آخر الأخبار

ابن رشد والفتنة فريد العليبي

ابن-رشد-2-300x116

ابن رشد والفتنة
فريد العليبي
لا تزال جملة من المفاهيم والمصطلحات والأفكار الإسلامية التقليدية تمارس تأثيرها في واقع عربي يموج فيه الناس بعضهم في بعض، اقتتالا واحترابا، بما يحيل إلى مفهوم الفتنة فعودة “القديم” و“الفائت” أمر يسهل رصده اليوم في ارتباط بالحدث السياسي العام الذي يفرض طرح سؤال الفتنة من جديد .
ونبتـغى هنا الالتفات ناحية الفلسفة العــربية من خلال أحد أبرز رموزها، ونعنى ابن رشد لمساءلة هذا المفهوم ضمن متنه الفلسفي ، أملا في الإحـــاطة بجانب من جوانب رؤيته السياسية، و هو ما لا يمكن الوقوف عليه دون إعــادة النظر في الصراع الذي دار بين الكلام والفلســـفة، كما عرضه وحلله وشرحه فــيلسوف قرطبة على هذه الصعيد بالذات، بما من شأنه أن يمكننا من رسم الحدود بين خطابين متضــادين في السياسة، لكل منهما آلياته و استراتيجياته.(1)
لقد توارى مفهوم الفتنة عربيا عن الأنظار لمدة نصف قرن الماضية على الأقل، ليعود بقوة في علاقة بالمستجدات الراهنة كما ذكرنا، ففي واقع عربي معقد تلفه الغيوم و تعوي فيه العواصف يجرى توظيف الدين و المذهب و الطائفة و العشيرة في الصراعات السياسية المحتدمة التي تنفجر هنا و هناك و هي متسربلة بخطاب الفتنة.
وهذا ما طرح من جديد إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة، في إعادة إنتاج لمشكل قديم هو مشكل الصلة بين الشريعة و المدينة، أي ما حاول ابن رشد فهمه وتحليله قبل قرون، ومن هنا فإن الاتجاه ناحية مدونته الفلسفية لمساءلة خطابه حول الفتنة يفرض ذاته، فقد واجه المتكلمين من موقع الفلسفة، مبينا تهافت حججهم في صلة بإستراتيجية فكرية لا تتوانى عن كشف مقاصدها، ممثلة في محاربة الفتنة بما تحيل إليه من نزاعات وانكسارات ، وما تستوجبه من تطارح بدائل مرتكزة على وحدة المدينة وتناسقها وانسجامها، لأجل ذلك اندرج خطابه حول الفتنة ضمن مقاربته للمشكلة السياسية.
وعلى هذا النحو فإننا نحاول قراءة ذلك الخطاب في صلة بهواجس صاحبه السياسية، أي في علاقة بالتاريخ ومشكلاته العينية، فنحن نهتم بدراسة ابن رشد الواقعي قدر الطاقة ونحاول أن نضرب صفحا عن ابن رشد المتخيل ، الذي تقدمه لنا بعض الكتب و الدراسات.
والالتفات ناحية ابن رشد الواقعي والتاريخي يتيح لنا التساؤل عما إذا كان تلخيصه لكتب أرسطو وجمهورية أفلاطون و تأليفه للفصل والكشف وتهافت التهافت وبالتالي صدامه مع المتكلمين قد تم لغايات عملية تتصدرها الغاية السياسية أم لا؟ و من ثمة تبين ما إذا كان تكليفه بتلخيص أرسطو من قبل الخليفة الموحدي قد خضع لغاية علمية فقط أم لسبب سياسي أيضا مرتبط بالقضاء على جذور فتنة كانت تزحف شيئا فشيئا على مدينته لخنقها والفتك بها؟
لقد كانت محنة ابن رشد وما رافقها من سجن و نفى وطرد و تجريم و تحريم متصلة بالفتنة موضوع حديثنا، أي إن الجانبين الفلسفي ووقائع حياة ابن رشد ذاتها تكشف عن أهمية القراءة التي نود الإبانة عنها فحراسة المدينة وردّ الفتنة عنها تكون بالفلسفة، التي تؤدى هنا وظيفة سياسية و إيديولوجية، ليس فقط من موقع العلم و العقل و البرهان كما سوف نبينه، وإنما أيضا من موقع الانخراط في المعارك المحتدمة والاكتواء باضطراب الوقت، فقد كان ابن رشد شخصية قلقة من حيث صلته بالفكر الإسلامي، فهو من بين “أولئك الذين أشاعوا سورة التوتر الحي معرضين عن الظاهر الساذج المستقيم إلى الباطن الشائك الزاخر بالمتناقضات”،(2) وهو ما تكشف عنه عباراته المليئة بالمرارة و التوتر في كتاب فصل المقال حيث نقرأ “إن النفس مما تخلل هذه الشريعة من الأهواء الفاسدة و الاعتقادات المحرفة في غاية الحزن و التألم”. (3)
وفضلا عن هذا تطرح مساءلة الفتنة إشكاليات منهجية تتعلق بكيفية مناقشتها، حيث نجد مدخلين متضادين يتمثل أولهما في المناقشة التقليدية، فتبدو الفتنة كصراع مذهبي حول تأويلات ومصطلحات وأفكار ومعتقدات متنابذة، وهو ما يؤدى إلى استخلاص أنها صراعات عقيمة وجب تجاوزها حتى تعود الملة إلى الصراط المستقيم، أما الثاني فيتمثل في الذهاب إلى الترسبات الثاوية في قاعها ، وخاصة السياسية والاجتماعية، و بالتالي تمزيق قشرتها الخارجية للنفاذ إلى ما تخفيه، ومن ثمة النظر فيما إذا كنا إزاء اجتراح بدائل ممكنة أو الانزياح نحو حلول متخيلة ؟ وهو ما يدعونا إلى التساؤل عما إذا كان ابن رشد قد اتجه منهجيا ناحية المدخل الأول أم المدخل الثاني؟ أي الإجابة عن مدى انتباهه إلى الأسباب السياسية و الاجتماعية المحركة للفتنة أو ملامستها على الأقل أم إنه ظل بعيدا عن إدراك قيمتها؟ وبالتالي محاكمة القول الرشدى بهذا الخصوص في ضوء رهاناته المتحققة أو تلك التي ظلت مستعصية بالأمس كما اليوم، ليس فقط على يد صاحبها وإنما أيضا على يد تلامذته، وغنى عن البيان أننا لا ننظر لابن رشد كلحظة عابرة وإنما كمدرسة لها ديمومتها.
تحتاج الفتنة إلى حفريات فلسفية، فمن سماتها المخاتلة، فهي تقوم على إخفاء أغراضها و كتمان أسرارها، ولا وجود لفتنة تعلن عن نفسها، وبالتالي فإن محاكمتها لا يجب أن تتجه ناحية ما تصرح به بل إلى ما لا تقوله، فما تضمره وتسكت عنه هو الأكثر تعبيرا عنها، و من هنا فإن الاستغراق في سرد مواقف أصحاب الفتن كما تبدو في ظاهرها يجعل صاحبه ضحية خديعة منهجية، فيكون أسير خطابات الفتنة التي تستدعى التعامل معها على نحو آخر، أي تحليلها و تفكيكها وردها إلى الوقائع التي تحاول صرف الأنظار عنها، و هنا بالذات تتنزل مهمة الفلسفة التي تجد ضمن مقام حديثنا لدى ابن رشد تعبيرا عنها.
الفتنة مفهوم إسلامي متعدد الدلالات(4)، وهى تتجسد في وقائع مغروزة في التاريخ الإسلامي، غير إننا لا نبتغى هنا الإحاطة بحمولتها كلها ولا بكل ما تحيل إليه من وقائع، و إنما غرضنا تبين دلالتها السياسية و الإيديولوجية ، أي بما تحمله من مضامين على صعيد العلاقة بين الدين و الدولة.
وإذا كنا قد أسلفنا القول أننا معنيون رئيسيا بمساءلة ما قاله ابن رشد على وجه الحصر بخصوصها، واستنتاج ما يلزم عن خطابه بتأصيله ضمن مكانه و زمانه، فإن النظر في إمكانية تبيئته في زماننا و مكاننا يفرض ذاته أيضا ، و بالتالي الإجابة عن سؤال ما إذا كانت هناك حاجة لابن رشد لمواجهة الفتنة الآن وهنا؟ أي فحص آراء ابن رشد السياسية في صلة بما أل إليه الواقع العيني ذاته، هذا الواقع الذي نميل إلى أنه يندرج ضمن بنية تاريخية موسومة بقدر كبير من الركود على النحو الذي أضحى التاريخ يكرر فيه ذاته على مدار السنين، مما يجعل المعضلات التي واجهها ابن رشد و ظلت دون حل تطل برأسها مجددا .
تحيل الفتنة لغويا إلى معان متباينة، و ذلك وفق السياق الذي ترد فيه فيقال فتن المعدن بمعنى صهره بالنار ليختبره، وفلان فتن فلانا ليحوله عن رأيه أو دينه. وهي تتلبس في المراجع الإسلامية دلالات مختلفة فهي تقع في المال و النساء و الشهوات و السلطة، و لكنها تحيل غالبا إلى الدلالة السياسية و الإيديولوجية كما أسلفنا.
وإذا استنطقنا دلالتها ضمن النص القرآني فإننا نجد جملة من الآيات التي تحيل أيضا إلى معان مختلفة مثل تلك التي تقول: “إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ”(5). فالأمر يتصل هنا بتمزيق الصفوف وشرذمة الأمة وتقسيمها، لذلك يتوعد الله أصحاب هذا الإثم بعذاب عظيم، وكثيرا ما تربط الآيات التي تتحدث عن الفتنة بوصف مثيريها بالنفاق و المرض في الدين والمرجفين، والتحذير من أن الله سيذيقهم عذاب السعير لذلك يقول القرآن محذرا منها “واتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً”(6)، فضلا عن تنبيه الرسول المؤمنين إلى الفــــــتن القادمة “ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ”.
و ينظر إلى الفتنة كقطع الليل المظلم بالنظر إلى ما تتسبب فيه من أذى للملة بأسرها فهي فساد في الأرض واقتتال يحرمه الشرع فالقاتل و المقتول في النار حيث نقرأ في القرآن “ والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ (7)، وفي الحديث ” إذا التقَى المسلمانِ بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النَّار“(8)، غير أنه في خضم الفتنة يكفر المتحاربون بعضهم بعضا، و بالتالي يضفون شرعية دينية على القتل فالآخر من الخوارج أو الروافض أو النواصب الخ …لذلك يجب الإجهاز عليه ، غير أنه يعسر غالبا على عموم الناس تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود على هذا الصعيد، فمن الصعب رسم خط الفصل بين المؤمنين و الكفرة بالوضوح الذي يزعمه صناع الفتن .
ولا تتعارض هذه الدلالة مع تلك التي ترد في المعاجم، بل إن هذه تستمد غالبا ما تصرح به من النص القرآني و تتماهى معه، فالفتنة مشبعة بمعاني الاحتراب داخل الملة لأسباب عقدية، فهي هرج ومرج بما يعنيه ذلك من تأليب الناس على بعضهم البعض .
الهوامش :
1- هناك من يرى أن الفلسفة العربية لم تعن بالسياسة و لم تبلور أطروحات سياسية، من ذلك ما يقوله هادى العلوي” إن الفلسفة التي وفرت معالجة حيوية للسياسة على يد الإغريق لم توفر ما يماثلها على يد المسلمين، و بخلاف السياسيات الإغريقية فإن حيوية الفكر السياسي في الإسلام تقع خارج الفلسفة “قبل أن يستدرك قائلا” و لا يفوتني أن انوه على سبيل الاستثناء بتلك النظرات السديدة التي صدر عنها كل من ابن باجة في تدبير المتوحد و ابن رشد في جوامع سياسية أفلاطون “ ، هادى العلوي، فصول من تاريخ الإسلام السياسي، الطبعة الأولى، نيقوسيا ـ قبرص :مركز الأبحاث و الدراسات الاشتراكية في العالم العربي 1995،ص89. غير إننا نجد في الفلسفة العربية اهتماما بالمسالة السياسية و تطارحا لمشكلاتها لا يخلو من الحيوية التي أشار العلوي إلى انعدامها، و هو ما حاولنا بيانه مستندين إلى تواليف فيلسوف قرطبة في كتابنا : رؤية ابن رشد السياسية، الطبعة الأولى، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 2007
2- عبد الرحمان بدوى، شخصيات قلقة في الإسلام، الطبعة الثالثة، القاهرة : سينا للنشر 1995، ص 9.
3- ابن رشد، فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، الطبعة الأولى، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1977، ص 125.
4- عادة ما يوسم الطرف المقابل في حروب الفتنة بأنه من أهل البغي أو الردة أو الحرابة، و في علاقة بذلك هناك قتال أهل الردة، و قتال أهل البغي، و قتال المحاربين، و هو ما يدرجه الماوردى في باب الولاية على حروب المصالح، ففي الردة يقتل من بدل دينه سواء كان رجلا أو امرأة فـ” قد قتل رسول الله صلعم بالردة امرأة كانت تكنى أم رومان “الماوردى، الأحكام السلطانية، الطبعة الأولى، بيروت : دار الكتاب العربي، ص 114.
وعندما تخرج طائفة من المسلمين و تخالف رأى الجماعة و تنفرد بمذهب ابتدعته و تظهر معتقدها توجب على الحاكم / الإمام دعوتها إلى الرجوع عن ذلك فإن رفضت فإنها من أهل البغي الذين يجب مقاتلتهم طبقا لما جاء في الآية” وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ “سورة الحجرات، الآية 9 .
و يذكر الطبري في تفسيره لهذه الآية أنها نزلت عندما حدثت معركة بين طائفتين من الأوس والخزرج، اقتتلتا في بعض ما تناعتا فيه, و من بين ما قاله” قيل للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لو أتيت عبد الله بن أُبيّ, قال: فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق المسلمون، وهي أرض سبخة، فلما أتاه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك, فقال رجل من الأنصار: والله لنتن حمار رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله بن أُبيّ رجل من قومه قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال, فبلغنا أنه نـزلت فيهم ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ). الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura49-aya9.html
و في الحرابة يقتل من يشهر السلاح و يقطع الطريق و يستولى على المال و يقتل النفوس لقول الآية “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” سورة المائدة، الاية 36.
5- سورة البروج، آية 10.
6- سورة الأنفال، آية 25.
7- سورة البقرة، آية191.
8- رواه البخاري .
9- الجاحظ، كتاب البخلاء، طبعة ليدن 1900، ص 10، موقع مكتبة المصطفى : http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot3/gap.php?file=i001145.pdf
……………………………………….
(2)
كثيرا ما يجرى التحذير من الفتنة والتنبيه إلى مخاطرها، ووصف مثيريها بالخسة والجبن، فهم يشعلون نارها ثم يولون الأدبار حيث نقرأ على سبيل الذكر في بخلاء الجاحظ ما يرد على لسان الأحنف بن قيس في رسالة سهل بن هارون إلى بني عمه “لا تسرعوا إلى الفتنة فإن أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من الفرار”(1).
وفي الفتنة تتحول الضحية نتيجة تأثير الشحن الطائفي وملء الصدور بالكراهية والاستلاب الديني إلى جلاد ووحش كاسر يفتك بنفسه وبالآخرين المخالفين لمعتقداته، ويصل ذلك إلى حد الهوس بما يقوله الشيخ والزعيم والإمام والفقيه الذي يحكم قبضته على الأتباع والمريدين بخطاب الطائفة والمذهب، حيث تسود ظواهر القتل والتمثيل بالجثث وهتك الأعراض في انتهاك للقيم التي عادة ما يجرى التقيد بمعاييرها في أوقات السلم .
ومن خلال الفتنة قد تدمر الملة نفسها فتصبح عرضة للأطماع وفريسة يسهل الفوز بها، لذلك نجد حرصا على تفادي الفتنة ولو بالتضحية بالحرية أحيانا فسلطان غشوم خير من فتنة تدوم. والفتنة إكراه الناس بالقوة والإرغام والسيف والسنان على تغيير أفكارهم ومعتقداتهم وعاداتهم، والتخلص منها باعتبارها باطلة وتقديم أخرى لتقوم مقامها على أنها صائبة، وتقود صاحبها إلى السير على الصراط المستقيم، فإذا ما رفضوا قطعت رقابهم وسبيت نساؤهم واستبيحت أملاكهم.
وهي تقترب من أن تكون حربا أهلية عندما تبلغ ذروتها فتحتكم الأطراف المتصارعة فيها إلى السلاح. وهي في المجتمعات الراكدة غالبا ما تعيد إنتاج ذاتها بصورة تكاد تكون دورية، في محاولة متكررة لنصرة هذا المذهب أو ذاك، وبالتالي فرض سلطانه على بقية المذاهب، أو ببساطة إلــغاؤها، أما الفتنة في درجتها الدنيا فإنها تؤدى وظيفتها كمقدمة لحرب أهلية.
والفتنة في وجه من وجوهها وبغض النظر عن درجة تطورها وخطورتها تجلِّ عنيف لصراعات سياسية مغلفة بالعقيدة، لذلك يتم فيها العزف على وتر الوفاء للأسلاف والتشهير بالأخلاف الذي خانوا مبادئهم وحادوا عن سبيلهم فكفروا، فيمارس من خلالها وأثناءها الماضي سلطانه متحكما بالحاضر فيمسك الأموات بتلابيب الأحياء ويجعلونهم يتقاتلون فيما بينهم مثلما تقاتلوا هم قبل قرون خلت، فترفع الرايات والشعارات القديمة مجددا، وتتردد نفس الكلمات والجمل والخطابات أو ما يشبهها، بل حتى الألبسة والأسماء والألقاب تتم استعارتها غالبا من الأسلاف.
وإذا نظرنا إلى الفتنة من زاوية التاريخ الإسلامي أمكننا ملاحظة أن تاريخ المسلمين هو تاريخ فتن منذ مقتل عثمان حتى الآن، بل إننا نجد مقدماتها الأولى في الفترة المحمدية نفسها، عندما اتهم ذو الخويصرة النبي بالجور في توزيع الغنائم مثلا، فضلا عن اتهام آخرين له باختلاق الآيات وتغييرها والتصرف فيها بحسب ما تقتضيه المصلحة السياسية، فالفتنة تخترق أغلب مراحل ذلك التاريخ، وكل فتنة يقول مشعلوها إنهم مصلحون، ولكنهم ينتهون إلى المزيد من تعكير الأوضاع وانطلاق فتن جديد فالفتنة متنقلة مترحلة في المكان وفي الزمان.
ورغم ما ذكرناه من مضارّ الفتن فإن المرجعية الدينية تضفى عليها أحيانا صفة ايجابية، ففيها عبر ودروس لقوم يعقلون، فهي تتخذ شكل المحنة التي يسلطها الله على عباده ليستفيدوا منها في تقوية إيمانهم واكتساب القدرة على التحمل والتخلص من الوهن، فكأنما تتطهر الملة من أوجه ضعفها بالفتن.
وهي تختلف عن مفهوم التدافع الذي يرد في الآيتين : “وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ(2)” ،“وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا”(3)، فالتدافع يحيل إلى صراع ايجابي بناء بينما تحيل الفتنة غالبا إلى ما هو سلبي كما بينا.
ومن زاوية النظر الفلسفية كما بلورها ابن رشد فإن الفتنة تقسيم لصفوف الملة لذلك فإنها تمثل أذى يتوجب دفعه، وقد وظفت الفتن لتبرير القمع وتقوية شوكة الدولة حينا، وأدت أحيانا أخرى إلى هلاك بلدان وأقوام فذهبت ريحهم، خاصة عندما تمكن منهم أعداؤهم الطامعون منذ زمن طويل، فانتظروا حتى تصبح تلك البلدان ثمرة يانعة وعندما حانت الفرصة قطفوها، وهو ما ألمحنا إليه. وقلما خلا تاريخ أمة من الفتن التي هلكت بسببها إمبراطوريات ودول.
ولتفسير الفتنة إسلاميا أو تبريرها فإنها كثيرا ما توضع على كاهل طرف خارجي، مثل اليهود والنصارى والماسونيين، وخاصة عندما تشارف على نهايتها، أو عندما يؤرَّخ لها إسلاميا وقد حطت أوزارها، للإيحاء بأن المؤمنين إخوة أضلهم الأعداء الذين يتم إلباسهم لبوس الشياطين الموسوسة في الصدور، فنحن أبرياء وهم فعلوها بنا ولكن لماذا استجبنا نحن لها؟ هذا ما يتم التغافل عنه للتفصي من المسؤولية، فالفتنة تحدث عندما تكون هناك قابلية لها، والأمة التي لا تقبل الفتنة يعسر تفشيها بينها، فمن تكون له القابلية لأن تفعل به الأفاعيل لا يجب أن يلوم الآخرين على ما فعلوه به.
ويروج إسلاميا الاعتقاد أن الفتنة نائمة في الأمة إلى أن يأتي من يوقظها، فتحرق الأخضر واليابس وترتفع ألسنتها لتصيب الجميع فيتفسخ المجتمع، وعادة ما تبدأ الفتنة بأحداث صغيرة سرعان ما تتتالى لكي يكبر حجمها، إنها قبس من نار يتحول إلى حريق شامل.
وغالبا ما تمد الفتنة جناحيها لكي تغطى المجتمع أو الملة بأسرها إذ يكتوي بنارها الجميع، حكاما ومحكومين، وأحيانا تفلت من قبضة مشعليها لكي تلتهمهم هم أنفسهم، فهي قد تبدأ بحدث بسيط ولكنه يكون مثل شرارة تحرق السهل كله، وهي إذا نظرنا إليها من حيث الكمون فإنها فتنة دائمة، وعندما تقفز إلى السطح تكون فتنة متدحرجة، إذ يسهل انتشارها في بلدان لا تزال تحت سلطة الماضي التليد، حيث تمارس العادات والتقاليد والموروثات نفوذا آسرا على البشر، وبالتالي فإن من ينجح في تحريكها وحشدها في اتجاه إشعال نارها يمكنه تحصيل مبتغاه، ويكفي أن يقدم نفسه في ثوب حارس العقيدة أو الطائفة والعشيرة لكي تسير وراءه الحشود مغمضة العينين.
وإذا كانت المصادر الإسلامية تفسر ذلك بمرض في القلب والدين ولوثة في الفكر، وتدعو للتحلي بالصبر إزاءها لقول الآية “وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا”(4) فإن الفتنة في جوهرها تعود إلى أسباب أكثر عمقا، وقد وقف ابن رشد على جانب منها وهي الأسباب السياسية والإيديولوجية، فكشفه لما يزرعه المتكلمون بآرائهم المتضاربة يتنزل هنا بالذات، فالملة أصابها الخلل والاضطراب جراء تشغيباتهم، فهم لا ينقلون للناس الحقائق ولا الفضائل ولا يتبعون البراهين بل الباطل، فيقلبون الآراء إلى ضدها ويقوِّلون المخالفين ما لم يقولوه لتحقيق أغراضهم، فغرض المتكلمين ليس حفظ الدين والذود عنه بل الاتجار السياسي به. وغنى عن البيان أن وجهة نظر ابن رشد تدرج ضمن تلك المقاربة التي ترى أن الدين ليس هو الحاكم وإنما الحكام الحقيقيون هم المتكلمون والسلطة السياسية المتحالفة معهم، فـ“الدين يهيمن بالفعل ولكنه لا يحكم في أي مكان، وعلى الرغم من ذلك فإن الخطاب الاجتماعي يقول إن الله أو الدين الموحى هو الذي يحكم، أو ينبغي أن يحكم، ولكن الواقع يكذب هذا الخطاب ويقول بأن الحكام الفعليين ليسوا خاضعين أبدا لكلام الله، ولم يخضعوا أبدا له حتى في القرون الوسطى”(5).
تجد الفتنة منبعها بحسب ابن رشد في التأويلات المتضاربة، التي أضحت صناعة يتعاطاها صنف من الناس يسمون المتكلمين، مصرحين بها إلى الجمهور فاختلفوا وكفروا بعضهم البعض “فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب، ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق”(6).
وهو لئن خص المذهب الأشعري بمعظم نقده فإن ذلك لا يعنى استثناءه لغيره من المذاهب الكلامية، وإنما اتخاذه له كنموذج فقط لما كان عليه المذهب المذكور من انتشار في زمانه، ففيه يتجسد خطاب الفتنة وباسمه نطق الغزالي الذي يتهمه في تهافت التهافت بتحيزه للأشعرية فـ“قوله إنه ليس يقصد في هذا الكتاب نصرة مذهب مخصوص إنما قاله لئلا يظن به أنه يقصد نصرة مذهب الأشعرية”(7).
وما بدأه ابن رشد في الفصل يتابعه في الكشف فالهاجس هو نفسه أي مواجهة علم الكلام، لا من جهة النظر فقط في مسائل مثل ذات الله وصفاته والقضاء والقدر الخ.. وإنما أيضا على مستوى العمل وخاصة المستوى السياسي، اعتبارا لما سببه تأويل المتكلمين ونشره بين عموم الناس من صراعات وفتن.
واللافت حرصه على تأكيد أن المتكلمين ليسوا مع الجمهور ولا مع الفلاسفة، فهو يريد التمييز بينهم وبين الجمهور، فـ“الطرق التي سلكها هؤلاء القوم في حدوث العالم قد جمعت بين هذين الوضعين معا : أعنى أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها ولا هي مع هذا برهانيه فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور” (8). وفضلا عن هذا فإنه يرسم خط فصل بينهم وبين العقيدة الحقة، فـ“الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك إلى معرفة الله سبحانه ليست طرقا يقينية، ولا طرقا شرعية يقينية”(9) فطرقهم غامضة بالنسبة إلى الجمهور وهي ناقصة بالنسبة إلى الفلاسفة فهم سفسطائيون.
ويكشف أبو الوليد عن تعصب هؤلاء المتكلمين، حتى أن فرقة من الأشعرية كفرت من لا يأخذ بكلامها حول معرفة الله فيقول معلقا إنهم الكافرون والضالون بالحقيقة فهم باختلافاتهم ضلوا وأضلوا، مذكرا بالصدر الأول للإسلام أو ما يعتبره اللحظة الذهبية، حيث كانت الملة موحدة خالية من الفرق المتصارعة والتأويلات المتباينة، وحتى من تأوَل من الصحابة لم يفش ذلك للناس، وعندما جاء المتكلمون قلت التقوى وتفرقت الملة، يقول “وذلك ظاهر جداً من حال الصدر الأول، وحال من أتى بعدهم، فإن الصدر الأول إنما صار إلى الفضيلة الكاملة والتقوى باستعمال هذه الأقاويل دون تأويلات فيها، ومن كان منهم وقف على تأويل لم ير أن يصرح به. وأما من أتى بعدهم فإنهم لما استعملوا التأويل قل تقواهم وكثر اختلافهم وارتفعت محبتهم وتفرقوا فرقاً.”(10)
وإذا كانت الفتنة تجد في المتكلمين مصدرا إيديولوجيا لها فإن ابن رشد يتصدى لها من موقع العارف ببضاعتهم، ويتفق أغلب من أرخوا له مثل ابن الأبار وابن أبي أصيبعة والذهبي وابن فرحون، على أنه كان فقيها بارعا واسع الاطلاع، فقد كان يُفزَع إلى فتواه في الطب كما يُفزَع إلى فتواه في الفقه، متأثرا بنشأته في عائلة تشتغل بالفقه فأبوه وجده كانا فقيهين لامعين، كــما كان متميزا في علوم الحديث، وأخذ عنه كثيرون، هذا فضلا عن درايته بالفلسفة.
وإذا كان أعداؤه قد ذكروا خلال محنته أنهم يبتغون حراسة المدينة من مخاطر كفره فإنه على عكس ذلك كان مفعما بحبها، منخرطا في الذود عنها ضد أعدائها، فحب قرطبة والمدن الإسلامية لديه جعله يقف ضد أفلاطون في تلخيصه للجمهورية(11)، وفي الكليات في الطب وقف ضد جالينوس الذي قال إن أجود هواء هواء اليونان فقال هو إنه هواء قرطبة ويذكر أنه كان ذات يوم في مجلس المنصور مع أبي بكر بن زهر المشهور بطبه، وكان من اشبيلية، فتكلم ممتدحا مدينته فرد عليه ممتدحا قرطبة.
وهكذا فإن مواجهته للمتكلمين تتم من منطلقين مترابطين، أحدهما علمه، والثاني التزامه بالدفاع عن مدينته ودفع الأخطار عنها، ومن بينها الفتنة. ومن هنا حرصه على تدبير شؤونها، ومنهما تنبع تلك المقايسة بين المدينة والكون لديه، فهو يشبه تدبير الكون بتدبير المدينة التي يجب أن يسودها التناسق والانسجام والنظام، تماما مثل الكون المنتظم وفق ما أرادته حكمة خالقه، فكل فوضى في المدينة إنما تؤدى إلى خرابها، والفتنة تندرج ضمن هذا الإطار بالذات لذلك تهدد المدينة بالزوال و الاندثار.
الهوامش:
1- الجاحظ )أبو عثمان عمرو بن بحر )، كتاب البخلاء ، طبعة ليدن 1900 ، ص 10 ، موقع مكتبة المصطفى : http://www.al-mostafa.info/data/arabic/depot3/gap.php?file=i001145.pdf
2- سورة البقرة، الآية 251
3- سورة الحج، الآية40
4- سورة الفرقان الآية 20
5- محمد أركون، العلمنة والدين، الإسلام المسيحية، الغرب، ترجمة هاشم صالح الطبعة الثالثة، بيروت : دار الساقي 1996، ص ص 30/31. ويكشف أركون عن ما يتلبس زعم التماهى بين الحكم والدين من خيال فـ“القول بأن هذه الحكومة أو تلك في السياق المسيحي أو الإسلامي أو أي سياق آخر مرتكزة على إرادة الله، يعنى السقوط في نوع من الخيال أو المتخيل” المرجع نفسه، ص 31 .
6- ابن رشد، فصل المقال، مصدر سابق ، ص 122.
7- ابن رشد، تهافت التهافت، الطبعة الأولى، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1998 ، ص 195.
8- ابن رشد الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، الطبعة الأولى، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1998، ص 24.
9- المصدر نفسه، ص 64.
10- ابن رشد، فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، مصدر سابق، ص 124.
11- ابن رشد ، الضروري في السياسة : مختصر كتاب السياسة لأفلاطون نقله من العبرية إلى العربية أحمد شحلان، الطبعة الأولى، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1998، ص 82.
…………………………………………….
( 3 )
لدرء الفتنة ينبغي الاعتناء بإصلاح العقيدة، هذا ما رآه أبو الوليد و هنا بالذات يتنزل مشروعه الفلسفي الذي يدور في جانب كبير منه حول إشكالية العلاقة بين الدين و الفلسفة، و الدين و السياسة، والدين والمجتمع كما ذكرنا، فقد ابتغى استنطاق عمقها العقدي فقام بمراجعة النص المقدس قرآنا و حديثا في ضوء مشكلة الفتنة و ما اتصل بها من تأويلات متضاربة متناقضة. وهو ما نجده بالأخص في ثلاثيته، ونعنى الفصل والكشف وتهافت التهافت، فضلا عن فحص التجارب التاريخية لأنظمة الحكم الإسلامية واليونانية، وهو ما تضمنه تلخيصه لجمهورية أفلاطون، ولا تخلو بقية كتبه من إشارات و تنبيهات على هذا الصعيد بالذات.
ومن هنا كان تحليله لعلل الفتنة وتفكيكها للحيلولة دون انفجارها في مدينته، التي كانت تسير نحو هلاكها، وهو ما أدركه، غير أن ما قاله لم يكن صالحا لتلك المدينة وحدها، إنما للمدينة الإسلامية في كليتها فهو لم يعمد إلى إغماض العين عنها، وصرف النظر عن الخوض فيها بل بالعكس ذهب إلى قلبها، ليفاوض و يناظر المسؤولين الأول عنها وهم المتكلمين، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه إزاء السلطة السياسية في زمانه، و لكن بحدة أقل، والمفارقة أن المدن الإسلامية لم تقبل على ما قاله، بينما ستجد أفكاره في الغرب اللاتيني الاهتمام الذي يليق بها.
لقد واجه ابن رشد مثيري الفتنة، مبينا أنهم في غربة عن الدين، كما بين غربتهم عن الحقيقة ، فهم مجرد جدليين و خطابيين لا برهان في كلامهم، و بالتالي فإنه يواجههم على صعيد فكرى / ايديولوجى مستخلصا أنهم ينطقون باسم قوة سياسية اجتماعية تريد السيطرة أو إدامة السيطرة بتوسل الدين، حتى لو تطلب ذلك إشعال لهيب الفتنة.
و في سبيل ذلك اهتم بمشكلة التأويل، مبينا أن هؤلاء أفشوا العلم لغير أهله، و خاضوا فيما يقسم الملة دون برهان، و أنه كان علي كلامهم أن يظل في حدود الخاصة، فمخاطبة الناس تخضع لشروط، أي إنه يتوجب مخاطبتهم بما يفهمون، و هو ما نبه إليه الشرع نفسه، و عندما لم يلزموا تلك الحدود سببوا الأذى للأمة، فغاية ابن رشد تتمثل في تبصرة ضحايا الفتنة بما لا يعلمون، معتبرا ذلك شرطا من شروط دفع شرورها، و بالتالي فإنه إذا كان المتكلم يستنفر سلطة العامة في تلك المعركة بتحريك مشاعرها و عواطفها و تخيلاتها، تحيزا إلى مذهب أو طائفة، فإن الفيلسوف ممثلا في شخص ابن رشد يعمل على فتح أعين هؤلاء الضحايا، حتى يروا ما لا يرونه، أو ما لا يرغبون في رؤيته فالتحرر من الفتنة يمر عبر التحرر من سلطة المتكلمين.
يتعلق الأمر إذن بمعركة بين الفيلسوف و المتكلم حول من المتسبب في الفتنة، تستعمل فيها أسلحة التكفير و التفكير، فإذا كان المتكلم قد رمى الفيلسوف بسهم التكفير بوصمه بتهمة إبعاد المؤمنين عن دينهم، متوسلا الخطابة و الجدل، فإن الفيلسوف يتوسل التفكير، معتمدا البرهان دون التورع أحيانا عن رد تهمة الكفر بإلصاقها بالمتكلم نفسه، على النحو الذي يمكننا معه القول أن الأمر لا يخلو من مخاتلة متبادلة بين الطرفين. فابن رشد يعتمد إستراتيجية النقض و التحطيم، ذودا عن الأمة و درءا للكارثة المحدقة بها، فـ “قد صرف همه في تلك الفلسفة إلى نقض مذهب المتكلمين، الذين يقولون إن الخير في يد الله و أنه يصنعه بالبشر حينما يشاء و كيفما يقدر ما يشاء من غير علة و لا سبب، بل لان إرادته تقتضى ذلك، فمن رأى ابن رشد في ذلك أن هذا المبدأ ينقض كل مبادئ العدل و الحق، لأن ذلك يجعل حكومة العالم فوضى، ربما شقي فيها الحاكم الفاضل و سعد الشرير اللئيم” (1).
لقد مثل علم الكلام قسما من الأقسام المكونة لما نسميه العلوم الإسلامية و هو ينشغل بالبرهنة على العقيدة باعتماد الأدلة العقلية و النقلية، و إذا كان هذا العلم يهتم بادراك ذات الله و صفاته و الوقوف على كنه أفعاله، و بالتالي كل ما يتصل بالذات الإلهية في صلة بمصنوعاتها فإنه يضرب لا محالة بيده في العلم الإلهي أو الميتافيزيقا، و من هنا فإنه و الفلسفة يجدان نفسيهما و هما يحرثان أرضا مشتركة، مما يقوى التنافس بينهما إذ لكل أدواته و استنتاجاته، غير أن الأمر لا يقف عند حدود الصراع بين الفلسفة و علم الكلام، بل يتجاوزه كما أسلفنا إلى الصراع داخل البيت الكلامي ذاته، و يصبح ذلك الصراع أشد تعقيدا عندما نمس خلفياته السياسية، فالكثير من المفاهيم و الأفكار التي تبدو في ظاهرها عقدية إنما تتصل بالسياسة و مشكلاتها، و بالتالي فإن انزلاق الصراع إلى الاحتراب و الاقتتال، أي الفتنة يبدو كما لو كان نتيجة حتمية، غير أنه يجدر بنا التميز رشديا هنا بين صراع المتكلمين فيما بينهم من جهة، و الصراع بين الفلسفة و علم الكلام من جهة ثانية، فإذا كان الضرب الأول من الصراع ينذر بالفتن، فإن الضرب الثاني منه محاولة لدرئها.
لقد نحا الصراع بضربيه غالبا منحى تكفيريا، غير أنه في جانبه المتصل بتكفير الفلسفة لم يفرز فتنا، ربما لأن الفلسفة لا تمثل حزبا شعبيا، بقدر ما هي خطاب موجه إلى الخاصة، و هو ما نراه في حالة ابن رشد الذي “أثارت آراءه الفلسفية ريبة الفقهاء و القيمين على أمور الشرع”(2) فاضطهد، و رغم ذلك فإن محنته ظلت بعيدة عن التسبب في الفتنة على المستوى الشعبي، و إن اتهمه مضطهدوه بذلك وبالتالي فإن من يوقد نار الفتنة إنما هم المتكلمون، الذي تنتشر آراؤهم المتضاربة بين الناس فتمزقهم إربا، بينما يربو الفيلسوف بحسب ابن رشد بنفسه عن فعل ذلك، فهو حريص على عدم إفشاء التأويل لغير أهله طلبا لوحدة الأمة و خلاصها فـ “في نهاية الكتاب الأول من مختصر المجسطى يقارن حاله بحال رجل رأى حريقا و هو يشب فجأة في بيته و لم يكن أمامه من الوقت إلا ما يكفى لإنقاذ الأشياء الثمينة والأشد ضرورة للحياة (3)”
و غنى عن البيان أن الفلاسفة و المتكلمين برغم كونهم يحرثون أحيانا أرضا مشتركة فإنهم يختلفون من حيث أصناف البشر التي يخاطبونها فضلا عن توسلهم أدوات مفاهيمية و منهجية متباينة، لذلك فرق أبو الوليد بين الخاصة و العامة و البرهان و الخطابة و الجدل و الحكمة و الشريعة، فالمتكلمون غالبا ما يرون أن العقل محدود القدرة، إذ لا يمكنه الخوض فيما يتجاوز طاقته أما الفلاسفة فمجال عملهم العقل لذلك يؤكدون قدرته على المعرفة البرهانية ، و هو ما يعجز عنه المتكلمون و العامة فـ“أبو الوليد أوصد باب الحكمة ـ أي علوم الأوائل ـ أمام المتكلمين و الجمهور(4)”.
و منذ النشأة الأولى كان علم الكلام محاولة لمواجهة التحديات العقدية التي تمثلت في وجود أديان و فلسفات مخالفة للإسلام، كان لها أتباعها و مريدوها، و بالتالي فقد حاول الذب عن عقيدة الأمة و توحيدها إيديولوجيا في مواجهة الخصوم و“البدع و الضلالات و العقائد الفاسدة” أي إزالة الشبهات، غير أنه تحول و يا للمفارقة مع مر السنين هو نفسه إلى عامل فرقة و انقسام، جراء الاختلاف الشديد بين الفرق الكلامية مما شتت الصفوف و قسم الملة إلى مذاهب و طوائف، و هذا ما نبه ابن رشد إلى مخاطره، فالفتنة من بين أسبابها الكبرى تشغيبات المتكلمين و صراعاتهم “فهذه كلها. .. بدع حادثة في الإسلام و هي السبب فيما عرض فيه من الفرق التي أنبأ المصطفى أنه ستفترق أمته إليها”(5).
و هو يذهب بهذا التأكيد إلى ذروته بقوله إن الفرقة الناجية هي تلك “ التي سلكت ظاهر الشرع و لم تؤوله تأويلا صرحت به للناس و أنت إذا تأملت ما في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح(6)” موظفا بذلك الحديث المذكور ضد المتكلمين، ففي تأويلاتهم المتضاربة تنام بذور الفتن.
و هكذا فإن الصراع بين ابن رشد و المتكلمين يتجاوز من حيث مضمونه الجانب العقدي ليمس السياسة كما قلنا، أي إنه صراع حول أنماط الحكم و مشروعية السلطة، و علاقة الحاكم بالرعية، و موقع السلطة المعرفية / العلمية من السلطتين السياسية و الاجتماعية ، فالخفايا السياسية تفسر جانبا كبيرا من ذلك الصراع ، على نحو يمكننا معه القول إن الصراع يجرى في مجال العلم أو الثقافة بين الفيلسوف و المتكلم على من له أحقية السيطرة على المجالين السياسي الاجتماعي، و بالتالي من يكون قريبا من العامة و في نفس الوقت من السلطة السياسية، فالأمر يتعلق بصراع بين سلطتين أي إنه و مثلما يحصل في كل صراع فإن هناك أهدافا ترسم، فيها الأدنى و فيها الأقصى، وتحالفات تعقد وأدوات تستعمل و مثل كل صراع أيضا فإن هناك في الأخير مهزومين و منتصرين، مما يدعونا إلى الإجابة عن سؤال لمن كانت الغلبة في تلك المواجهة ؟ و هل انتهت أم إنها لا تزال حية الآن أيضا؟
لقد اتهم المتكلمون ابن رشد بالتعسف على النص القرآني فأوله كما شاء هو لا كما يقوله ذلك النص، إذ“كانوا يقولون له أن تأويلك هذا يخرج الدين عن شرعه و يبدله بدين آخر لا نعرفه” (7) وقد استعملوا ضده حجج الغزالي الواردة في كتابه تهافت الفلاسفة، و لكنه كان قد التجأ إلى محاجتهم معتمدا النص القرآني نفسه لدعم أفكاره.
و إذا كانت الفلسفة سلاحا في مواجهة الفتنة فإنها تطلب تأصيلا في المدينة لتقوم بهذا الدور، غير أن ابن رشد لم ينزع هذا المنزع فالجمهور لا يمكنه إدراك حقائقها، و من ثمة وجد الحل في الشريعة نفسها، داعيا إلى الاكتفاء بظاهرها و تركيز النظر ضمنها على ما يجمع لا على ما يفرق، فقد كان يفكر ضمن ابستمية عصره متقيدا بأطرها فالعامة بحكم فطرتها ذاتها لا يمكنها الخوض فيما تفحصه الخاصة، فقد كان مناصرا لما يمكنه توصيفه بارستقراطية المعرفة، محافظا على مراتبية معرفية، لا تني عن الإفصاح عن ذاتها.
لأجل ذلك فانه يواجه المتكلمين بأسلحتهم نفسها واضعا نصب عينه النص القرآني الذي بحث فيه عن سند لما روجوه فلم يجده، بل وجد ما يناقضه فقد واجههم داخل الشرع ، مبينا أن الفلسفة و الشريعة أختان بالرضاعة فهما تطلبان الفضيلة.
لقد نظر إلى الفلسفة باعتبارها نظرا عقليا في الموجودات من حيث هي مصنوعات تدل على صانعها ، و من هذه الزاوية فإنها تقود إلى الله و لا تبعدنا عنه، و من ثمة يورد جملة من الآيات التي تحث على هذا المنحى في التفكير و تشجع عليه بل إنها ترقى إلى مستوى اعتبار ذلك واجبا من الواجبات الملحة، فاعتماد الأقيسة العقلية و الشرعية مطلوب لمعرفة المصنوعات و الصانع قائلا “إذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وكان الاعتبار ليس شيئاً أكثر من استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه، وهذا هو القياس أو بالقياس؛ فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي (8)” محذرا من تخليط الغزالي وتشويش و تشغيب المتكلمين مثيري “الشكوك العويصة”(9) فالقياس العقلي يؤدى إلى وحدة الحقيقة أما الأقيسة الجدلية فهي أقيسة سفسطائية، تكون فيها لكل فرقة “حقائقها” الخاصة بها فتكون الفتنة في دلالتها المذهبية بمثابة انتصار كل فرقة لما تعتبره الحقيقة، التي لا يرقى إليها الشك و الريبة.
و من هنا علينا أن نطلب الفلسفة و نستعين في ذلك بكل ما يمكن أن تحصل منه إفادة، بغض النظر عمن جاء به حتى لو كان من غير ملتنا “فبين أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك، وسواء كان ذلك الغير مشاركاً لنا أو غير مشارك في الملة. إن الآلة التي تصح بها التذكية ليس يعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك، إذا كانت فيها شروط الصحة. وأعني بغير المشارك مَن نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام(10).” والمهم هنا أن يكون ذلك صوابا، فالنظر في كتب القدماء واجب بالشرع، و في العلم يستعين المتأخر بالمتقدم، ولا يمكن لهندسي أن يتجاهل ما قبله مثلا، فالأخذ عن المتقدمين زمنيا علينا يصح في كل العلوم العملية و النظرية ولا يمكن الاستغناء عن ذلك الا إذا كان هناك وحى، فلا نكون في حاجة لغيره لتحصيل ما فصل القول فيه، و إذا كانت الحكمة هي صناعة الصنائع فإنها الأحوج إلى ذلك، لهذا “ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم، فننظر فيما قالوه من ذلك؛ فإن كان كله صواباً قبلناه منهم، وإن كان فيه ما ليس بصواب، نبهنا عليه” (11)، و تبلغ النزاهة العلمية هنا درجتها العليا عند أبى الوليد بقوله عند حديثه عن أفكار القدامى و المعنى بها فلسفة اليونانيين “ فما كأن منها موافقاً للحق قبلناه منهم وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غبر موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم.” (12) و هو المنحى ذاته الذي نجده لديه عندما يفحص أقوال المعتزلة و الأشاعرة، بخصوص علم الله حيث كتب معلقا “و في قول كل واحدة من الطائفتين جزء من الحق و جزء من الباطل” (13) و لنا أن نسال عن كل هذا الحرص على الانتصار للفلسفة ؟
إننا نرى أن المقاصد السياسية هي التي تختفي وراء ذلك، فتدبير المدينة يتطلب تأسيسا عقليا برهانيا، و عندما تستند السلطة إلى ذلك فإنها تحقق للمدينة وحدتها و تنأى بها عن الفرقة كما ذكرنا، فالعقل و البرهان يضمنان ذلك، و يطردان بالتالي ذلك التخليط و التشويش و التضارب المتفشي في الخطابات الكلامية، و هو ما لا يمكن إلا أن ينعكس على صعيد السياسة فتنة ضارة، لذلك بحث عن ذلك التأسيس في الفلسفة و خاصة في السياسة و الأخلاق، فكان تلخيصه لكتاب أرسطو في الأخلاق و عندما لم يظفر بكتابه “السياسة” اتجه ناحية أفلاطون ملخصا جمهوريته، مع تنقيتها مما شابها من أقوال جدلية مؤكد ان حكام المدينة الفاضلة ينبغى ان يكونوا فلاسفة فـ“ الرؤساء في هذه المدينة هم بلا شك الفلاسفة”(14) .
و بإمكاننا القول إن الغاية العملية محركة للمتن الرشدى ، سواء من قبل صاحبها أو من قبل الأمير الموحدي الذي حثه على تشييد صرحه، و هذه الغاية تجد في المشروع الموحدى كما تجلى مع ابن تومرت بشكل خاص تفسيرا لها، فقد ابتغى القضاء على الفتن التي أضعفت كيان الملة زمن المرابطين و فتحت الأبواب أمام أعدائها الخارجيين المتربصين بها .
و من هنا كان انتباه أبى الوليد إلى الجانب الإيديولوجي و السياسي الذي تصدى لتحليله و حل مشكلاته من زاوية الفلسفة كما بيناه، دون أن يعنى ذلك أن الغاية العلمية بجانبيها المتصلين بالعلم النظري و العلم العملي كانت غائبة، فلديه تؤسس هذه لتلك، فقد كان فيلسوفا يربط العلوم النظرية بالعلوم العملية و يسعى إلى استثمارها في حل معضلات مدينته.
تتجلى عبقرية ابن رشد في الإمساك بناصية أحداث تاريخية كانت تسير نحو خواتم غير محمودة، فحاول منع حصولها باجتراح حل للفتنة و لكنه لم يكن سياسيا لنحكم عليه بالنجاح آو الفشل ، بل كان فيلسوفا و الحل الذي ارتآه طبق في ما يسميه ابن خلدون “العُدوة الشمالية”(15) التي ارتحلت إليها فلسفته عندما وجد حامله الاجتماعي و السياسي، أما عربيا فإننا قد لا نجازف بقولنا إنه لا يزال على جدول أعمال العرب اليوم و بإلحاح إذا أرادوا عدم الغرق أكثر مما غرقوا في بحور الدماء، و إن كان عليهم تجاوزه بعد تحققه بأسرع ما يمكن لتعديل عقارب ساعتهم على إيقاع الفتوحات الكونية .
لأجل ذلك فإن الحلول الرشدية لمشكلة الفتنة تبدو محافظة على الكثير من قيمتها اليوم أيضا، في مجتمع عربي ظل على ركوده الإيديولوجي والسياسي ، ولا يزال فيه المتكلمون في نسختهم المعاصرة يتحكمون بهذا القدر أو ذاك بتدبير شؤونه السياسية و الإيديولوجية، وتتجسد فيه الفتنة من خلال الوقائع الحية التي تترى حولنا.
الهوامش :
1- فرح أنطون، ابن رشد و فلسفته، الطبعة الأولى، بيروت : دار الفارابي 1988، ص 94.
2- هنرى كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ترجمة نصير مروة و حسن قيسى ، الطبعة الثالثة، بيروت / باريس : عويدات 1983، ص 359.
3- Munk( s): Mélanges de philosophie juive et arabe ;Vrin;Paris 1988;p423
4- محمد المصباحي، الوجه الأخر لحداثة ابن رشد، الطبعة الأولى، بيروت : دار الطليعة 1978، ص 132.
5- ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ص 137.
6- المصدر نفسه، ، ص 160.
7- فرح أنطون، ابن رشد و فلسفته، مرجع سابق، ص 96.
8- ابن رشد، فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، مصدر سابق، ص 87.
9- ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة،، مصدر سابق، ص 105.
10- ابن رشد، فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، مصدر سابق، ص 91.
11- المصدر نفسه، ص91.
12- المصدر نفسه، ص 93.
13- ابن رشد الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ، مصدر سابق، ص 133.
14- ابن رشد، الضروري في السياسة : مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، مصدر سابق، ص 103.
15- يقول ابن خلدون متحدثا عن حال الفلسفة في أوربا في زمانه “بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الافرنجة من أرض رومة و ما إليها من العدوة الشمالية نافقة الأسواق، و أن رسومها هناك متجددة، و مجالس تعليمها متعددة، و دواوينها جامعة متوفرة، و طلبتها متكثرة” ابن خلدون، المقدمة الطبعة غير مذكورة، بيروت : دار الجيل، بدون تاريخ، ص 537.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى