آخر الأخبار

صائد السمك شنودة فكري

صائد السمك شنودة فكري: مطاردات القرنتي والتماسيح أرعبتنا وجني البحر صرخ في وجه صديقي
أجراه: عباس عزت
الموردة والنيل ذكريات تعانقت فيها مدينة ام درمان مع الماضي الجميل ، يتحدث أبناؤها عن بعض الذكريات الجميلة من ذاك الماضي، لتتوقف الأنفاس عند بعض تلك الذكريات، لغرابتها وتتعالى الضحكات عند بعضها، لفكاهتها..
ذكريات رواها لـ(التيار) صائد الاسماك (شنودة فكرى) ، من أبناء حى الموردة الأمدرمانى العريق، والذى يعدُّ من أكبر صيادى السمك فى الموردة، عبر ذكريات عشرات من السنين. وفى أحد أزقة سوق الموردة العتيق التقيت بالصياد شنودة فى دكانه الصغير وهو يقوم بنسج شباك صيد السمك..
سألته عن حكايته مع صيد السمك ومتى بدأت؟
نحن في العائلة نتوارث المهنة عن آبائنا وأجدادنا، فأنا ورثت مهنة صيد السمك عن أبي؛ وهو بدوره عن أبيه صعوداً، فلا أذكر من من أجدادي بدأ باحتراف هذه المهنة، فقد وفد اهلى من زمان بعيد الى مدينة ام درمان قادمين من قرية (بليلة) بمديرية سوهاج فى جمهورية مصر، ومن المعلوم بأن أهالى هذه القرية التى تقع على الضفة الغربية للنيل يشتهرون بحرفة صيد السمك، و لطالما تخرج صيادو أسماك مهرة من (بليلة)
وماهى أسباب نزوح أاهلك من مصر إلى منطقة الموردة تحديدا؟
بعد ان قلت كمية الاسماك بمنطقتنا ، قام أحد أهلى الكبار باستكشاف منطقة الموردة وخزان جبل اولياء ووجد كميات كبيرة من سمك (الكاس والكوّارة) وعددا قليلا من الصيادين يصيدون السمك بطريقة بدائية ( الجبّادة والسنارة).. مما شجع أسرتنا فى النزوح جنوبا من سوهاج إلى الموردة فى أربعينات القرن الماضى واستقروا بمنطقة الموردة وكان عمرى حينها حوالى ست سنوات
هل واجهتكم صعوبات فى بداية الامر عند نزوحكم لمنطقة الموردة؟
بالعكس.. وجدنا كل الترحاب من سكان الموردة، والشعب السودانى طيب جدا وهم ناس الكرم والجود، ومافى شعب بيسبقهم فى الكرم وكان الناس متعايشين لدرجة انك تجد 7 أسر تسكن فى حوش واحد، وما حسينا بالغربة وسطهم، واندمجنا بسرعة وسط الناس وبقينا أولاد بلد بالجد فى فترة وجيزة..
كيف كانت الموردة فى الاربعينات؟
أصلا الموردة كانت ميناء للغلال والحبوب. والمراكب القادمة من الشمالية كانت ترسو بالموردة وكانت مخازن الغلال فى مكان المطاعم الحالية .. ومن المعالم القديمة كانت هناك قهوة الخواجة التى يتجمع فيها الصيادون وكانت مكان سوق السمك الحالى وكان حوش الميناء يمتد حتى حديقة الموردة الحالية،وكان بها صخرة كبيرة طولها حوالى 4 امتار اندفنت تحت التراب الآن، وايضا كان هناك بار (حليم) خلف مكتب البوستة وهو اول بار بالمنطقة ، وكانت هناك معدية (الشايقى) التى تقوم بنقل المحاصيل والخضروات بين جزيرة توتى والموردة، وهى المعدية الوحيدة فى ذلك الزمن. وكانت هناك حديقتان كبيرتان بجانب الريفيرا تحولت الآن الى جامعة القرآن الكريم..
وكيف كنتم تقومون بالصيد؟
كان أبي يركب على (المركب) لينزل بها إلى خزان جبل الأولياء, ويعود بالسمك الوفير من أصناف (الكاس والكوارة)، وهى الأصناف التى يصنع منها الفسيخ وكنا نستخدم المراكب الخشبية المصنوعة من الخشب، حيث كان الناس هنا يصطادون بواسطة السنارة على الشاطئ فقط..
هل أحضرتم معكم المراكب من مصر؟
نحن أول من أدخل المراكب فى صيد السمك بمنطقة الموردة ،ونحن أول من صنع مركبا لصيد السمك .. وكنا نقوم بصناعة المراكب بمنطقة( اللدية ) بجبل الأولياء, حيث تتوفر أشجار الحراز, ولكن وجدنا المركب المصنوع من شجر الحراز لايعمر أكثر من سنة ، لذلك استبدلنا به شجرة السنط الذى يعيشأكتر من سنتين، (المراكب الآن اصبحت تصنع من الصاج والفايبر), وكنا كل يوم نقوم فى الصباح الباكر ،أنا وإخوتى ونذهب إلى جبل الأولياء برفقة والدنا لنساعده فى صناعة المركب ونعود بها لبيعها فى منطقة الموردة. ثم أردف بفخر: نحن أول من أدخل شباك صيد السمك فى السودان وكنا نصنع الشبك من الدبارة, وكنا نعانى كثيرا من الشبك المصنوع من الدبارة لانه سريع التلف, وتطور إلى خيط النايلون وأخيرا السلك ، وكنا نحتكر الشبك لأسرتنا فقط , وبعد عشرين سنة ظهرت الشباك المستوردة بواسطة تاجر تركى فى الخرطوم اسمه(نجيب التركى).
ما هي المناطق التي تفضل الصيد فيها؟
كانت مناطق الصيد وما زالت،من خزان جبل الأولياء الى الموردة، ومن الموردة الى عطبرة..
ماهى انواع السمك المتوفرة بنهر النيل؟
هناك اكثر من 99 نوع ولكننا تخصصنا فى صيد (الكأس والكوار) لصناعة الفسيخ الذى نقوم بتصديره لمصر..
ماهى المخاطر التى تواجه صياد السمك؟
الصياد معرض لأى شىء، وزمان كان النيل يعج بالقرنتى والتماسيح التى تطاردنا أثناء رحلات الصيد ونهرب منها بالتجديف.. واذكر عندما كان عمرى حوالى 13 سنة كان هناك سحّار(جنى من سكان البحر), فى هيئة بنى آدم جسمه مغطى بالشعر الغزير وأظافره طويلة, وكان يخرج من البحر فى الليل ويقوم بمراقبتنا أثناء نصب الشباك وقد تسبب فى اصابة أحد أصدقائى بالجنون بعد أن خرج له من البحر فجأة، وصرخ فى وجهه, وهو موجود حتى الآن بالشاطئ , وصديقى موجود أيضا، ولكنه مجنون بسوق الموردة.
ماالسبب وراء ارتفاع سعر السمك الآن؟
فى الماضى كانت الأسماك متوفرة وعدد الصيادين قليلا، والآن حصل العكس ..زاد عدد الصيادين وقلت كمية الأسماك, وزمان كنت تشاهد مركبا أو مركبين على طول النيل من جبل الأولياء وحتى الموردة , والآن تشاهد آلاف المراكب, وزمان كان قليل من الناس يأكلون السمك وكان معظم السودانيين يعافون رائحة السمك، والآن اصبحوا (يتمسحوا بيهو)، ولكن السبب الرئيس فى ارتفاع الاسعار يعود الى تجار السمك الذين يشترون منا بأرخص الاسعار ويبيعون بأعلى سعر، وتجار السمك هم المستفيدون والصياد( تعبان ساكت) ومحتاج دعم من الحكومة ,
وكيف تدعم الحكومة الصياد ؟
الحكومة ممكن تعمل جمعية لصائدى الأسماك, حيث تشترى الجمعية الاسماك من الصيادين وتبيعه للتجار بسعر محدد وبالتالى يمكن التحكم فى أسعار السمك، كما تقوم الجمعية بدعم الصيادين بتوفير مدخلات الانتاج من شباك ومراكب ،والتعرف على احتياجاتهم ومشكلاتهم وتقديم المقترحات لتطوير الصيد ، وتقديم النصح والمشورة في برامج دعم الصيادين وتحديد أولويات الدعم، إلى جانب تقديم المقترحات لتطوير تسويق المنتجات السمكية بما يحقق تنمية قطاع الأسماك ويضمن الفائدة القصوى من الموارد السمكية، كما يحدث فى جمهورية مصر، حيث تقوم الحكومة بدعم الجمعيات. والصياد عندما يبلغ الخمسين من العمر تقوم الجمعية بدعمه بمعاش شهرى..
بعد كل تلك الذكريات الجميلة التي أتحفنا بها الصياد فكرى شنودة، أقول، بعد كل ذلك فأنا متأكد من وجود الكثير مما لم يذكر بعد، كيف لا وقد قضى عشرات السنين بين مياه النيل وشواطئ الموردة، يصطاد من الخيرات التي حبا الله تعالى هذا البلد بها منذ أن خلق الله تبارك في علاه الأرض ومن عليها ..

10533841_854115847943116_2466259226698414770_n

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى