آخر الأخبار

تلك الأيام في سجون نميري … بقلم: صدقي كبلو

تلك الأيام في سجون نميري … بقلم: صدقي كبلو

ذكريات معتقل سياسي 1971-1983
الاعتقال الأول 23 يوليو 1971 -15 مايو 1973 
محجوب شريف شاعر الصمود بلا منازع

إن الشخص منا معشر المعتقلين على أيام نميري، لينظر للوراء ويستعيد الذكريات ويسأل نفسه كيف كان يكون المعتقل بدون بعض الزملاء والزميلات الذين جعلوا المعتقل محتملا إما بصمودهم نفسه أو بحكمتهم وقدرتهم على إمتصاص الغضب والحزن ومواجهة المشاكل العامة والخاصة للمعتقلين أو بقدرتهم التنظيمية في تنظيم حياة المعتقلين كلجان المفاوضات، لجان الطعام والكميون، اللجان الثقافية ولجان المجلات الناطقة ولجان الإحتفالات بالأعياد الوطنية والثورية والدينية، أو كيف كان يكون المعتقل بدون وجود بعض المبدعين من الفنانين والشعراء والممثلين ومخرجي المسرح والمعلمين في كافة مجالات المعرفة.  ولكن يظل السؤال الخاص جدا ماذا كان سيكون المعتقل لو لم يكن محجوب شريف وشعره يرفرفان على جو المعتقل في الحفلات وعند الترحيل وعند وداع مطلقي السراح؟ محجوب كان حاضرا في كل المعتقلات حتى وهو غير معتقل فلمحجوب رواة شعره ولمحجوب أناشيده وأغانيه التي تم  تلحينها وأداءها داخل المعتقلات.
إلتقيت محجوب شريف أول مرة مع صلاح العالم وعمر الدوش أمام ميدان سينما برمبل بأمدرمان (البوستة) عام 1970 وكنت قادما حينها من الجنوب بعد الإشتراك في معسكر الجبهة الديمقراطية بواو وهو أحد ثلاث معسكرات أقامتها الجبهة الديمقراطية بالجامعات والمعاهد العليا لدعم قيام حركة ديمقراطية في الجنوب في كل من واو ملكال وجوبا. وعندما عرفني صلاح بكليهما، قلت لمحجوب لقد قضينا وقتا طويلا في واو نتناقش في: حارسنا وفارسنا وأتفقنا كم هي جميلة وشاعرية وكيف أن في شاعريتها وجمالها خطورتها لأن معانيها إنقلابية وتسئ لنضال الشعب وقواه الثورية فنحن لم نكن ننتظر مايو ولا نفتش عنه “كنا زمن نفتش ليك وجيتنا الليلة كايسنا” فضحك ثلاثتهم وقالوا لقد كان ذلك موضوع نقاشهم على الغداء عند صلاح العالم ومن يومها أصبحنا أصدقاء. ولم يكن محجوب يومها شيوعيا.
وتعددت لقاءاتنا بعد ذلك ولكنها تكثفت في الفترة بين أبريل 1971 ويوليو 1971 حيث كنا نلتقي كثيرا إما عند صلاح العالم أو في الأمسيات الثقافية التي تعج بها أم درمان وأنديتها الثقافية التي كان يدير معظمها إتحاد الشباب السوداني. وهذه هي القترة التي كتب فيها محجوب  قصيدة لا أذكر إسمها ولكنه يقول فيها يا مايو لا أو لا حارسنا  ولا فارسنا ، وكتب فيها قصيدة كنت أحبها وأرددها في المظاهرات والندوات وأتذكر منها:
الشعب كتاب نقرأ فيه
نتعلم منه
كي نجتاز دروب التيه 
ولأنه أصل الأصل
القول الفصل
والد جيل 
منه أنا وبه أعتز 
تهتز الأرض  ولا يهتز
جيل قيامة
عليه علامة
جيلي جيل الحرية
جيل يكبر يوميا
جيل يمتد بعرض الأرض
كمنشورات ثورية
جيل يمتد بعرض البحر
كشلالات نارية
وطريق جهنم أن تختار طريقا لا يمشيه
وطريق جهنم أن تختار طريقا لا يمشيه
ثم جاءت يوليو وكان اللقاء الشهير بين وردي ومحجوب الشريف الذي إستضافه المذيع الممتاز ذو النون بشرى وقدم فيه محجوب ما دوامة وقدم وردي نشيد حنتقدم.
وكان طبيعيا أن يعتقل محجوب شريف بعد إنقلاب 22 يوليو المضاد وعودة الديكتاتور نميري. ولكنه أخذ بعيدا عن أغلبية المعتقلين المكتظين في السرايا لقسم إسمه المدرسة كان من بين معتقليه الأستاذ جويف قرنق، قبل أن يساق بليل للشجرة ثم للمشنقة، والأستاذ المرحوم عبد العظيم حسنين (رئيس سابق لإتحاد طلاب جامعة الخرطوم). وكان أن سرب لنا من المدرسة قصيدته الرائعة:
يا شعبنا
يا والداً أحبنا
يا من وهبت قلبنا
ثباتك الأصيلا
إليك هذه الرسالة القصيرة الطويلة
إليك من زنزانة تخاصم الفصولا
إليك رغم أنف كل بندقية
وطعنة شقية
وحقد بريرية
إليك الحب والسلام والتحية
إليك يا حبيبنا وبعد 
أدبتنا
أحسنت يا أبي
فلم نتابع الهوى
لكنما قابيل ما أرعوى
كالذئب في حظيرة عوى
وكم غوى 
وتابع الهوى
وتاه في الأنا
أراد للدماء أن تسيلا
ونحن مثلما عرفت يا أبي
بفضلك الكريم
من أشرس الرجال حينما نقاوم
نموت لا نساوم
ندوس كل ظالم
ونفتح الصدور للمدافع الثقيلة
ومن هنا
أبناءك الرفاق أقسموا
فصيلة فصيلة
أن يثأروا لحرمة الأمومة الجليلة
لطفلة جميلة
تنفست قليلا
تمددت قتيله
رصاصة في قلبها
وطعنة في جنبها
ولم تعش طويلا
لكنما
مليون مثلها سينجبوا
النضال يا أبي حقيقة
وكم حطام نخلة هوت على جذورها فزادت إرتفاعا
وأجمل الأطفال قادمون ساعة فساعة
عيونهم أشد من عيوننا بريقاً
صدورهم بما وهبت أكثر إتساعا
سيوفهم تزيد من سيوفك الطوال طولا
محجوب شريف ودخولي الحبس الإنفرادي للمرة الأولى
من بعد ظهر يوم في أغسطس 1971 فتح باب السراي وصاح الرفاق محجوب شريف، أسرعنا جميعا من كل العنابر لنستقبل محجوب معتقدين أن محجوب شريف قد تم تحويله من قسم المدرسة إلى السرايا، بينما الجميع يعانق ويسلم، قال محجوب أنه أتى من زيارة ويبدو أنهم أدخلوه خطأ، فقاده بعض الزملاء لعنبر 7  في الطابق الأول من السراي وألتف الجميع ولكن الفرحة لم تتم فسمعنا الصفارة وقالوا تمام ولكن الوقت كان مبكرا للتمام فالسجن يقفل في حوالي الرابعة بعد الظهر.
نزلنا جميعا لنصطف للتمام فإذا بشاويش السر ينادي محجوب ويصطحبه خارجا به من السرايا تاركنا مصطفين خمسة خمسة في إنتظار التمام. كانت ظهيرة أغسطس حارة تحرق وقفنا ووقفنا ولم يأت التمام فقررنا العودة لعنابرنا. وما أن إستقر بنا المقام حتى سمعنا الصفارة مرة أخرى، فنزلنا غاضبين، وأصطففنا من جديد خمسات للتمام وجاء شاويش السر وأخذ التمام فتصديت له متسائلا لم تركنا نقف لنصف ساعة من قبل بينما هو كان يريد محجوب شريف فأحتد معي ورددت عليه بنفس الحدة قائلا ينبغي أن يحترمنا كبشر ويجب ألا يتركنا نقف تحت الشمس لنصف ساعة  فطلب خروجي للمكتب. والشاويش السر (الذي ترقى بعد ذلك لصول) هو من عساكر السجون الذين إنضموا للإتحاد الإشتراكي وكان يعرف بيننا بأنه من عناصر مايو المخلصين. وعند خروجي للمكتب قدمت للضابط النبطشي وكان خريجا جديدا وهو أول دفعته إسمه أبنعوف، فتحدث معي في لغة جافة سائلا لماذا أعمل مشاكل، فقلت له يبدو أنك وصلت لحكمك قبل أن تسألني ما حدث؟ فقال متهكما “انت مفتكر نفسك وين؟ في محكمة مدنية؟ إنت هنا في سجن والعسكري دائما صحيح وإنت بتحاول تحرض المعتقلين” قاطعته قائلا “هذا غير صحيح!” فقال هائجا “ما تتكلم إلا أذن ليك إنت عارف أنا ممكن أعمل فيك شنو؟” فأستفزني ذلك فقلت “يعني حتعمل أيه؟ حتوديني الزنازين يالا وديني” فقال هائجا “ما حتشوف الشمس أبدا” فقلت ليه، وقد استعدت هدوئي فجأة “إنت فاكر نظامك ده حيقعد إلى الأبد”  فصاح في هياج “أرميه في زنازين  الإعدام” فأخذوني في رتل من العساكر كأني مجرم حرب إلى زنازين الإعدام وطلبوا أن أخلع نعلي قبل الدخول ثم أغلقوها وذهبوا. وفد إلتقيت الضابط أبنعوف بعد ذلك وتذكرنا تلك الحادثة وضحكنا كثيرا.
كانت زنازين الإعدام مجاورة للمشنقة وهي زنزانتان يحول لهم المحكوم بالإعدام قبل 24 ساعة من إعدامه وتوجد بالقرب منهم غرفة كبيرة بها ماسورة مياه تستعمل لغسيل الأموات وهي من الزنازين القلائل التي تفتح شرق و شباكها يطل غربا، بمعنى أن الشمس تدخلها طوال النهار (الزنازين الأخرى التي تفتح شرق غرب هي زنازين الشرقيات وهي مجموعة من عشرين زنزانة  في صفين يفتحان على بعضهما وبينهم حوش ضيق كنا نسميه حوض السباحة وقد عشت في تلك الزنازين مرات عديدة كما ستجد في هذه الذكريات في مكان آخر).
قضيت الليل نائما كما لم أنم منذ دخولي المعتقل وصحوت على صوت الباب يفتح للتمام والعسكري ينقر على زنزناتي حتى أنهض فيتأكد أنني ما زلت حياً، وكان السجن يفتح في الغالب بواسطة الصول لوج (وهو شخصية مدهشة سأحدثكم عنها) وبلوك أمين السجن (وهو عسكري كاتب وكان إسمه عبد اللطيف وهو شخص مهذب ولطيف) وشاويش القسم فلكل قسم شاويش مسؤول عنه (وكان القسم الشرقي هو الوحيد الذي يديره أمباشى أو عريف هو أمباشى سيداحمد والذي ترقى لشاويش بحكم معاملته القاسية للمعتقلين ولكنه كمعظم من في كوبر تحسنت معاملته عندما تكرر تردد المعتقلين).
وبعد إنسحاب تيم التمام جاءني عسكري القسم وكان إسمه “عجب سيدو” وكنت أناديه “عم عجب”. جاء عم عجب  وهو يحمل  شاي في كورة (والكورة كما قال أستاذنا الكبير محمد محجوب شورة هي أعظم إكتشاف في السجون ففيها تأكل وتشرب الساخن والبارد) وفتح لي الباب وطلب مني أن أذهب للحجرة المجاورة لغسل وجهي وعندما غسلت وجهي ناولني كورة الشاي فأعتذرت شاكرا أنني لا أشرب الشاي فلامني قائلا في هذا الجو الممطر (وكانت المطرة قد نزلت مساءا وما زال هناك بعض الرزاز) لا بد لي أن “اتقوى بشئ ساخن” فلما رفضت قال بحزم “حرم تشربه” فنزلت عند رغبته وأخذت الكورة منه وسألته “الجماعة ديل كانوا هنا” فقال دون أن يسأل من أقصد “نعم” فقلت حضرتهم كلهم فقال “لا أنا حضرت الشفيع فقط الله يرحمه” فقلت كان كيف؟ فقال ورنة حزن في صوته “عايزو يكون كيف يا والدي راجل حياته كلها بيعمل البيعمل فيه تفتكر ما توقع موقف مثل هذا” ثم دمعت عيونه وأسرع خارجا دون أن يغلق زنزناتي وعاد بعد خمس دقائق بعد أن تماسك نفسه وأخذ الكورة وأغلق الزنزانة.
وحوالي العاشرة صباحا جاء عم عجب ليصطحبني للمكتب ووجدت أمباشي سيدأحمد في إنتظاري عند بوابة الشرقيات وصرف عم عجب وأخذني هو لمكتب حكمدار السجن وكان العقيد البشير مالك وكان يقف إلى جانبه الملازم أبنعوف فطلب مني البشير أن أحكي ما حدث ثم قال لي خطبة عن طاعة التعليمات في السجن وأبلغني قراره بحبسي أسبوعين في الحبس الإنفرادي. فعدت إلى زنزانتي لأقضي العقوبة.
قضيت باقي اليوم وأنا احاول أن أتذكر بعض معلوماتي الإقتصادية فأخذت قطعة حجر صغيرة من أرض الزنزانة المتهالكة وبدأت أستعيد نموذج كينز الإقتصادي من خلال معادلاته ورسومه البيانية وشعرت بصفاء ذهن لم أشعر به منذ وقت طويل ثم سرحت أستعيد ذكريات الشهر الأخير وبدايات قصص لم أكملها (كنت حينها أحاول كتابة القصة القصيرة) ويومها ألفت قصة ظللت أرويها شفاهة حتى قال لي كمال الجزولي بعد سنوات في معتقل جمعنا أن تلك تجربة جديدة القصة القصيرة المروية وإنها إستفادة من تراث الحكاوي السودانية.
وقبل مساء ذلك اليوم إذا بباب حوش الزنازين يفتح ويدخل شخص وسيم الطلعة في ملابس نظيفة وقفل في الزنزانة القريبة مني. وصحت مناديا بعد خروج العساكر “مرحباً أنا صدقي كبلو فمن أنت؟ فقال “أهلا كبلو أنا السر النجيب” وبدأنا نحكي لبعض واصبحنا أصدقاء من يومها، بل أنني أصبحت صديقا لكل عائلة النجيب.
بعد يوم جاءوا وأخذوا السر إلى السرايا فترك لي ساعته حتى أستطيع معرفة الزمن. ومكثت يومين قبل أن أشهد حركة غير عادية في القسم وأمباشي سيدأحمد يدخل ويخرج فعرفت أن شيئا ما سيحدث. وفعلا دخل رهط من الضباط عرفت من بينهم العميد محمد عوض الله مدير السجن (القومندان) والعقيد البشير مالك حكمدار السجن والرائد عثمان عوض الله المأمور وشخص آخر في رتبة عميد لم أعرفه حينها وعرفت فيما بعد أن إسمه ميرغني أبو الروس وهو نائب مدير السجون. فقال الأخير وإنت مالك هنا فقلت ” مسالة غير مهمة المهم إني طالب بجامعة الخرطوم وأريد أن أجلس للإمتحانات” فقال “وكمان طالب أفتكرت رباط” ثم تغيرت سحنته وبدأت عليه الجدية والإهتمام وسأل القومندان “عندكم طلبة كثيرين هنا” فقال القمندان “أربعة أو خمسة” فقال أبو الروس لعثمان عوض الله المأمور “أخذ أسماء كل الطلاب وكلياتهم وسنينهم الدراسية وأرسلها لي” فقال عثمان “حاضر أفندم”.
وبعد يومين تقريبا جاءوا وأخذوني لقسم الشرقيات للتحضير للإمتحانات وأحضروا من السرايا الخاتم عدلان وكمال عطية ومن كوستي محجوب عباس وحمودة فتح الرحمن ومن الأبيض النور ماو وميرغني شمس الدين وميرغني الشايب (وكان محكوما بالسجن لهتافه ضد نميري عند زيارته للأبيض) وعوض السيد الكرسني  و الطيب الأمين والأقلع وزميل إسمه آدم  ومن الجنوب جورج ماكير و زميل اسمه أروب. 
الشرقيات أغسطس سبتمبر 1971 
دخلنا الشرقيات فوجدنا بها بعض العسكريين والمدنيين ممن حوكموا في 19 يوليوا فكان هناك المقدم يحي عمر من سلاح المظلات والذي كان ضابطا عظيما ليلة خروج عبد الخالق محجوب من سلاح الذخيرة في 30 مايو 1971 والمقدم بيومي والرائد عبد المتعال إبراهيم والذي كان بالجبهة الشرقية واحضر من هناك وحوكم والنقيب حسين ضرار والمقدم مبارك فرجون والسيد برير الأنصاري ثم جاءنا  الرائد خالد الكد بعد محاكمته.
وطلبت إدارة السجن منا أن نعطي عناوين لأشخاص أو تلفونات يمكن عن طريقها أن نطلب كتبنا، ولم يقبل الزميل الخاتم عدلان ذلك فأعيد للسرايا ولم يجلس للإمتحانات، وأكتشفوا أن حمودة فتح الرحمن قد جلس لإمتحاناته قبل قفل الجامعة فأعيد لكوستي. أما البقية فقد بدأت الإستعدادات الجدية للإمتحانات ولكن كانت هناك مشكلة أن لا نور في الشرقيات وأثرنا المسألة مع السيد اللواء أحمد صالح مدير السجون عند مروره، فرفض أولا إدخال أي نور للزنازين ثم وافق على لمبتي نيون في الحوش مصرا أنه لا يمكن إنارة الزنازين وقد قال  أثناء المناقشة معي “أنهم قد علموهم أن يقولوا لا لأي طلب وعلينا أن نقنعهم بتغيير وجهة نظرهم” و عندما أحتجينا على نور الحوش قال أنه شخصيا كان يذاكر تحت عمود الكهرباء في الشارع فقال برير الأنصاري ساخرا لذا أصبحت عسكري سجون فضحكنا جميعا ولم يسمع المدير التعليق ولم يعرف لم ضحكنا. واليوم وأنا أتذكر كيف كنا ننظر لضباط السجون والعسكريين عموما بتعالي، أشعر بالأسف الشديد ذلك أن الحياة قد أوضحت لي أن هناك مثقفون وسط ضباط السجون وهناك من واصل تعليمه بعد تخرجه من كلية السجون لدراسة القانون أو علم الإجتماع أو علوم الإدارة، وقد كان لي شرف مساعدة بعضهم في دراسته بعد عملي بالمجلس القومي للبحوث، وقد إلتقيت منهم شعراء وأدباء ومثقفين وهذا صحيح بالنسبة للعسكريين من القوات النظامية الأخرى، بل أن الحياة أثبتت لي أن هناك من ضيقي الأفق والجهلة من خريجي الجامعات وحاملي الشهادات العليا، فمسألة الثقافة وأتساع الأفق ليس لها علاقة بتخصص الشخص والمعهد العالي الذي تخرج منه وقد يكون ذلك عاملاً مؤثراً ولكن هناك عوامل أخرى.
المهم بدأنا إستعدادنا للإمتحان وتم تجهيز مكان خاص لنا وهو كان مكاتب الشئون الرياضية بالجامعة في مكان مركز الدراسات الإنمائية وكان المشرف على إمتحاناتنا من الجامعة الأستاذ الشاعر السر دوليب وكان مساعدا للمشرف على شئون الطلاب وكانت الجامعة تعد لنا وجبة طعام. وكانت المفاجأة للأمن أن نجحنا جميعا عدا إثنين أحدهما ملحق ومر ملحقه فيما بعد والآخر كان عليه ان يعيد إمتحاناته. وقد أكد إثنان منا نجاحهم بتفوق لدرجة الشرف. وكان رد فعل جهاز الأمن أن منعت الإمتحانات من السجن مستقبلا ولم يغير هذه السياسة إلا عام 1979 وتلك قصة أخرى نعود إليها في حينها.
خلال فترة الشرقيات تعرفت عن قرب على المقدم يحي عمر وهو من سلاح المظلات وهو شخص هادئ، مهذب، قليل الحديث وكان ثابتا في السجن كالجبل الشامخ، وكان يحى لا يقبل الإساءة لزملائه من العسكريين المايويين رغم ما فعلوه به وكان يقول بشموخ “خلافنا معهم سياسي وهم كبشر ناس كويسين” وكنت أحترم فيه ذلك. والتقيت أيضا بالرائد عبد المتعال إبراهيم وهو من سلاح المهندسين وهو شاب متفتح وشجاع وطيب المعشر.
خالد الكد
 وألتقيت أيضا بالصديق خالد الكد وهو شخص من طراز فريد فهو صديق صدوق وأخو أخوان وكما قلت من قبل تعرفت عليه بواسطة زميلي وصديقي الخاتم عدلان.
أول مرة أسمع فيها بخالد الكد كان عندما قان بإنقلابه عام 1966 ولذلك قصة:
كانت الدنيا رمضان وكنا بعض طلاب الداخلية معزومين فطور  رمضان عند آل كرم الله بالفاشر، وبعد تناولنا للفطور سمعنا في الأخبار وأظنها كانت تذاع في السابعة أن المحكمة العليا بالخرطوم برئاسة القاضي صلاح حسن قد حكمت ببطلان حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان وأورد الراديو أن تعليق السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء أن الحكم تقريري وغير ملزم للحكومة ولا الجمعية التأسيسية.
في صباح اليوم التالي غادرنا الفاشر لنبدأ إجازتنا الشتوية، وعندما وصلت النهود سمعت بأن ضابطا برتبة ملازم إسمه خالد الكد قد حاول أن ينفذ إنقلابا عسكريا ولكنه أعتقل. وعندما أتصلت بفرع الحزب بالنهود قالوا لي أن المسألة مؤامرة من حكومة الصادق لضرب الحزب لأن الضابط المعتقل هو قريب عبد الخالق محجوب.
وأصدرنا بيانا من فرع الحزب في ذلك المعنى (وهذه مسألة سنعود لها فيما بعد بعد لقاء خالد بعد أكثر من أربع سنين)
وحوكم خالد. ومرت الأيام والتحقت بجامعة الخرطوم  ثم حدث إنقلاب  مايو وأطلق سراح خالد وأعيد للجيش وأصبح رائدا ثم أحيل للتقاعد في 16 نوفمبر 1970 ومعه العقيد محمد محجوب عثمان والمقدم محجوب إبراهيم طلقة(وقد أعدم فيما بعد لدوره في إنقلاب 19 يوليو).  وكانت الجبهة الديمقراطية بجامعة الخرطوم قد نظمت ندوة في 17 نوفمبر 1970 تحدث فيها الخاتم وشخصي عن القرارات وأنتقدناها وأنتقدنا التوجه نحو الديكتاتورية وطالبنا بإطلاق سراح عبد الخالق محجوب وعزالدين علي عامر وسعاد إبراهيم أحمد وصلاح مازري الذين أعتقلوا فور صدور القرارات.
كان الخاتم عدلان أحد ممثلي الطلاب في لجنة الميثاق وكان هناك نقاش طويل حول ما حدث في 25 مايو 1969 وهل هو إنقلاب أم ثورة وكان المتحدث الأعلى صوتا في تلك المناقشة هو عبد القدر الرفاعي ممثل أساتذة التعليم الفني (وقتها كان أستاذا بمعهد شمبات الزراعي) وممثل الزراعيين، فأصبح هو والخاتم عدلان أصدقاء. ولما كان عبد القادر الرفاعي وخالد الكد جيران وأصدقاء طفولة عرف عبد القادر الخاتم بخالد وأصبحوا يطلعون وينزلون مع بعض، فتعرفت أنا، بل وتعرف معظم قادة فرع الجامعة وقادة الجبهة بخالد وكان من بين هؤلاء أصدقاء الخاتم محجوب عباس (شقيق جعفر عباس) ومحمد الحسن محيسي.
وعندما أغلقت الجامعة عقب إحتلال الجامعة الشهير في مارس 1971 ، إنتقل الخاتم للسكن مع خالد في أبي روف. وقد أعتقل الخاتم في 30 مايو 1971 من هناك. وقد حكيت عند حديثي عن محجوب طلقة كيف قضيت ليلة عند خالد قبل 19 يوليو.
لم ألتق خالد خلال أيام يوليو الثلاث فقد كان مسئولا عن حراسة المطار.
لم ألتق خالد بعد ذلك إلا وهو يدخل علينا في زنازين الشرقيات بسجن كوبر يرتدي البردوبة، وكان خالد هو أحد السجناء الذي يقابله الناس مسجونا فيفرحوا لأننا كلنا كنا خائفين أن يقتله نميري. 
وكانت تلك أول حكايات خالد لنا في السجن.
حكى خالد عن لقائه لنميري قال  أنه أدخل على نميري بعد تسليمه لنفسه، فطلب نميري من الجميع الخروج ثم قال لخالد أنه يريد أن يسأله سؤال واحد “بس”، لماذا كان ينوي تعيينه رئيسا لمجلس إنقلابه في عام 1966 ؟ فقال خالد رددت عليه ببساطة: لأني كنت أثق فيك لدورك في أكتوبر الذي حضرته في الشجرة. ولم يلتزم نميري بوعده أنه سؤال واحد “بس” بل أردفه بالثاني “يعني مش عبد الخالق قاليك ختوا رئيس؟” فقال خالد أنه أقسم صادقا بأن عبد الخالق ولا أي سياسي كان يعرف بإنقلابه وأنه قرر كل شيء وحده. قال خالد فجأة بدأت الراحة على نميري وقال له آخر مرة شفت أهلك متين فقال خالد  يوم 19 يوليو، فأشار نميري للتلفون وقال لخالد “أتصل بيهم وطمنهم”. وخرج من المكتب.
وحكى لنا خالد في هذه الفترة قصة إنقلابه وهي تقريبا ما كتبه في الميدان. ولكن ثمة شئ قاله لنا وهو كيف أن العميد  حينها عمر حاج موسى حضر إليه بعد إعتقاله مباشرة بسلاح المهندسين ونصحه ألا يقل كلمة لأي حد إلا في حضوره وبعدها بأيام سمع عبد الخالق يتحدث في ندوة بالقرب من مكان إعتقاله وكأنهانظمت هناك لكي يسمعها قال فيها أن إنقلاب خالد مؤامرة من الصادق المهدي وقد أختير خالد لصلة القرابة بينهما فخالد أستدرج لمباني مجلس الوزراء القديم وأعتقل هناك وتساءل عبد الخالق في سخرية: خالد إبن أم درمان لا يعرف أين مجلس الوزراء. قال لنا خالد أنه  فهم أن عبد الخالق يوحي له بدفاعه. فتمسك بالقصة ونصحه عمر الحاج موسى ألا يتراجع عنها إطلاقا.
تعرف خالد في الشرقيات بمزيد من الأصدقاء ممن استمرت صدافته لهم حتى آخر يوم من حياته ومن بينهم  الطيب الأمين وهو ببنك التنمية الأفريقي بتونس الآن وكمال عطية وأظنه بالسعودية والنور ماو وهو بالدوحة.
برير الأنصاري الإقتصادي الساخر
 وكان من حظي أن أتعرف عن قرب في ذلك المكان على المرحوم الأستاذ برير الأنصاري والذي تواصلت معرفتي السياسية والإجتماعية به حتى وفاته المأساوية في حادث حركة وهو في طريقه للدويم. وبرير رجل عالم ومرح وساخر  له حكاوي كثيرة فقد درس بمصر وأعتقل وحوكم وأبعد للسودان، ولو لم تخني الذاكرة فقد وصل السودان يوم 17 نوفمبر 1958 فأحترف وعمل وسط مزارعي النيل الأبيض، وذهب لدراسة الإقتصاد بلينينجراد فأكمل كورس 5 سنوات في 3 سنوات وعاد فعمل مستشارا إقتصاديا لنميري قبل يوليو 1971 وكان يحكي قصص طريفة عن علاقته مع نميري التي بدأت بحنتوب وعن عمله كمستشار إقتصادي عندما سأله نميري هل سيقبل الحزب الشيوعي عضوية نميري وهل سيكون عضوا في اللجنة المركزية، فعندما أجابه برير بأن ذلك ليس بالسهولة التي يتصورها قال نميري الشيوعيين الكوبيين عملو كاسترو زعيما لهم فرد برير أنه ليس كاسترو فغضب نميري وقال “إنتو قايلين نفسكم أيه!”
وكان أبرز ما يميز برير حبه للقراءة والبحث ومعرفته الإقتصادية الموسوعية وشجاعته وسخريته.
والتفيت أيضا بالمقدم فريجون وهو رجل مهذب وطيب وألتقيت بالمقدم بيومي ولم تعجبني شخصيته ولا ما حكاه زملاؤه عن كيفية عودته للجيش بعد نجاح 19 يوليو وكيف أنه كان حريصا على شكليات رجوعه. والتقيت أيضا بالنقيب حسين ضرار وكان رفاقه يحملونه مسئولية إستيلاء صف الضباط على دبابات اللواء الثاني والتي قادت الإنقلاب المضاد.
وسمعت في تلك الفترة عن البطولات الشخصية لبعض ضباط يوليو أمثال العقيد البطل عثمان أبوشيبة والعقيد عبد المنعم الهاموش والمقدم محجوب طلقة والذي ظلت الصورة التي رسموها لي بعد عودته من المحاكمة ونومه نوما عميقا حتى نودي عليه لتنفيذ الحكم وكيف أنه أخذ سيجارة وأوقدها وترك الباقي لزملائه قائلا “سيجارة واحدة كفاية لغاية الدروة”، ظلت تلك الصورة تمر بذهني عدة مرات في تاريخ حياتي وتلهمني صمودا وشجاعة ومثابرة. إن خلافنا مع ضباط يوليو حول تكتيكهم الإنقلابي لن ينسينا أبدا شجاعتهم وبسالتهم.
العريف عثمان  محمد أحمد عبد القادر يروى قصة:
خروج عبد الخالق من معتقله بمصنع الذخيرة بالشجرة
إلتقيت عثمان محمد أحمد عبد القادر في قسم الشرقيات بكوبر، وعثمان عبد القادر ليس هناك ما يدل على عسكريته سوى بنيته الجسمانية المتينة التي لا تخطئها عين، خلافا لذلك فهو شخص وديع وعاطفي ومثقف ويتحدث الإنجليزية والدنماركية وهو وطني غيور قدمت له إغراءات من عائلة ثرية في الدنمارك أن يمكث ويتمتع بحياة باذخة في الدنمارك ولكنه رفض وآثر العودة بعد فترته التدريبية للسودان ومواصلة عمله بمصنع الذخيرة. وكنا عثمان وشخصي قد بدأنا صداقة بمجرد أن التقينا في الشرقيات حكينا فيها لبعض كثير من الحكايات الشخصية وقد حكى لي عثمان حينها قصته مع خروج عبد الخالق محجوب من المعتقل في الشجرة.
قال عثمان أنه كان حكمدار نوبة الحراسة في ذلك اليوم وأنه دخل غرفة عبد الخالق قبل التنفيذ ليتأكد من أن عبد الخالق جاهز فبادره عبد الخالق قائلا “إنتو لسة مصرين على مسالتكم دي” فقال عثمان”أنا عندي تعليمات بنفذها” فرد عبد الخالق “كلنا حنفذ التعليمات لكن المسألة دي حتنهيكم في الجيش!” وقال عثمان أنه خرج وجمع الحرس واوقفهم طابور بحيث يكون ظهرهم للمبنى والباب الذي يخرج منه عبد الخالق وألقى عليهم خطبة طويلة عن الظبط والربط وعن  ضرورة عدم إختلاطهم بالمعتقل وعدم الحديث معه وعندما تأكد أن عبد الخالق قد إختفى خلف المبنى، صرف الجنود وقال أنه ذاهب لشراء سجاير، رغم أنه لا يدخن وخرج ولحق بعبد الخالق وصحبه إلى الباب الخلفي لمصنع الذخيرة حيث كانت هناك عربتان في إنتظارهما أخذت احداهما عبد الخالق بينما أخذت الثانية عثمان.
النقل لحوش الطوارئ مع وردي ومحجوب شريف
وبمجرد أن إنتهينا من الإمتحانات تم نقلنا لحوش الطوارئ (والذي أسمي فيما بعد بميدان العدالة الناجزة وكانت تقطع فيه الأيادي وتم فيه إعدام الأستاذ محمود محمد طه). وكانت مجموعتنا أول الذين وصلوا فبدانا نحاول إستكشاف المحل ومعرفة موقعه من خريطة السجن فجرينا نحو الأبواب فإكتشفنا أنه يجاور الزنازين البحرية من الشرق والكرنتينة ب   و ج من الجنوب والمديرية من الغرب، وكانت البحريات مخصصة للمحكومين بالإعدام حتى يأتي تأكيد حكمهم أو ينقض الأستئناف الحكم ولكن في تلك الأوقات كان بها مجموعة من المناضلين خرجوا لنميري عندما زار السجن وطلب أن يخرج له الشيوعيون فخرج له:
عبد المجيد النور شكاك، صلاح مازري،مصطفى أحمد الشيخ، الرشيد نايل، محمد خلف الله، سعودي دراج، الحاج عبد الرحمن، حسن قسم السيد، عوض الصافي، عوض شرف الدين
إبراهيم الشيخ
وكانت الكرنتينة ج بها بعض معارضي الجبهة الوطنية والأخوان المسلمين والجدير بالذكر أن معاملتهم كانت أفضل من معاملة معتقلي يوليو.
بدات المجموعات تتوافد فجاء من السرايا ومن المدرسة كل من:
مولانا صلاح حسن عبدالرحمن والذي عينته يوليو رئيسا للقضاء، الأستاذ محمد وردي، الأستاذ عبدالرحمن سوركتي من مصلحة الضرائب، الأستاذ محمد عثمان طه من البنك الزراعي، الشاعر محجوب شريف، مولانا محمد ميرغني نقد- قاضي، الأستاذ محمد إبراهيم معلم من السجانة، النقابي محجوب الزبير، النقابي فضل أحمد فضل (والد الدكتور على فضل الذي مات تحت تعذيب سلطة الجبهة الإسلامية)، الأستاذ مكي عبد القادر صحفي، الأستاذ ذو النون بشرى مذيع، الأستاذ  الفادني قائد في إتحاد المعلمين، الأستاذ حسن التاج من شركة الخليج، المقدم حسن مكي، الأستاذ يوسف همت من حزب البعث.
 وبالطبع قد نسيت بعض الأسماء فليعذرني من نسيت فقد طال الزمن وضعفت الذاكرة. وإلى جانب هؤلاء مجموعتنا من الطلاب التي ذكرتها وقد أضيف إليها الزميل عبدالله عطية شقيق كمال وأظنه وقتها ما زال طالبا بالثانوية.
وقضينا في حوش الطوارئ حوالي أربع شهور قبل إعادتنا في ديسمبر للسرايا مرة أخرى. كنا نسكن في خيم نصبت لنا ونفترش الأرض على برش وبطانيتين، واحدة نضعها على البرش والأخرى نستعملها كغطاء. وكنا كطلاب نسكن في خيمة واحدة.
وكانت هذه الفترة من الفترات الغنية بالسمر وغناء محمد وردي وشعر محجوب شريف والعمل الثقافي والترفيهي والرياضي.
وكان أول ضحايا نشاطنا في الحوش مولانا المرحوم محمد ميرغني نقد الذي إصطدم مع الملازم ابنعوف أثناء تنظيمنا لمهرجاننا بمناسبة ثورة أكتوبر فأرسل للزنازين مما جعلنا نضرب عن الطعام وبعد يومين من الإضراب جاء الطبيب مع القمندان الذي حملنا مسؤولية إضرابنا بينما حمله الطبيب وكان إسمه الدكتور صلاح الكردي، وهو رجل شجاع، مسؤولية ما يحدث لنا. وفي الحقيقة كان القمندان محمد عوض الله رجلا طيبا و لا يريد مشاكل فذهب للجنة المعتقلين في السرايا والذين توسطوا في النزاع (كانت لجنة السرايا بها الدكتور خالد حسن التوم وكيل وزارة الصحة الذي فصله نميري بقرار جمهوري قبل يوليو، والأستاذ بدر الدين مدثر القائد البعثي المشهور والذي أصبح فيما بعد عضوا في القيادة القومية لحزب البعث خلفا للأستاذ محمد سليمان الخليفة الذي مات في الطائرة القادمة من العراق لدعم 19 يوليو). وكانت نتيجة الوساطة أن أخرج محمد ميرغني نقد من الزنازين ولكنه لم يعاد لحوش الطوارئ وإنما أرجع للسرايا. كان محمد ميرغني نقد من مثقفي السودان النادرين فإلى جانب معرفته المهنية بالقانون كان يحفظ الشعر العربي والغناء السوداني خاصة أغاني الشفيع وأغاني الحقيبة، كان محدثا بارعا ويملك قدرة على الحكي والتذكر مدهشة، كان قارئا ممتازا وقد توفى بالسرطان عام 1975 وهو لم يزل شابا. وقد أبعد ضمن من أبعدوا إلى شالا في عام 1972 .
وبينما كنا نحضر للإحتفال بإكتوبر كنت أتجول مع محجوب مشيا (وكانت رياضة المشي منتشرة في المعتقل) وكنا نتناقش حول ما يقال تلك الأيام وسط بعض اليائسين عن أن الشعب السوداني قد ضرب ضربة قاضية وأستسلم وكنا محجوب وأنا نفند مثل تلك الأقوال في مناقشاتنا وفجأة توقف محجوب وقرأ:
شعبنا يمكن يمهل يوم
ومش عل طول
وما حيطول
أهى الخرطوم صاحية تصحي
ما بتنوم
تغلي نجوم
تغلى هموم
ريح وسموم
 وكل حقيقة المبدأ
إرادة الشعب
إرادة الشعب
لا تهدى
ومنها ننتهي ونبدأ
أكتوبر ديناميتنا
ديناميتنا ساعة الصفر
ركيزة بيتنا
وكانت تلك هي أكتوبر ديناميتنا التي لحنها وردي في حوش الطوارئ بدون عود ودرب عليها المعتقلين وأنشدها أمسية أكتوبر بصوته القوي فسمعته كل الخرطوم بحري.
كان البرنامج يشمل منافسات في الشطرنج وألعاب الكوتشينة من ويست وكنكان والعاب الفولي والجري وغيرها، إلى جانب ليلة السمر التي قرأ فيها محجوب الشعر وغنى فيها محمد وردي.
وعقب الإحتفال قررت سلطات السجن نقل محمد وردي إلى مستشفى السجن حيث بقي هناك حتى إطلاق سراحه.
محمد وردي: معرفة عن قرب
وقد تعرفت على محمد وردي عن قرب في فترة الطوارئ وكنا قد بدأنا تعارفنا في السرايا وكان يجمعنا حب المتنبئ، وقد إختبر محمد حبي للمتنبئ بعد أن أسمعته قصائد أحفظها وهو يمسك بديوان المتنبئ ومنها ميمية المتنبئ الشهيرة “واحر قلباه ممن قلبه شبم” والتي كان يعجبني قوله
ما لي أكتم حبا قد برى جسدي      وتدعي حب سيف الدلة الأمم
أن كان يجمعنا حب لغرته            فليت أنا بقدر الحب نقتسم
ومحمد وردي فنان مثقف محب للقراءة والإطلاع ويجيد الإستماع ويحفظ غناء كثيرا لكثير من الفنانين، غير أنه معجب بشكل خاص بابراهيم عوض. ولقد كان أحد أسباب صمود المعتقلين في الأيام العصيبة للسجن وكان عندما يطلق صوته بنشيد علي عبد القيوم نحن رفاق الشهداء أو درة محمد المكي جيل العطاء فإنه يسمع الخرطوم بحري ويعيد الإطمئنان والأمل للمعتقلين.
العودة للسرايا
ومثلما نقلنا فجأة لحوش الطوارئ، أعدنا مرة أخرى فجأة للسرايا، وكان العدد قد قل كان ذلك في ديسمبر 1971 فوجدنا أهل السرايا يستعدون للإحتفال برأس السنة وأعياد الإستقلال فأنخرطنا نستعد معهم. وكان الأساتذة علي الوراق وعبدالله علي إبراهيم وجمعة جابر والمخرج إبراهيم الجزولي يعدون ويخرجون فقرات الإحتفال وكتب صلاح يوسف أغنية إسمها رأس السنة يقول مطلعها
يا رأس الستة 
يا الكلك سنا
ولحنها وغناها السر تابر سكرتير نقابة سواقي الحكومة بصوت يشبه صوت عبد العزيز محمد داؤد وكتب محجوب شريف رائعته
أهلا أهلا بالأعياد
مرحب مرحب بالأجداد
أكتب أكتب يا تاريخ أمجاد أمجاد
أكتب محضر بإسم الشعب
ورسم الشعب
وخط الشعب
ديل الشهداء اتخطوا الزاد
وبينهم وبين الموت خطوات
الجايين من قلب الشارع
والجايين لقلب الشارع من سكنات
سجل أنحنا 
برغم جرحنا 
إجتزنا المحنة ونحن الليلة أشد ثبات
ونحن بخير
ونحن وراكم في الجايات
وشعبنا ليكم بالمرصاد
وكالعادة لحنها وردي من داخل مستشفى السجن ولقن اللحن للأستاذ ياسر الطيب سكرتير رابطة المعلمين الإشتراكيين والذي أداها مع المجموعة في السرايا. ولهذه القصيدة قصة فقد أرسلت اللجنة المركزية بيانها الشهير عن 19 يوليو (19 يوليو تهمة لا ننكرها وشرف لا ندعيه) والذي كان له فعل السحر وسط المعتقلين “الحزب بخير، اللجنة المركزية إجتمعت وأصدرت بيانا” وكانت القصيدة إحتفاء محجوب بذلك البيان الذي كان هدية اللجنة المركزية في أعياد الإستقلال.
وأخرج عبدالله على إبراهيم مشهدا مسرحيا من قصيدة لمحجوب يقول فيها
صدقنى أنا لا قيتو امبارح 
 لا بحلم كنت ولا سارح 
 كان باسم وشامخ كالعادة 
 نفس الخطوات البمشيها 
 نفس الكلمات الوقادة
 كان فاتح قلبه على الشارع 
 صحيح أنا قبلك صدقت 
 جريت وبكيت لما سمعت 
 يوم نفذوا حكم الاعدام 
 لكنه بكل تفاصيلو 
 جسمو .. لونو .. ضحكو .. صوتو 
 مشيهو وطولو 
 لاقانى وبحلف متأكد 
 لا طيف لا واحد من جيلو 
 فوجئت حقيقة وبصراحة 
 لو مش أبعادو الشخصية 
 والسوق .. الحركة هدير الكارو 
 حديث المارة مع الباعة 
 والناس ، الداخل للبوسته 
 الطالع منها ، والساعة 
 زى سبعة صباحا ، والشارع 
 مليان عمال وأفندية 
 وفى طول الوقت وكنت بفكر 
 امكن بحلم 
 امكن كل الحاصل اشاعة 
 بس لكنى جريدة قريت أيام المحنة 
 سمعت اذاعة 
 وكل الزملا الشهدا ، شرفنا 
 صانو شرفنا بكل شجاعة 
 واستبسالهم كان فى الدنيا 
 حديث الساعة 
 وشفت بعينى 
 فتشو بيتنا وبيت جيرانا 
 رفعت ايدى 
 مرة الدبشك ، ومرة السنكى 
 ومرة زناد ما بين عينى 
 دا كلو تمام انا وعشتو 
 لحظة بلحظة مشاهد حيه 
 بس لكنو هداك قدامى 
 كمان شايفنى بعاين لى 
 وفي طول الوقت .. كنت بفكر 
 امكن بحلم 
 امكن امانى 
 امكن بشبهو واحد تانى 
 وفجأة الصوت اياه .. عرفتو 
 عرفتو الما بغبانى 
 “يااخينا ازيك” 
 اهلا مرحب .. ايوه اتفضل” نادانى 
 مشيتلو.. مصدق وما مصدق 
 سلمت بقلبى واحضانى 
 وشعرت كأنه بيعرفنى 
 شعرت كأنه بيقرانى 
 راجل نكته عميق ومهذب 
 رائع جدا وانسانى 
 ولما جمعنى وشجعنى 
 سألتو بدهشة عن الحاصل 
 قاطعنى .. “بتعنى الاعدام؟ 
 اعدامنا .. بتقصد اعدام؟ 
 الموت لو شنقا حتى الموت 
 الموت .. لو رميا بالرصاص 
 ما هو الموت” 
 “الشعب يقرر مين الحى والميت مين 
 الشعب يقرر مين الحى والميت مين 
 ونحن عمرنا القدام 
 الحزب .. اليقظة .. الاقدام 
 الحزب .. اليقظة .. الاقدام 
 الحزب .. اليقظة .. الاقدام” 
 وبسرعة انكسر الميدان بالناس 
 عشرات العشرات 
 أطفال .. عمال .. وطليعيين 
 وبنات طيبات 
 ومنشورات 
وقد أديت فيها من خلف الكواليس فقرة من دفاع الأستاذ عبد الخالق محجوب أمام المحاكم العسكرية والتي قال فيها:
“اليوم عندما أنظر من وراء هذه السنوات الطويلة أشعر بالسعادة والفخر بفكر تقبلته مختارا وبمنهج سلكته عن اقتناع تام وارتاع لمجرد التفكير في أنني لو لم أكن شيوعيا ماذا كنت أصبح؟”
وقد سبق العرض المسرحي موكبا كان من المفترض أن يكون صامتا، ولم أعرف ذلك إلا بعد الموكب بوقت طويل، لكني، وبفعل حماس الشباب وتحديه لواقع المعتقل بدأت بالهتاف، فردد المعتقلون الهتافات بصوت داو لا شك انه سمع في أرجاء الخرطوم بحري وتناولته أحاديث العاصمة و كانت النتيجة أن إختار جهاز الأمن وإدارة السجون 44 معتقلا لترحيلهم إلى شالا وزالنجي.
عندما تسببت في إرسال الخاتم للزنازين 
ذات يوم من أيام يناير الباردة وقبل ترحيلنا لشالا وزالنجي، تقرر تحويل بعضنا لعيادة السلاح الطبي وكنت ضمن المحولين لعيادة العيون، وتم إستدعاؤنا فخرجنا للمكاتب، ولم يكن لدي فنلة شتوية وأصر الزملاء على أن أرجع وأستعير فنلة من الزملاء وقال أحدهم أذهب للخاتم ولكن الحرس أصر على الذهاب وإحضار الفنلة من الخاتم وكان عند الخاتم سويتر، فعندما ذهب إليه الحرس لم يعطه وقت لتفتيش جيوبه فخلعه وعند الخروج أصر الحرس في الباب أن يفتش السويتر فوجد بعض الأوراق في الجيب كانت عبارة عن خطابات متبادلة بين الخاتم وخالد الكد، فأصريت أن الورق يخصني ولكن الحرس الذي أتى بالسويتر أصر أن الورق يخص الخاتم فأخذ الخاتم للزنازين الغربية ولم نلتقيه إلا عندما تقرر ترحيلنا حيث ضم لنا في المعاملة. ولم يغفر لي محمد ميرغني نقد ذلك إطلاقا. وكان كلما يلقاني يقول لي “وديت صاحبك الزنازين!” 
صداقات سجن كوبر قبل الرحيل:
أتاح لي الإعتقال في سجن كوبر أن اتعرف على عدد كثير من الرفاق عن قرب وكنت أسمع بهم أو إلتقيت بهم لماما في عمل سياسي أو مناسبات إجتماعية ولكن السجن أتاح لي التعرف عن قرب مثل الأستاذ خليل الياس الذي كان رئيسا لإتحاد الشباب السوداني وهو شخصية فريدة متعددة المواهب والقدرات، قائد فذ وفنان ذو صوت شجي ويملك قدرة على السخرية والنكتة وفوق كل ذلك فهو شخص متواضع وصديق صدوق. وقد قابلته بعد ذلك في معتقلات كثيرة وفي الحياة العامة وببساطة ظللنا أصدقاء حتى الآن. 
إلتقيت على الماحي السخي وهو مثال للقائد النقابي الصامد المتواضع والذي أعطى شعبه وطبقته وحزبه ورفاقه حياته وسليم أبو شوشة (ولي قصة معه سأحكيها فهو له اليد العليا في دراستي الإقتصاد السياسي) وعلي بخاري وقد حزنت حزنا عميقا لما حدث له فيما بعد مما أدى لفصله من الحزب. 
وقد إلتقيت في المعتقل بالمذيع الرائع ذو النون البشرى وقد كنت أعرفه عن بعد منذ أيام المدرسة الوسطى من خلال رواية كتبها ولا أذكر إسمها الآن في مجلة الإذاعة “هنا أمدرمان في مطلع الستينات وكان حينها مذيعا جديدا، وقضينا أيام نتناقش حول الإذاعة والغناء السوداني.
تعرفت أيضا على المهندس صديق يوسف إبراهيم النور، ذلك المنظم الرائع والمناضل الصامد، والذي أسهم في وضع الأسس السليمة للبناء والعمل الحزبي في المعتقل، فإذا كنا نحمد للرفاق خارج المعتقل أمثال نقد والجزولي سعيد وسليمان حامد ويوسف حسين وفاروق زكريا وعبدالجليل وعبد الحميد وغيرهم من المناضلين مأثرة تجميع الحزب في الخارج، فصديق دون شك يحفظ له تجميع الحزب في المعتقل.
وأتاح لي المعتقل أن أعرف عن قرب الدكتور خالد حسن التوم، ذلك الرجل الشجاع والحكيم والذي حمل همومنا جميعا خلال فترة إعتقال 1971-1973 فقد كان رئيسا للجنة المعتقل ومفاوضا بارعا صبورا ومهذبا وحازما وهو دون شك من الذين جعلوا صمودنا في المعتقل ممكنا. بل أن خدماته لنا تخطت حدود المعتقل فكان قبل وبعد تصفية المعتقل هو من يسعى لعلاجنا وعلاج أفراد عائلاتنا.
وكان شرف لي وسعادة كبيرة أن تعرفت في المعتقل على الأستاذ الكبير عبد الكريم ميرغني السفير والوزير السابق والموسوعة العلمية المتحركة وكنا نلتف حوله ليحكي لنا عن رحلاته وتجاربه وعن فترة عمله كوزير مع نميري وعلمنا اليوقا وفنونها. وقد حافظت على علاقتي الشخصية معه بعد خروجي من المعتقل وتطورت لصداقة متينة خلال الديمقراطية الثالثة وقد حملت إليه ومنه رسائل لقيادة الحزب. وأذكر أبان الديمقراطية الثالثة أن الرفيق نقد قد حملني رسالة له لترتيب لقاء مع مولانا محمد عثمان الميرغني وعدت راجعا إليه فحملني رسالة بالمواعيد والمكان. وكنت أسرق الوقت في الأمسيات لأشرب شاي المغرب لديه وأسأله عن أسرار فترة نميري الأولى وقد كنت أترجاه أن يكتب ذكرياته لأنها ستكون مصدرا من مصادر تاريخ السودان الحديث وقد سمعت نعيه في الغربة وقد كان ذلك من أقسى أيام غربتي الطويلة.
وشرفني المعتقل بالجلوس طويلا بصحبة صديقي ياسر الطيب مع أستاذ الأجيال عباس علي، وهو مؤسسة حزبية وتعليمية كاملة، ولعل حكاياته لنا عن تاريخ الحزب ونضالاته ساعدتنا، ياسر الطيب وشخصي، على الصمود وعلى معرفة كنه معنى التراجع والدفاع والهجوم، وهذا ما كنا نحتاج، ونحن شباب صغار السن حديثي العهد بالإعتقال، لفهمه فهما عميقا في تلك الفترة الكالحة من تاريخ شعبنا وبلدنا وحزبنا. وسيظل الأستاذ عباس علي يلهمني ما بقي لي من عمر.
ورغم أن المعتقل لم يتح لي وقتا كافيا للإقتراب من الأستاذ المهندس صلاح مازري ولكن يكفي أنه عرفني به مما أتا ح لي فيما بعد، خاصة خلال الديمقراطية الثالثة، أن أجلس أليه وأرد نبع تجربته ومعرفته بتاريخ الحزب و اتعرف على آرائه حول بعض الأحداث الهامة في تاريخ الحزب وآرائه حول بعض المناضلين مثل عبد الخالق وإبراهيم زكريا وعمر مصطفى المكي وفاروق محمد إبراهيم، وقد حدثني كيف أن عبد الخالق كان يقيم فاروق محمد إبراهيم تقييما عاليا وأن صلاح مازري أبدى رغبة في مناقشة عمر مصطفى أيام الإنقسام نسبة لعلاقة طويلة وعميقة نشأت بينهما في العمل السري أيام عبود فقال له عبد الخالق إذا أراد أن يبذل مجهودا فليبذله في مناقشة فاروق فهو رجل مستقيم ومفكر ومستقل في تفكيره!
وقضيت وقتا مرحا مع من هم أقرب إلى سني في المعتقل فتوطدت علاقتي بإسماعيل المبارك  وإبراهيم النور  وعثمان يوسف و خليل أحمد علي (والذي أصبح نسيبي فيما بعد) وأبو الحسن بلة الشاذلي وياسر الطيب وطبعا الخاتم عدلان رفيق عمري.
أما فترة حوش الطوارئ فقد وطدت علاقتي بمحمد عثمان طه ذلك المناضل الصامد المرح وذو القدرات التنظيمية المدهشة، كما تعرفت عن قرب بعبد الرحمن سوركتي والدكتور حزمر ومحجوب الزبير و العم فضل أحمد فضل وحسن التاج وحضرت مجالس القاضي صلاح حسن وقضيت وقتا في نقاش يوسف همت وتعرفت على العقيد حسن مكي الذي حكى لنا كثيرا عن صديقه فاروق حمدالله وقد حكى لنا كيف أن فاروق وكان نقيبا قد تقدم أيام ثورة أكتوبر وحيا اللواء عوض عبد الرحمن صغير وقال له أن النقيب فاروق عثمان حمدالله يرفض ضرب جماهير الشعب العزل.
وكانت فترة حوش الطوارئ هي من فترات تطور علاقتي بالفنان الكبير وردي، وكنا أنا ومحجوب شريف لا نفترق.
سمحت فترة الطوارئ بتوطيد علاقتي مع زملائي الطلاب حينها الطيب الأمين، أقلع، النور ماو، ميرغني شمس الدين، كمال عطية، عبدالله عطية، وجورج ماكيير، وآدم. وكنا أنا ومحجوب عباس أصدقاء قبل المعتقل وكان محجوب يبهرني بحسه المرهف وقدرته على كتابة وتذوق وحفظ الشعر الجيد. 
 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى