوا يريدون الاستعانة به وبزملائه الفتوات الذين اشتهروا بترددهم على مقاهي المدينة.. ولحصافة (عوض حلاوة) عرف من خلال نظرات رجال الشرطة ان الامر يعنيهم وكان قلقاً جداً وتمنى ان يتم القبض على منفذي العملية والذين اشار اليهم كثيراً جداً بأنهم من خارج المدينة وبدأ يعيد شريط ترددهم على البار عندما كان يقول لزميله التوم النمر: الناس ديل ما من مدني وما جايين لحنان وكان يحرض (التوم نمر) ليفتعل معهم أي مشكلة ليقوم بتأديبهم كما كان يحكي الحديث (التوم النمر) الذي ترونه في الصورة مع (عباس بنك) والذي صادقه بعد خروجه من السجن وصارت بينهم علاقات جيدة.
بالمناسبة من انواع الذكاء الذي كان يتمتع به عباس فإنه ومن خلال تردده على بارات ومقاهي المدينة ومن خلال حديث الناس استطاع ان يعرف كل فتوات مدينة ودمدني وتأكد تماماً بأن اقواهم والرجل الذي يهابه الناس هو (عوض حلاوة) وكان عباس قوياً جداً ومدرباً تدريباً امريكياً رفيع المستوى لكنه لم يظهره لاسباب يعتبرها فنية جداً قد تفسد عليه مخططه.. لذا لزم الصمت والكتمان بالرغم من انه كان يسمع عبارات من بعض الفتوات يعنونه بها لكنه لا يعيرهم اي اهتمام خوفاً على فشل عملية السطو وقد بانت قوته وشراسته وفنياته العالية بعد أن تم القبض عليه بتلك الطريقة التي لم يكن يضعها بحسبانه ولم يراوده مجرد خوف على انه سيقع في قبضة الشرطة لأنه قد رتب الامر تماماً.
استمرت الشرطة في تطويق المدينة تماماً وايضاً نقاط التفتيش واستمرت اذاعة ام درمان تردد الخبر وتصف اشكال الجناة وتردد كثيراً بان احدهم غير سوداني في اشارة واضحة لمنفذ العملية (عباس) الذي سبق وان تحدثنا عن انه يجيد اللغة الانجليزية بطلاقة لطول فترة اقامته بامريكا الشيء الذي انعكس سلبا على لغته العربية لذا كانت الاذاعة تردد ذلك وكان عباس يتابع الاذاعة من مخبئه بمنزل توفيق الذي كانت هذه ايضاً من المهمات التي اوكلت له ان يؤويهم بمنزله بمشروع الجزيرة ببركات.. استمرت الشرطة في مهمتها ليلا ونهار ولمدة اسبوع يبحثون عن منفذي العملية وقد وصلوا ذات مرة الى بركات فشاهدهم عباس عبر نافذة منزل توفيق الذي يختبئ فيه وزميله احمد خليل البربري وتابعهم الى ان عادوا فبدأ ينتابه احساس بان الشرطة كأنها قد اوشكت ان تعرف المخبأ.. بدأ عباس يغادر المنزل في ساعات الصباح الاولى ناحية غابة ام سنط الكثيفة والشهيرة وقد كانت تلك الغابة ملاذاً للرعاة لكثرة الكلأ هناك فبدأ عباس خائفاً من مجئ وذهاب الرعاة لتلك الغابة لانه يخشى التحدث مع احدهم فينكشف امره بلغته العربية الضعيفة والتي يرددها بصفة يومية راديو ام درمان.. كان قلبه يحدثه بأن هذا المكان غير آمن بالنسبة له لكنه وفي نفس الوقت يعده المخبأ الأنسب لكثافة الاشجار غير انه كان منزعجاً من الرعاة الذين يترددون على الغابة بصفة يومية وقد كان ظنه في مكانه فلقد بلغ عنه احد الرعاة عد ان شكك في هيئته وسمعه بلغته العربية الضعيفة فالرعاة كانوا يسمعون النداءات عبر اذاعة ام درمان فساورت احدهم الشكوك فذهب الى قسم الشرطة وابلغهم بان هناك شخصا يتواجد يومياً من الساعات الاولى للصباح وكأنه يخبئ نفسه فذهبت قوة كبيرة من شرطة مديرية النيل الازرق الى غابة ام سنط فوجدته هناك وتم القبض عليه كإنسان مشتبه فيه فاقتادوه لمباني الاساس واجروا معه تحريات كثيرة عن هذا الحادث فأبى ان يقر ويعترف بجريمته الشيء الذي ازعج الشرطة مرة اخرى ورغم الضغوط التي مورست معه كان قوياً وشجاعاً فرفض الاعتراف بأنه أحد منفذي العملية وظل حبيساً بالقسم وظلت الشرطة تجري بحثها وتطويق المدينة على امل ان يعثروا على خيط يدلهم على الجناة..

كان لويس سدرة كمندانت شرطة مديرية النيل الأزرق يعتبر ان الشخص الذي تم القبض عليه هو الاقرب في المشاركة في عملية السطو فاتخذه الورقة الرابحة الي ان تاخذه افكاره للوصول للمجرمين .. ومن ذكائه الذي كان يتمتع به ان أعلن عبر الإذاعة وعبر مكبرات الصوت إن إي من منفذي العملية إذا جاء واعترف ودلهم علي مواقع الجناة فسيعدونه شاهد ملك فقط ويخرج من هذه المصيبة الكبيرة ..سمع توفيق ما قاله لويس سدرة ولكنه تردد كثيرا بينه وبين نفسه للتبليغ عن زملائه خوفا من (عباس بنك) من جهة وخوفا من إن يكون كلام الشرطة لإيقاعه في قبضتهم لكنه ترجل وذهب إلي مباني الشرطة وقابل الكمدان بنفسه وافشي له بكل اسرار السطو علي البنك.. الي هنا لم يحدثه احد بان في قبضتهم رجل تساورهم شكوك بانه من المجموعة التي سطت علي (بنك باركليز)وبعد ان تحرت الشرطة مع (توفيق) الذي حدثهم بكل تفاصيل الحادث واسماء المجموعة ورئيسها مدبر ومنفذ العملية وحدثهم ايضا بمكان دفن الفلوس بالقرب من الترعة الرئيسية ببركات وحدثهم بان (الطاهرالفلاتي ) قد اخذ مبلغ تسعون جنيها وذهب الي الخرطوم لم يترك شيئا حتي حدثهم به حتي يضمن خروجه من القضية كشاهد ملك حسب الوعد الذي قطعه كمندان الشرطة . فبعد ان سجل (توفيق) كل اعترافاته اقتادوه إلي مكان الفلوس عند الترعة الرئيسية ثم أشار لهم علي الموقع فقام رجال الشرطة بحفر المكان فلم يعثروا علي شئ فساورتهم الشكوك في صحة كلام (توفيق) لكنه كان يؤكد لهم بانه المكان الذي دفنت به الفلوس ولم يعلموا بان الصبي كان قد حفر المكان واخذ اربعة جنيهات ثم غير مكانها… فكر(لويس سدرة) كثيرا ثم امر رجاله بحفر كل المساحة عسي ان يكون هناك من غير المكان فقد قاموا بحفر كل المساحة الي ان بان لهم البشكير الذي وضعوا فيه الفلوس فهدا بال الكمندان وحمل البشكير ومعه بعض الضباط والعسكر وذهبوا به الي الرجل المقبوض عليه ورماه امامه وقال له : بتعرف البشكير ده يا عباس؟اندهش عباس وتطايرت عيونه فقد صمد بقوة للضغوط التي مورست معه لكي يعترف فرفض ذلك رفضا باتا للعهد الذي تعاهدوا عليه بان لايعترف احد اذا قبض عليه فظل عباس غاضبا ليس لانه في قبضة الشرطة وقد ثبتت عليه الجريمة وسرعان ماباغتهم بسؤال موجه الي الكمندان( لويس سدرة) وقال له بعربية مكسرة: منو الاعترف وراكم مكان القروش؟ فاجابه سدرة: توفيق ياعباس . ذادت الدهشة!! فقال قولته الشهيرة( اظني قد تعاملت مع ستات) !! ثم واصل حديثه وقال لرجال الشرطة المتجمهرين امام حراسته : حاحكي ليكم عن كل كبيرة وصغيرة في العملية وعن تفاهة توفيق الخاين. واكد ان مخططه كان دقيقا جدا . بعد كل هذا اودع عباس بنك وجماعته في السجن وكانوا امام الامر الواقع فقد نمت علاقة طيبة بين عباس ورجال الشرطة بعد ان فتح لهم قلبه وحكي لهم عن قصة حياته. كان اكثر الناس لصيقا بعباس العم الحاج فضل الله الشهير ب(عضيضة) وهو سائق بالشرطة انذاك وكان دائما ماينقل عباس وجماعته من السجن الي قاعة المحكمة ,,, دونة الشرطة كل معلومة تتعلق بالقضية الي ان جاء يوم الفصل في القضية بالمحكمة التي كانت من حظ مولانا (عبدالرحمن النور) اول قاضي لسودنة القضاء ونعلم من ذلك ان القضية قد فصل فيها عام 1957 اي بعد الاستقلال بعام واحد.
قبل ان نبدا بالمحكمة نريد ان نوضح لكم ان مدينة مدني ان ذاك كان بها محاميان هما (احمد خير الماحي) (وزيادة ارباب) وكان مولانا عبدالعذيذ شدو قاضي درجة ثالثة وكان مولانا عبدالرحمن النور اول قاضي مديرية بانيل الازرق بعد خروج الانجليز.
هناك بعض الطرائف صاحبت هذه الجريمة منذ ساعة وقوعها فقد ذكرنا لكم ان اصابع الاتهام كانت موجهة الي فتوات مدني وبعد القبض علي (عباس بنك) سمع عوض حلاوة بان منفذ عملية البنك قد تم القبض عليه هو ومجموعته فذهب مباشرة الي قسم شرطة الاساس سابقا الاوسط حاليا فوجد جمهرة كبيرة يتوسطها كمندان الشرطة ورجاله يحيطون بعباس ومجموعته وعلي حد قول احد الذين كانوا حضورا بان (عوض حلاوة) دخل الي مباني الشرطة هائجا ويردد ..اين المجرم؟ اين عباس السرق البنك ؟ رمقه عباس بنظرة حادة وكان طليق اليدين فقال له: انا عباس عماد الدين ماسرقت لي محفظة من حرمة!! ولانطيت في بيت مواطن!!انا سرقت الحكومة؟ وباغته بضربة شديدة علي وجهه وقع علي اثرها حلاوة علي الارض11 وعندما حاول رد اللكمة لعباس اوقفه رجال الشرطة وكان في حالة هياج شديد حيث لم يسبق لاحد ان يتجراء ويسدد له مثل هذه الضربة الشديدة …..وبعد ان اودع عباس في السجن افتعل عوض حلاوة مشكلة ادخلته السجن وكان يقصد ذلك حتي يواجه عباس داخل السجن وقد حدث ذلك ان اشتبكا داخل السجن فتغلب عليه عباس بفنياته الامريكية العالية علي الرجل القوي (عوض حلاوة) وتم ابعادهم من بعض حتي لايشتبكا داخل السجن, فقد ظهرت قوة عباس التي كان يخفيها خوفا من فشل مخططه.
بدات محاكمة عباس ومجموعته وكان مولانا عبدالرحمن النور قد انزعج من جمهرة الناس الذين كانوا يتوافدون لمشاهدة عباس فامر بطبع تذاكر مجانية فالذي يحظى بتذكرة يستطيع ان يحضر المحكمة وكل هذا لم يمنع الجمهرة فقد كان الناس يتسلقون الاشجار يوم الجلسة الاخيرة جلسة النطق بالحكم 1957.
وقبل ان يقدموا عباس ومجموعته لموقع المحكمة كان يقول وعلي حد قول حاج فضل الله الذي لازمه كثيرا (لو حاكمونا بالعدل فسنقضي فترة الحكم بالسجن وان لم تكن المحكمة عادلة فسوف نهرب من السجن) هذا ماكان يردده

بدات الجلسة وسط حضور كثيف وبعد قرائت حيثيات القضية وافادات التحري الذي كان يقوده ضباط كبار وبعد مداولات المحكمة الموقرة نطق مولانا بالحكم الذي اصدرته المحكمة علي عباس بنك بالسجن لمدة اثني عشر عاما وتفاوتت الاحكام علي الاخرين مابين خمسة وسبعة سنوات وقد برات المحكمة (توفيق ) واتخذته كشاهد ملك وقد اسدل الستار علي اكبر قضية شهدتها البلاد في تلك الفترة منذ وقوع الجريمة عام 1955 م الي 1957م.

الهروب من السجن:
تضاربت الاقوال بان كل المجموعة بزعامة عباس قد هربت من السجن

تعليق واحد

  1. سرد جميل و ممتع. و كان جدودنا في الحصاحيصا كثيراً ما يذكرون هذه المغامرة.
    لكن ثمة تساؤلات.
    كيف عرفوا بقصة الصبي الذي غير مكان المبلغ المسروق.
    و لماذا لم يظهر له اثر بعد ذلك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى